الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التوافقية بين تشريع الفساد وتمزيق المجتمع

التوافقية بين تشريع الفساد وتمزيق المجتمع

  • عبدالله سلمان

الطائفية في جوهرها هي انقسام مجتمعي يقوم على أساس الهوية الدينية أو المذهبية حيث تتحول هذه الهوية إلى أداة للتعريف الذاتي والتنظيم السياسي والاجتماعي وتعني الطائفية تقوقع مجموعة معينة من الناس حول هويتها الدينية أو المذهبية خوفاً من "الآخر" المختلف عنها. هذا التقوقع يؤدي إلى تعزيز الانقسامات داخل المجتمع ويُضعف الشعور بالانتماء الوطني الجامع اذ يصبح الولاء للطائفة أو المذهب أقوى من الولاء للوطن.

بعد غزو العراق عام 2003، لعبت الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران دوراً رئيسياً في إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي على أسس طائفية وعرقية، هذا التقسيم لم يكن وليد الصدفة بل كان جزءاً من إستراتيجية مدروسة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وأمنية بعيدة المدى.

فتحولت الطائفية من مجرد انتماء ديني أو مذهبي إلى أداة سياسية تستخدمها النخب الحاكمة لتكريس سلطتها وتقسيم المجتمع. فبدلاً من أن تكون الهوية الدينية أو المذهبية مصدراً للتنوع الثقافي والثراء المجتمعي أصبحت أداة لإثارة الخوف والكراهية بين المكونات المختلفة. هذا الخوف من "الآخر" يُستخدم لتبرير الاستقطاب الطائفي، وإبقاء المجتمع في حالة من التشرذم يسهل معه السيطرة عليه لصالح مليشيات إيران .

كانت إحدى الأهداف الرئيسية للغزو هي إضعاف وإنهاء الدولة العراقية المركزية، التي كانت تُعتبر تهديداً محتملاً لمصالح الغرب في المنطقة عبر تقسيم العراق إلى كيانات طائفية وعرقية و تقليل فرص قيام دولة قوية وموحدة يمكنها أن تلعب دوراً إقليمياً فاعلا.

إن العراق بلد غني بالنفط ومصادر الطاقة والسيطرة على هذه الثروة كانت أحد الأهداف الرئيسية للغزو، عبر تقسيم العراق طائفياً وعرقيا واستمرار الفوضى تم خلق حالة من التنافس بين المكونات المختلفة على الموارد مما سهل على القوى الخارجية التدخل والتحكم في توزيع هذه الثروات وتوجيه السياسة العراقية بما يخدم مصالح المحتل .


تشريع القوانين في العراق منذ الاحتلال عام 2003 أصبح عملية معقدة ترتبط بشكل وثيق بالتوازنات الطائفية والعرقية التي تحكم المشهد السياسي. فبدلاً من أن تكون العملية التشريعية تعبيراً عن إرادة الشعب وحاجاته تحولت إلى ساحة للتفاوض والمقايضة بين الكتل السياسية التي استقدمها المحتل مدعية انها تُمثل مكونات المجتمع العراقي الشيعة، السنة، والأكراد.
هذه الديناميكية جعلت من التوافقية بديلا مشوها عن الديمقراطية، إلا أن النظام التوافقي ليس سوى واجهة مُزيَّفة للديمقراطية صممها المحتل الأمريكي مع النخب السياسية لضمان استمرار هيمنتهم على السلطة وثروات البلاد. فبدلاً من بناء نظام ديمقراطي حقيقي يعتمد على التداول السلمي للسلطة والتنافس البرلماني بين أحزاب لها رؤى سياسية مختلفة تم اختزال العملية السياسية في لعبة تقسيم مغانم طائفية وعرقية تحت شعار "الشراكة الوطنية" هذه "الشراكة" لم تكن سوى آلية لإخفاء الفشل الذريع في تحقيق الاستقرار ولتكريس حالة من التبعية للقوى الخارجية التي أرادت للعراق أن يبقى دولة ضعيفة ومقسَّمة؛ لأن الطبقة السياسية الفاسدة وجدت في التوافقية غطاءً مثالياً لنهب المال العام وتجنب المحاسبة تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار وحوَّلت الفساد إلى حق طائفي.
أخطر ما أنتجته التوافقية الطائفية في العراق هو تحويل القضاء المفترض أن يكون حارس العدالة إلى ساحة للصراعات السياسية والمحاصصة وذراعاً تنفيذياً للمليشيات التابعة لإيران. فبعد أن كان القضاء رمزاً لسيادة القانون أصبح أداةً لـ (العدالة الانتقائية) تُستخدم لتبرئة الفاسدين وملاحقة المعارضين وحماية المليشيات التي تحوَّلت إلى دولة متكاملة وليس دولة داخل دولة، هذا التحول لم يضعف هيبة القضاء فحسب بل قوَّض وجود الدولة ذاتها وجعل من المستحيل تحقيق الاستقرار أو محاربة الفساد.

إن الواقع يكشف أن تعيين كبار القضاة بما في ذلك رئيس المحكمة الاتحادية تم عبر مساومات بين الكتل السياسية المهيمنة والتي تفرض أشخاصاً موالين لها في المناصب القضائية الحساسة. هذه العملية حوَّلت القضاء إلى جزء من "نظام المحاصصة" حيث تُمنح المناصب القضائية كحصص طائفية أو حزبية لا كمسؤوليات وطنية.

الأخطر في ذلك أن المليشيات المسلحة التابعة لإيران والتي تسيطر على مفاصل الأجهزة الأمنية عبر أحزابها السياسية نجحت في اختراق القضاء عبر تهديد القضاة أو شراء ذممهم. فالقاضي الذي يحاول محاسبة فاسدٍ تابع لمليشيا ما يُواجه بالتخويف أو الاغتيال بينما يُكافأ القضاة الموالون بالترقيات أو الحماية. وهكذا تحوَّلت الأحكام القضائية إلى أداة لتسويق الفساد وتصفية الخصوم وحماية الاقتصاد الأسود وأصبح القضاء غسالة للجرائم الميليشياوية، حتى المحكمة الاتحادية المفترض أن تكون أعلى هيئة قضائية تم توظيفها لخدمة الأجندة السياسية للمليشيات
ما يُصادق عليه البرلمان العراقي تحت شعار "التوافقية" ليس سوى تشريعات مُعدَّة مسبقاً لخدمة مصالح الكتل المهيمنة حتى لو كانت تنتهك أبسط حقوق الإنسان وتُعمِّق الانقسام المجتمعي . فالقوانين الثلاثة الأخيرة (رفع القيد عن العقارات، وزواج القاصرات، والعفو العام ) تكشف بجلاء كيف تحوَّلت التشريعات إلى سوبر ماركت سياسي تختار منه الكتل ما يُناسب أجنداتها بينما يُترك الشعب ضحيةً لتناقضاتها.

الأكثر إثارةً للغضب عند العراقيين هو قانون العفو العام المزعوم الذي تحوَّل عملياً إلى عفو طائفي يُطلق سراح مُرتزقة المليشيات والمُتورطين بجرائم فساد بينما يُبقي على مئات السجناء السياسيين والأبرياء الذين زُجَّ بهم في السجون بناء على شهادات مخبرين سريين مجهولين وآلية المخبر السري أصبحت أداةً للابتزاز والانتقام السياسي وتُستخدم لتلفيق التهم لأي معارض أو ناشط يُطالب بمحاسبة الفاسدين وتميزت بالطائفية المقيتة.

أما قانون رفع القيد عن العقارات الذي روَّج له كإصلاح اقتصادي هو في الحقيقة تشريع لتمكين المليشيات والكتل السياسية من الاستيلاء على الأراضي الحكومية أو الخاصة تحت حماية القانون ويخدم الأحزاب الكردية الانفصالية لإنجاح التغيير الديمغرافي القسري في كركوك ومناطق هامة من ديالى والموصل .
أما قانون زواج القاصرات فهو ضربةٌ قاسية لحقوق الطفولة والمرأة تم تمريره تحت ضغط كتل منحرفة سلوكيا وسياسيا تدَّعي تمثيل "القيم الدينية"، بينما تُسيء إلى جوهر الدين الذي يحمي الضعفاء. هذا التشريع يفتح الباب لاستغلال الفتيات القاصرات تحت مظلة قانونية ويُعمِّق أزمات الفقر والجهل خاصةً في المناطق التي تتحكم بها المليشيات. إنه قانون يعتبر جريمة ضد الطفولة ويُكرِّس التخلف كجزء من "الهوية الطائفية" ولقد لاذت بالصمت المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الطفولة عن هذا القانون ومشرعيه وهذا يعتبر غطاء دولي لهذه الجريمة كباقي جرائم المليشيات ضد الشعب العراقي.
النتيجة النهائية لهذه التشريعات هي أن المواطن العراقي لم يعد مجرد مُهمَّش، بل أصبح ضحية مزدوجة للإرهاب الطائفي ولقوانين تشرعن هذا الإرهاب. فالسجين السياسي الذي يُعذَّب ويعدم لأنه انتقد الفساد ولانه من طائفة اخرى والفتاة التي تُباع في سوق الزواج المبكر والعائلة التي تُشرَّد من أرضها كلهم يشهدون أن التوافقية الطائفية لم تكن يوماً لصالح العراق . فالنظام الطائفي التوافقي لا يُصلح نفسه بل يُعيد إنتاج أزماته بشكل أكثر شراسة. لذلك فإن الخلاص يكمن في الخروج الكامل من هذا المنهج وبناء جمهورية جديدة تُؤسس لعهدٍ تُحترم فيه إرادة الشعب لا إرادة المليشيات والمحتلين. العراق ليس ملكاً للفاسدين بل لأبنائه الذين يرفضون أن يكونوا ضحايا دائمين لـ"لعبة التوافقيات" المقيتة.

التغيير الحقيقي يبدأ بإسقاط هذا النظام بكل أركانه دستوراً كرّس الطائفية وقوانينَ حوّلت الفساد إلى سياسة دولة ومليشيات تتحكم بمصير الشعب تحت غطاء "الشرعية السياسية". العراق بحاجة إلى ثورة شاملة تعيد تعريف العقد الاجتماعي على أساس المواطنة والعدالة وتستبدل المحاصصة بنظام تكافؤ الفرص وتجعل من القضاء سلطة مستقلة تحمي الحقوق لا تنتهكه؛ وهذا ما طالبت به ثورة تشرين المجيدة.

مقالات متعلقة