بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
يواجه العالم الخطر المتزايد للتضخم الاقتصادي الذي ارتفع إلى مستويات كبيرة لم يصلها منذ أربعة عقود مما حتم على البنوك المركزية اتخاذ قرارات حازمة لكبح جماح التضخم والحد منه منذ مطلع العام الحالي، وكان البنك الفيدرالي الأمريكي المبادر الأول بقيادة رفع أسعار الفائدة عندما أقر رفعها في مارس الماضي بمقدار(0.25) نقطة لمواجهة التضخم، لكن التضخم واصل ارتفاعه مما فرض على الفيدرالي الأمريكي اتخاذ قرار برفع الفائدة في شهر مايو بمقدار (0.50) نقطة، ثم استمر التضخم بالصعود مسبباً المزيد من الضغوطات على البنوك المركزية مما دفع الفيدرالي الأمريكي لإقرار رفعة ثالثة بمقدار (0.75) نقطة في شهر يونيو والتي كسابقاتها لم تجدي نفعا، فقد ارتفع التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية ليسجل (9.1%) وهو الأعلى منذ أربعة عقود.
وفي 27 تموز اجتمع البنك الفيدرالي الأمريكي لمناقشة التضخم الذي ارتفعت نسبته في الولايات المتحدة الامريكية إلى (9.1%) خلال شهر يونيو، والذي اتخذ فيه الفيدرالي قرار برفع أسعار الفائدة(0.75) نقطة أساس لكبح جماح التضخم، وتأتي هذه الرفعة الرابعة بعد ثلاث رفعات سابقة لم تنجح بكبح جماح التضخم، بل واصل الارتفاع بشكل متسارع، وتترتب على هذه الرفعات المتواترة مجموعة من الآثار السلبية على الاقتصادات الناشئة والنامية نجملها بما يلي:
١_ رفع كلف الاقتراض بالدولار الأمريكي في السوق العالمية وكذلك زيادة الطلب على الأصول الدولارية مقابل الأصول بالعملات الأخرى.
٢_ الدول التي تُقّوم ديونها بالدولار فإن عملية سداد الديون ستكون مكلفة لها وستستمر لفترات طويلة.
٣_ رفع أسعار الفائدة يؤثر بشكل كبير على البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل كونها ستكون معرضة للاقتراض بالدولار وهذا يكبدها تكلفة كبيرة جداً ستبقى تعاني منها طويلا.
٤_ رفع أسعار الفائدة يمكن أن يتسبب في رفع نسبة التضخم في البلدان لأخرى بسبب الأصول الأمريكية مسعرة بالدولار وهذا يجعلها الأكثر جاذبية للمستثمرين من أصول العملات الأخرى مما يؤدي إلى رفع تكلفة الواردات التي تسعر أغلبها بالدولار.
٥_ رفع أسعار الفائدة سوف يفرض ضغطا كبيراً على الدول الأخرى لتعويم عملاتها أمام الدولار وهذا سوف يعيق نموها الاقتصادي.
٦_ زيادة في أسعار الطاقة والغذاء كون التعاملات التجارية الدولية يستخدم فيها الدولار وهو ما يؤثر بشكل كبير على دول الاقتصادات الناشئة والنامية التي قد يجبرها على تقليل الواردات وفرض إجراءات التقشف والتي ستتسبب في التباطؤ الاقتصادي.
٧_ عرقلة عملية سداد الديون الخارجية للدول منخفضة او متوسطة الدخل كون عملية السداد ستزداد تكلفة لأن الاقتراض الخارجي مسعر بالدولار.
٨_ رفع أسعار الفائدة يؤدي إلى هروب المستثمرين نحو الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح وهو سيؤثر سلباً على اقتصادات الدول الأخرى.
٩_ تآكل الاحتياطي المالي للدول وتباطؤ عجلة اقتصادها بسبب عدم القدرة على الاقتراض الخارجي بسبب تكلفته العالية وهو ما سيؤدي إلى حدوث اضرار مدمرة على الأجيال الحالية والمستقبلية.
١٠_ إفلاس عدد من الشركات بسبب عدم القدرة على الاقتراض وتمويل عملياتها فضلا عن تراجع المبيعات والتعاملات التجارية.
١١_ رفع أسعار الفائدة سوف يؤدي الى انخفاض أسعار النفط وهو ما حصل في الرفعة الثالثة عندما خسر النفط أكثر من (10$) من سعر البرميل خلال أقل من اسبوع من اقرار رفع الفائدة.
١٢_ يؤثر رفع أسعار الفائدة على سندات الخزانة لمدة (10 سنوات) وهو ما يتسبب برفع كلف الاقتراض وبالتالي يلجأ المستهلك إلى تقليص النفقات.
١٣_ رفع أسعار الفائدة يؤثر سلبا على أسواق الأسهم التي سيفرض عليها تقلبات مريعة لأن القيمة المستقبلية للشركات تميل إلى الانخفاض بينما ترتفع التكلفة.
١٤_ إن رفع أسعار الفائدة يؤدي إلى عرقلة ايرادات الشركات وهذا سوف يؤدي إلى انخفاض كبير في الأرباح وبالتالي حدوث اضرار تدميرية على أسهم الشركات.
١٥_ زيادة نسبة الفقر في البلدان النامية التي ستكون عاجزة عن توفير الاحتياجات الاساسية لشعوبها بسبب ارتفاع اسعارها كونها مسعرة بالدولار.
إن عمليات رفع أسعار الفائدة ستلقي بظلالها السلبية على اقتصادات الناشئة والنامية وهو ما سيزيد من العبء الكبير على هذه الاقتصادات والتي قد تشهد تراجعات متباينة مع مرور الزمن جراء تراكم آثار رفع الفائدة والتي قد لا تظهر حالياً بشكل جلي، بل تظهر مع قادم الأيام في ظل اتساع رقعة الصرعات الجيوسياسية واستمرار أزمة الطاقة التي ستتفاقم مع آثار رفع الفائدة لتكون عقبةً أمام نمو الاقتصادات الناشئة والنامية مع ارتفاع حدة المخاطر من حدوث الركود الاقتصادي.