بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
ربما لا يعرف الكثيرون أهمية التضاريس الأرضية للمقاومين، وبالتأكيد لا يعرف الكثيرون أن المقاومة العراقية قد حُرمت من هذا العامل الحيوي والرئيسي في عمل المقاومة، لكنّ ورغم غياب هذا العامل، فأن منجز المقاومة في العراق أذهل قوات الاحتلال والعالم.
وقد أولى منظرو الحروب وزعماء المقاومة البارزين في العالم أهمية استثنائية لعامل التضاريس، لما له من أهمية وأثر بالغ في تحديد نتائج الكثير من المعارك والهجمات التي تشنها المجاميع المقاومة على العدو، ويوجه الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" مقاتليه أثناء مقاومتهم للاحتلال الياباني مطلع القرن العشرين بقوله (إن تواجد المقاومين تتوزع على ثلاث مناطق رئيسية هي: المناطق الجبلية، والسهول وتلك التي تكثر فيها الأنهار والبحيرات والخلجان) ويقسم المناطق نظرا لنوع التضاريس التي توجد في تلك المناطق.
ويقول "ماو تسي تونغ"، إن المناطق الجبلية هي الأفضل لشن الهجمات على العدو، إذ أن قوات المقاومة في المناطق الجبلية، يمكنها بصورة دائمة أن تحطم حملات التطويق والهجوم، وتصمد في قواعدها، أما في السهول فأن الأمر يختلف، إذ ينبغي على المقاومين في هذه المناطق التي تكون مفتوحة ومكشوفة أكثر، أن يفكروا في حال تعرضوا لهجوم، على ضوء الظروف القائمة واتخاذ التدابير اللازمة، وأهمها سحب أكبر عدد ممكن من المقاتلين، والإبقاء على مجاميع منفردة غير مكشوفة، وما أن ينسحب العدو حتى تعود قوات المقاومة إلى الانتشار في تلك السهول، وهنا يفترض الزعيم الصيني وجود جبال بالقرب من السهول، حيث ينتقل العدد الأكبر من المقاومين إليها، ويصنف المناطق التي تكثر فيها الأنهار والبحيرات والخلجان بأنها أفضل من السهول في تنفيذ هجمات المقاومين ضد العدو، إلا أنها أقل أهمية من تلك المتوفرة في المناطق الجبلية.
ويفرد "تشي جيفارا" مساحة واسعة للتضاريس وأهميتها في تنفيذ الهجمات من قبل المقاومين في كتابه (حرب العصابات) الذي صدر في العام 1960، ويضع أول عامل لنجاح المقاومين في شن هجمات ناجحة، هو طبيعة الأرض التي يتحرك عليها المقاومون ويقول (أن وجود الجبال والأرض الوعرة والغابات والأحراش من أهم عوامل دعم المقاومين وضمان نجاح هجماتهم دون تقديم أية خسائر، وأن الأرض المناسبة لشن الهجمات هي الجبال) ويقول جيفارا أيضا، أن (الجبال تحمي المقاومين من أذى الطيران وأنها الأماكن الملائمة لتنظيم الأفراد المقاتلين، وتجهيزهم للقتال).
ولا تختلف أفكار وطروحات كبار المفكرين الاستراتيجيين حول أهمية التضاريس في نجاح المقاومة وديمومتها، إلا أن هذا العامل الذي أولاه جميع المفكرين والاستراتيجيين وقادة المقاومة في العالم أهمية استثنائية، نجده غائبا بصورة تامة في تجربة المقاومة العراقية، رغم ذلك فقد أبلت المقاومة في العراق بلاءً حسناً، ولم يقف هذا العامل الرئيسي عائقاً أمام الهجمات الكبيرة التي شنّها المقاومون ضد قوات الاحتلال الأميركي، وتمكن المقاومون من تنفيذ ضرباتهم الموجعة دون أن تتمكن تلك القوات بكل إمكاناتها العسكرية والتقنيات من الإمساك بهؤلاء الرجال إلا في حالات نادرة جدا.