الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية افتتاحية العدد (46) لصحيفة الميثاق

(انتخابات مجالس المحافظات باب مشرع للفساد ومقاطعة شعبية واسعة)

مجالس المحافظات هي مسار الخدمات وإدارة الحكومات المحلية، تعتمدها الدول وفق صيغ متعددة كلها تدفع باتجاه تعزيز دور المشاركة في إدارة شؤون المواطنين بحسب الظروف الملائمة وخصائص المجتمع المتنوعة التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، مما يقلص صلاحيات المركز عليها ويفسح المجال للحكومات الرئيسة من إدارة الدولة والنهوض بمؤسساتها؛ ولعل المتابع لكل دول العالم يرى أنها تجري انتخاباتها بطريقة سلسلة ومن دون تعقيدات أو صراعات سياسية، إلا في العراق فإن انتخابات مجالس المحافظات أصبحت معركة حامية الوطيس، ولاسيما بعد إلغائها بسبب تظاهرات تشرين التي أجبرت السلطات الحكومية على حلها لأنها كانت بابًا واسعًا للفساد وهدر للمال وحلقة زائدة.

فرواتب أعضاء مجالس المحافظات تثقل خزينة المال العراقي، فضلا عن المنافع الشخصية، ويضاف عليها رواتب أعضاء مجالس المحافظة السابقين التقاعدية من دون وجه حق، مع أنهم لم يكملوا الخدمة ضمن القوانين النافذة حتى يحالون على التقاعد ليكون إجمالي المبلغ المالي أكثر من ثلاثين مليار دينار عراقي شهريًا ومن دون فائدة تذكر لهم، وهذا المبلغ المالي كفيل بالشروع ببناء مستشفيات كبيرة، والشروع ببناء مدارس متطورة، ودعم مشاريع الطلبة المتخرجين، وتقليل من نسبة البطالة، وتعالج الفقر المتقع المنتشر في العراق بشكل مخيف، مما ينعكس إلى تقليل نسب الطلاق في العراق المرتفعة جدا، ومن المؤكد أنها ستصب بمنفعة الشعب المباشرة، أفضل مما تعطى لعدد لا يتجاوز المئات وستصنع الفارق الطبقي بين أبناء المجتمع العراقي.

ومن جهة أخرى فإن الفساد الذي رافق مجالس المحافظات أزكم أنوف العراقيين، فهم يرفعون أسعار المشاريع حتى تعود لهم، لأن أغلب الشركات هم شركاء أعضاء مجالس المحافظات والمحافظين في حالة تنفيذها وإلا فأن المشاريع الوهمية التي تنفذ على الورق هي السائدة، لذلك ما يشهده العراق من تراجع خطير بسبب هؤلاء الفاسدين وسرقاتهم بالتعاون مع أحزابهم المسيطرة على المشهد السياسي والأمني عبر ميليشياتهم، ولذلك أعاد الإطار التنسيقي مجالس المحافظات وأقر قانون سانت ليغو حتى يتم الاستيلاء على مجالس المحافظات وإنهاء أي دور للأحزاب الناشئة والمستقلين.

والمتابع للصراعات الحزبية بينهم التي وصلت إلى تكسير العظام؛ يدرك أنهم مستقتلين على السيطرة على الموارد المالية وعلى القرار لتلك المحافظات لترسيخ نفوذهم تمهيدًا لانتخابات مجلس النواب، حيث يسعى الإطار التنسيقي المدعوم إيرانيًا إلى إحكام السيطرة على جميع مفاصل الدولة وإزاحة أهم منافس له في المحافظات الجنوبية التيار الصدرية، تمهيدًا للمباشرة في إنهاء وجوده الذي دفع الأخير لإعلان مقاطعة الانتخابات.

مما يؤكد أن هذه الانتخابات لن يشارك فيها الشعب العراقي بنسبة كبيرة جدًا، فهم اعترفوا بأن الانتخابات الأخيرة بمشاركة التيار الصدري بلغت 19% فكم ستبلغ بعد مقاطعتهم لها مع إدراك الشعب العراقي أن من يشارك بانتخاب تلك الأحزاب وشخصياتهم المتناثرة مساهم في مساعدتهم بتدمير العراق، وهذا الوعي سيجعل المقاطعة واسعة وكبيرة جدًا بدليل أن التجمعات السياسية التي نشاهدها في العراق يحضرها أغلبهم ممن لم يحدث بطاقته الانتخابية ولا يحق له الانتخاب، يرافقها إجبار الموظفين وفي مقدمتهم أصحاب العقود الذين يهددهم مدراء الدوائر بالفصل إذا لم يحضروا التجمع الانتخابي الذي ينفق السياسيين من سرقاتهم أموال طائلة لم يرى نازحًا أو مريضًا أو يتيمًا منها شيء، مما يجعل المال السياسي هو صاحب السطوة في فوز المرشحين.

لذلك فأن العنوان البارز لمرحلة ما بعد الانتخابات إنها ستكون بداية الصراعات الجسيمة على الفساد ولن تكون عاملًا للاستقرار، والسعيد فيها من لم يلطخ أصبعه باللون البنفسجي ويقاطع انتخاباتهم ليبقى ضميره مرتاح ويزيد من عزلتهم الداخلية والخارجية.

مقالات متعلقة