بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
في مثل هكذا وقت من كل سنة يحتفل العراقيون ولمدة ثلاثة أشهر بأيام اللهيب الدموي مع انقطاع الكهرباء المستمر وزيادة درجة الحرارة .
وقد سجل هذا القطاع أداءً سيئا وفرض أعباء مالية ضخمة على الموازنة العامة للبلد، وقد ألحقت أزمة الكهرباء ضرراً شديداً بالقدرة التنافسية لمجمل القطاعات الاقتصادية، وشكل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً، واضطر المواطنون الى تسديد فواتير كبيرة وضخمة للحصول على الطاقة من المولدات الأهلية والخاصة، ولا يزال انقطاع التيار الكهربائي يحدث بشكل يومي لمعظم المنازل، واتسعت الفجوة بين ذروة الطلب على الكهرباء والحد الأقصى لإمداد الشبكة بالطاقة على الرغم من زيادة العرض المتاح بمقدار الثلث، ومن المُرجح أن تتضخم هذه الضغوط بسرعة بسبب النمو السكاني المتزايد الذي أفضى ويفضي الى زيادة الطلب على الكهرباء.
وقد عانى قطاع الكهرباء في العراق من أزمة منذ العام 2003 ولا يزال المواطنون في عام 2023 يعانون انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة ونقص في طاقة التوليد وهدر غير مسبوق وخسائر أثناء النقل والتوزيع رغم الانفاق الحكومي الضخم الاستثماري والاستهلاكي والذي بلغ نحو 102 ترليون دينار خلال العشر سنوات الماضية..
ورغم أن العراق يعد من الدول الغنية بهذا القطاع، إلا أن تدهور البنية التحتية وسوء إدارة استثمار الغاز الطبيعي في محطات الطاقة فاقمت هذا المشكلة، مما يجعل إيران المتحكم بكمية الطاقة التي تباع الى العراق وبأسعار تعد الأغلى في العالم، حيث إن سعر المليون وحده حرارية وحدة القياس) ك بالبورصة العالمية يبلغ نحو (2.5 دولار) لكن السعر في الاتفاقية الموقعة بين العراق وإيران يصل إلى( 11.23 )دولاراً، أي أضعاف السعر .
وقد تأثر إنتاج الكهرباء بارتفاع نسب الفاقد وضعف شبكات التوزيع ونقص مدخلات الإنتاج، ويشكل الفاقد ثلث إجمالي انتاج الكهرباء
والفاقد نوعان: فني يرجع أساساً لقدم المعدات التي يصل عمرها الى 30 عام..
وغير الفني وهو الأكبر بسبب التجاوزات على شبكة الكهرباء وهو يقع خلال مرحلة التوزيع، من المتوقع أن يزداد الطلب على الكهرباء بنسبة 50٪ في السنوات القادمة وبدون بذل جهود لإبقاء نمو الطلب تحت السيطرة، ستظل هناك فجوة كبيرة بين العرض والطلب على الطاقة وستكون هناك حاجة لجهود إضافية لسد الفجوة من أجل دعم الطلب المتزايد وإمدادات الكهرباء، وستحتاج شبكات النقل والتوزيع الحالية إلى التحديث والتوسيع.
إيران التي قامت بخفض الغاز للنصف للضغط لأخذ أثمان الغاز عن طريق توسل حكومة بغداد من أمريكا للسماح لها بتحويل أموال إيران .ويخلص شهر تموز وآب وذروة لهيب الحر مفاوضات تنتهي بإطلاق الأموال بطريقة غير مباشرة، يرجع يتكرر الأمر في شهر تشرين الثاني و كانون الأول في فصل الشتاء مع حلول البرد الشديد وتعود نفس القصة وتنتهي في الربيع
ما هو الحل لهذه القضية التي تتفاقم سنة بعد سنة !!
الاعتماد على واردات الغاز الإيراني تمثل تحديات كبيرة إذ يمكن أن تتسبب أعمال الصيانة أو الانقطاعات في خط أنابيب الغاز بين البلدين في تأخير أو انخفاض في إمدادات الغاز ، كما هو موضح في الحالة المذكورة حيث تأخر وصول الغاز بسبب صيانة خط الأنابيب. ويمكن أن تؤدي هذه الانقطاعات إلى إجهاد قطاع الكهرباء في العراق وتتطلب تدابير بديلة لضمان استقرار إمدادات الكهرباء.
وما صنعت أي حكومة عراقية من تدهور في الحالة الاقتصادية يمثل قطرة في بحر مما تصنعه حكومة الإطار التنسيقي في تاريخ الحكومات العراقية. الاطار المتمثل في حزب الدعوة الذي سار بالعراق نحو الذل والهوان والانبطاح والاستعباد والاستحمار والاستغلال وتنازلات وإهدار المال العام.
خمس حكومات سابقة شكّلها حزب الدعوة والمجلس الأعلى الذين هم من أركان الإطار التنسيقي، بلغ حجم موازناتها أكثر من ألف مليار دولار على مدار نحو 16 عاما، ولم تتمكن من توفير خدمات الكهرباء أو المياه للمواطنين..
وزارة الكهرباء ما بعد 2003، كانت وما زالت مرتعاً للمليشيات المتنفذة التي هي من تتولى الإشراف على العقود والمناقصات بشكل مباشر ..وهنالك إرادة لبقاء الطاقة الكهربائية في غرفة الإنعاش ولن يسمح لها بالتعافي أبدا كون ذلك يمثل إفلاسا مالياً لتلك القوى واقتصادياً لدول تعتاش على أزمة الطاقة في العراق أولها الجارة إيران .
المليارات من الدولارات التي صرفت على ملف الطاقة والذي يمثل عصب الحياة وملف الطاقة اشتركت فيه عوامل كثيرة إرادة دولية وإقليمية وجهات داخلية وفساد الحكومات وعدم الشعور بالمسؤولية. ولو دققنا في أس المشكلة نجد أن الإرادة الدولية تحول دون حل نهائي لهذا الملف فالكل يخشى طي هذا الملف الذي سينعكس إيجابا على حياة المواطن النفسية والاجتماعية وعلى الاقتصاد العراقي الهش المتخاذل وأكاد لا أبالغ أن كثير من المشاكل البيئية والنفسية وحتى التربوية والعلمية ستحل إذا ما حل هذا الملف الذي فشلت كل الحكومات في إيجاد حلول ناجحة له. وحكومات جاءت بعد الاحتلال اتقنت الضحك على عقول المواطنين تطل عليه في الأشهر المعتدلة الحرارة والتي يكون فيها الاستهلاك في أقل معدلاته لتعد المواطن بأن صيفه القادم سيكون بإرادا كالاسكيمو وأن العراق سيصدر فائض الإنتاج لدول الجوار. وحكومات ما بعد ٢٠٠٣ ومسؤولي الكهرباء يستحقون الإعدام حرقا بإيقافهم تحت شمس تموز وآب بلا سقف يأويهم..
أزمة الكهرباء في العراق أزمة مزمنة وواقع الأمر يقول إن العراق يتأذى من دولتين هم سبب هلاك وخراب العراق أمريكا وإيران؛ ويبدو أن أسطورة توم وجيري باتت في طي النسيان بعد أن أثبتت أمريكا وإيران أن القط والفأر بإمكانهما أن يكونا أصدقاء..
توم وجيري أبطال المسلسل الكارتوني الأمريكي المعروفين بالعداء والمعارك التي تدور بينهم لحصول كل منهم على قطعة جبن أو قطعة خبز؛ لكن في النهاية تراهم متفقين على أهل الدار بأن يسلبوهم كل قوتهم وهنا أهل الدار أصف الدار بالعراق وأصحابها العراقيين. الفارق بين ما شاهدناه في طفولتنا وما نشاهده على الطبيعة اليوم أن القط توم (الولايات المتحدة) تجري وراء الفأر جيري (ايران ) منذ 20 عاما والساحة أرض العراق أحيانا يريد الفكاك منها بمراوغتها تارة، ومغازلتها ثانية، والتوسل إليها ثالثة، لكن في النهاية يتفقون على مصالحهم.
وقد شهدنا في الأسبوع الأخير فصلا جديدا من هذا المسلسل، حيث اتفاقية الغاز مقابل النفط التي وقعها رئيس الوزراء محمد الشياع ..ترى أين ذهبت مساعي محمد شياع السوداني من خلال توقيع اتفاقات مع كبرى مع شركات عالمية مثل سيمنز الألمانية وتوتال انيرجيز الفرنسية وشركة نفط الهلال الإماراتية. هل غض النظر عن هذه الاتفاقيات وذهب ليعتمد على الغاز الإيراني في حل مشكلة الكهرباء.
أمريكا التي سمحت لحكومة الإطار بالتعاقد السريع العاجل من ناحية، وأنها من ناحية ثانية ورطتها في كارثة، الله تعالى القادر الرحيم يسلم العراق والعراقيين من بلائها وشرورها وأمرت حكومة الإطار التنسيقية الورقية اللف بأن تتبرمك بثروات العراق، إرضاء لشهية إيران في نهب ثروات العراق نفطا باستيراده ببخس الثمن وأخسه، ومالي باحتساب كلفة الوحدة الغازية المصدرة من إيران، بكلفة غالية الثمن ثلاثة أضعاف سعر قياس الغاز في السوق العالمية، فكان السعر ٩$ بدلا من ال٣$.
ومن العجيب الغريب أن العراق يمتلك أكبر خزين للغاز في محافظة الأنبار ولكنه يصر على حرق الغاز المصاحب في كل الآبار التي يستخرج منها النفط وتقدر كمية الغاز المصاحب المحروق هدرا ما يمثل نسبة ٨٠٪ من كمية الغاز اللازمة لتشغيل محطات الطاقة وما يزيد الطين بلة أن هناك محطات موجودة في أحد الموانئ أكلها الصدأ وكلفت الدولة العراقية ستة مليارات من الدولارات ونجهل سبب تركها للصدأ وعدم تجميعها وادخالها الخدمة كما لا نعلم ما دور الجهات الرقابية كمجلس النواب والنزاهة في هذا الموضوع وكيف يتم هدر مثل هكذا مبلغ بلا حسيب ولا رقيب.
معظم محطات الكهرباء الموجودة في الخدمة قد بنيت من زمن الملك فيصل الثاني والذي تبنى الشروع في كثير من مشاريع حددها مجلس الإعمار وكثير من المشاريع التي نفذها النظام السابق وحكومات ما بعد ٢٠٠٣ ما هي إلا مشاريع خطط لها مجلس الاعمار الذي تأسس قبل قيام الجمهورية. ونظرا لعمق العلاقة ما بين الحكومات الحالية والنظام الإيراني فقد أصرت الحكومات أن تشتري الغاز الإيراني بإضعاف السعر الذي تبيعه قطر وهذا يعني أنه لو استوردنا الغاز القطري بنفس المبالغ المدفوعة من ايران لضمنا توليد طاقة كهربائية على مدار الساعة وسبب الانقطاعات في فصل الصيف هو لامتناع الجارة ايران بتجهيز العراق بالكهرباء في ساعات الذروة وارتفاع الحرارة صيفا وانخفاضها شتاء او قطع امدادات الغاز وهذا سبب خسارة العراق كميات كبيرة تؤثر على تجهيز المواطن بالطاقة.
إضافة إلى كل ما سبق هناك إرادة دولية وإقليمية تغذي الفساد المستشري والذي نخر هيكل الحكومة العراقية ووزارة الكهرباء خاصة يمنع خروج العراق من هذه الازمة ليستمر العراق باستيراد الغاز ويستورد باقي المنتجات ليصاب الاقتصاد العراقي بالشلل التام . ولأن المجتمع العراق يمتلك ذاكرة السمكة ويصدق وعود ولاة الأمور ولأنه لا يريد أن يضحي بساعات ليخرج مطالبا بأبسط حقوق الإنسان في حياة حرة كريمة يستمر بالانتقاد من خلف الكيبورد ويتحمل حرارة ٩٠ يوما بمحض إرادته لينسى معاناته مع انتهاء موجة الحر أو البرد ليعود لنفس الأسطوانة المشروخة ما بينه وما بين الحكومات التي تشكل لجانا وتبرم اتفاقيات وتعد بصيف بارد وكلها وعود كاذبة وهواء في شبك. هذا قدر آباءنا وقدرنا وقدر من سيخلق في هذه الأرض ليعيش نفس المعاناة.
الحلول سهلة في متناول اليد ولكنه قدر العراق أن يحكمه اللصوص والأفاقين والكذابين والعملاء وملف الكهرباء ملف من ملفات كثيرة وفي قادم الأيام ننسى الكهرباء عندما لا نجد قطرة ماء للشرب بعد ان يجف النهران..
وأخيرا إن الطريق نحو استدامة امدادات الكهرباء في العراق ليس أمراً سهلاً بأي حال من الأحوال، ويتطلب جهداً كبيراً للإصلاح وجهود استثنائية لمعالجة أوضاع الإنتاج والنقل والتوزيع والسرقة والعبث والتي تعمل على ضياع 58% من قدرة التوليد، وعلى الحكومة المقبلة إن تتعلم وتسفيد من أخطاء الماضي.
يجب على بلد نفطي غني مثل العراق أن ينوع مصادر طاقته ويستثمر ويعيد بناء البنى التحتية بأفضل الشركات لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والمادي والسياسي ، وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز أمن الطاقة في العراق وتقليل تعرضه لانقطاع الإمداد من مصادر خارجية...