بقلم| سارة جميل (ناشطة عراقية)
تعاني المرأة العراقي منذ عقدين من الزمن من اضطهاد متعمد، وسلب حقوقها في ظل السياسات الحكومية التي تسعى بكل إمكاناتها إلى إبقاء المرأة دمية تتحرك وفق إرادات المتسلطين وفي الأوقات التي يريدونها؛ بسلب إرادتها وممارسة أقسى أنواع الظلم بحقها؛ حتى أصبحت الكثير من النساء المضطهدات تتوهم أن هذا الاضطهاد والظلم الذي يتعرضن له داخل المجتمع أمر طبيعي وهو حق للرجل، والسكوت على الظلم وعدم الإفصاح عن أنينها وآلامها واجب عليها، والمطالبة بحقها ورفع الظلم عنها قلة أدب وتقليل من شأن المعتدي، هكذا يراد للمرأة أن تكون في مجتمع يمتاز بالسلطة الذكورية غير المنضبطة يراد لها أن تعيش منكسرة ضعيفة ذليلة بحجة أنها ناقصة عقل، وليس لها حقوق كاملة؛ وبسبب هذا تخرج المرأة للمجتمع بأمراض نفسية تنعكس سلبًا على أبنائها وبسبب هذا الاضطهاد أصبحت المرأة نفسها تفضيل ولادة الذكور، وكره الإناث في بعض الأحيان، حتى أصبحت تميز بين الذكر والأنثى بكل شيء حتى في الطعام فالذكر يأكل أجود الطعام والأنثى تأكل المتبقي من الطعام! ومع مرارة هذه الصورة إلا أنها للأسف تكثر في مجتمعاتنا؛ نتيجة لآثار الظلم والاضطهاد للمرأة التي جعلت حتى الأم تسلك الطريق الخاطئ في التربية وتغافلت أن التفرقة بين الأبناء تولد غيرة وكره بين الأخوة أنفسهم.
يتناسى هذا المجتمع دائمًا أن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تتنافى تمامًا مع هذه الممارسات الخاطئة فالتعاليم الإسلامية أوصت باحترام المرأة وعدم إذلالها أو إهانتها؛ فقد كانت آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم (أوصيكم بالنساء خيرا) (ورفقا بالقوارير)؛ فهي نصف المجتمع، ويجب أن تُصان كرامتها وتحترم كما تُصان كرامة الرجل. فالإسلام عامل المرأة على أنها شريكة الرجل في الإنسانية، فقد خُلقَا من أصل واحد.
ورغم التعاليم الإسلامية التي رفعت من مكانة المرأة إلا أن نسبة كبيرة من الفتيات في العراق يُجبرن على ترك الدراسة والزواج المبكر أو ما يسمى (زواج القاصرات) بدون أي ضوابط أو قوانين تحفظ للمرأة حقوقها، ومن هنا تبدأ مراحل معاناة الفتاة القاصرة، إذ أنها بهذا العمر وفي ظل الاضطهاد الذي يمارس عليها في مجتمعها؛ تكون غير قادرة على بناء أسرة أو اتخاذ القرارات المتعلقة بها، فبدل أن تكون هذه مرحلة بناء ذاتها وثقافتها ومعرفة طريق مستقبلها والتخطيط لمستقبلها، مع ضرورة رعايتها وتربيتها تربية صحيحة، إلا أن بعض العوائل تذهب إلى تزويج البنات وهن صغر السن وتحميلهن مسؤوليات أكبر من أعمارهن؛ مما أدى إلى ارتفاع حالات الانتحار بين هذه الفئة بسبب هذه المسؤولية وتعرضهن للتعنيف الذي يصل إلى حد الموت في بعض الأحيان وأمام أنظار الجميع، وما يزيد الأمر سوءًا أن هذه المضطهدة حتى بعد موتها إثر العنف الأسري لا تعطى حقوقها بل غالبًا ما يطعن بسمعتها حتى في قبرها؛ لأن المفهوم السائد في مجتمعاتنا للأسف هو أن المرأة مدانة في جميع الأحوال، وبسبب التعنيف الأسري وتزويج القاصرات؛ حصلت حوادث عجيبة وبشعة في مجتمعنا فبتنا نسمع أن امرأة قتلت أبناءها لإغاظة طليقها أو زوجها وهي نتيجة متوقعة؛ لأن الظلم والإقصاء والاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في مجتمعنا تسبب لها بأمراض نفسية انعكست نتائجها على أبنائها والأخطر من هذا أن هذه الممارسات البشعة ستكون سُنة عبر الأجيال في حين استمر تعنيف المرأة واضطهادها وإقصائها.
ومع حجم الظلم الذي تتعرض له المرأة في العراق إلا أنها ما زالت تنتظر منذ عدة سنوات إقرار قانون ينصفها ويعطيها حقوقها ويحد من ظلمها واضطهادها واستغلال فقرها لأغراض حزبية رخيصة إلا أن السلطات في العراق تصر على المشاركة في ظلم المرأة العراقية؛ بتقاعسها عن تشريع قانون لحماية المرأة، ورغم وجود مسودة قانون أمام البرلمان الحالي ومرحل من البرلمان السابق الذي تواطأ على ظلم المرأة لخضوعه لرغبات بعض المحسوبين على رجال الدين وشيوخ العشائر الذين يقفون بقوة ضد أي قانون يحمي المرأة؛ بذريعة هدم الأسرة، لكنهم يتناسون أن الأسرة التي تحتوي على فرد معنف هي أسرة مهدمة أساسًا، لكنها مهدمة خلف أبواب موصدة لا يخرج صوتها لكنها كالجمر ستشتعل بأول هبة ريح لتأكل كل ما حولها؛ يخشون إقرار قانون حفظ المرأة وحمايتها لأنهم لا يستطيعون رؤية المرأة قوية ومؤثرة وصاحبة قرار، تتساوى في الحقوق والواجبات مع غيرها؛ لأن المتسلطين على رقاب الشعب العراقي يريدون أن تكون المرأة سلعة يتداولونها متى وكيف شاءوا! خصوصًا أن بعض الآباء الذين من واجبهم حماية بناتهم ومساندتهن أصبحوا سببًا في كسر وضعف وضياع بناتهن لخضوعهم لأعراف باطلة وظالمة للمرأة.
ولعل أفضل ما يمكن أن يقر في القوانين التي تحمي المرأة هو معالجة المعنِّفين وإدخالهم دورات للتأهيل النفسي، والمطالبة بمحاسبة مرتكب الجريمة أيا كان وعدم التمييز بين الضحية، وضمان عدم الاعتداء على المرأة في حال طالبت بحقوقها وهذا واجب الدولة لو كان حقيقة توجد دولة، ولكن ما يجري في العراق أن الحكومات مشتركة في جريمة اضطهاد المرأة، لأنها على سبيل المثال تقتل بمجتمعاتنا لو تعرضت لاغتصاب أو تحرش، مع أنها ضحية الذئاب المفترسة. ولا يحاسب الجاني إلا بعقوبة مخففة والسبب أن الضحية هي امرأة؛ بل وصل الحال إلى أن تعطى المرأة في المجالس ڪديّة أو ما يسمى بـ "الفصلية العشائرية" كما يحدث في بعض المحافظات الجنوبية وفي بغداد أمام مرأى ومسمع الحكومات والمراجع الدينية التي تقف صامتة أمام هذا الظلم والاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في العراق.
بل إن اضطهاد المرأة وظلمها أصبح ظاهرة في كل مفاصل الحياة حتى في العمل والدراسة، بل حتى في مؤسسات الدولة مع أنها وبحسب آخر إحصائية بلغت نسبة النساء في العراق 49.5% فهي تمثل نصف سكان العراق تقريبًا، ورغم ذلك فإن البرلمان جعل نسبة تمثيل المرأة 25% بما يسمى (كوتة المرأة) وهذه المقاعد للمرأة تستحوذ عليها الأحزاب المتسلطة والمتنفذة بمعنى أن الموجودات حاليًا في البرلمان لا يسعين لإنصاف النساء العراقيات ولا يوصلن أصوات المضطهدات، وإنما هدفهن خدمة الأحزاب التي ينتمين إليها، ولذلك فإن دور المرأة العراقية في العملية السياسية معدوم، وإن سعت المرأة الوطنية لأن تكون داخل هذه العملية السياسية ستكون هي الخاسر الأول لأنها ستستهدف بشكل مباشر أو بعائلتها أو بسمعتها؛ لأن الأحزاب الحالية لن تقبل إلا من تكون على شاكلتها..
وبهذا تكون المرأة العراقية قد ظلمت سياسيًا واجتماعيًا وبكل مفاصل الحياة؛ وهنا لا بد أن نتساءل لماذا هناك العديد من النساء العراقيات اللواتي أبدعن في تخصصاتهن خارج العراق؛ والجواب بسيط لأنهن وجدن الاهتمام والدعم الكافي من البلدان التي احتضنتهن لكن ما يجري في العراق هو قتل الكفاءات العراقية سواء من الرجال أو النساء. ولعل ما رأيناه من استهداف متعمد للمرأة العراقية في تظاهرات تشرين وقتل الناشطات كالشهيدة ريهام يعقوب وسارة طالب وغيرهما من اللّواتي قتلن بطريقة بشعة جدًا لأنهن طالبن بحقوق العراقيين جميعًا واعترضن بأصواتهن وهتافاتهم وأقلامهن ضد الفاسدين؛ خير شاهد ودليل على اضطهاد المرأة العراقية في ظل العملية السياسية الحالية. فالمرأة لها الحق في التعليم والحياة الكريمة والمطالبة بحقوقها ورفع الظلم عنها، وهنا تأتي مسؤولية المنظمات النسوية للسعي بتثقيف المرأة لمعرفة حقوقها وواجباتها بالعمل والتعليم...؛ حتى نضمن بناء أم وأخت وبنت واعية وفاهمة ومحافظة على أسرتها وبيتها وعائلتها؛ وهو ما يساهم في بناء جيل صحيح يساهم في بناء المجتمع والدولة، وهذا لن يحصل إلا إذا عاشت الأم في مجتمع يحترمها ويقدرها ويعطيها حقوقها الكاملة لا أن يهينها ويعتقلها ويذلها بدوافع طائفية وحزبية مقيتة؛ فأساس البناء وهدم الأجيال وتخريبها يكون بهدم الأساس.