الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الرياح لا تجري بما تشتهي السفن

بقلم| صباح الناصري (خبير اقتصاد سياسي)

المشهد ما كان سيكون أكثر سريالية: قراصنة تتقاتل على تقسيم الحمولة في لحظة غرق السفينة، المشهد السياسي العراقي باختصار.

نرجع خطوة إلى الوراء؛ في لقاء سداسي في المنامة يوم ٢٧ حزيران، وقبل زيارة بايدن للسعودية في منتصف تموز، اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل و٤ دول عربية، البحرين ومصر والإمارات والمغرب، على تعزيز التعاون وعقد اجتماعات سنوية لوزراء الخارجية؛ والتقى وزراء خارجية تلك الدول لأول مرة في فلسطين المحتلة (إسرائيل) في آذار في صحراء النقب، وحضر اللقاء أيضا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن.

في هذا الأثناء عقدت مصر والأردن والبحرين اجتماعا ثلاثيا في مدينة شرم الشيخ المصرية يوم ١٩ حزيران قبل ذلك ببضعة أشهر؛ وفي آذار الماضي عقدت الولايات المتحدة الأميركية اجتماعاً سرّياً بين قادة عسكريين إسرائيليين وسعوديين وقطريين وأردنيين وإماراتيين وبحرينيين في مدينة شرم الشيخ لبحث مواجهة التهديد الجوي الإيراني والتنسيق ضد القدرات الصاروخية الإيرانية والطائرات من دون طيار، بالإضافة إلى مناقشة تعاون عسكري محتمل.

ثم زار الأمير محمد بن سلمان مصر والأردن وتركيا في ٢٢ حزيران، وفي نفس الوقت زار المبعوث الأوروبي بوريل إيران لإحياء المفاوضات النووية، بينما زار الكاظمي السعودية وإيران لتكملة جولة المحادثات بين الدولتين بوساطة حكومة الكاظمي؛ واستضافت قطر مباحثات غير مباشرة بين أمريكا وإيران بشأن الاتفاق النووي؛ وقبل ذلك زار أمير قطر مصر يوم ٢٦ حزيران لأول مرة منذ تأزم الخلافات بينهما منذ ٥ سنوات.

حرب روسيا في أوكرانيا أجبرت إدارة بايدن، التي أهملت الملف الشرق أوسطي إلى تلك اللحظة واتبعت سياسات متخبطة زادت الوضع إرباكا لغياب استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية لإدارة بايدن؛ الواقع فرض نفسه كالعادة خلاف إيديولوجية الحزب الديموقراطي الأخلاقوية.

هذه الزيارات المكثفة في هذا الوقت والرحلات المكوكية؛ مؤشر على تنسيق بمستوى عال لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في المنطقة ورسم تحالفات جديدة ما بعد الخريطة الطائفية ل ١١ سبتمبر والحرب على الإرهاب. هذه التحركات ونقاط التقاء خطوطها المرسومة بدقة بالإمكان تحديدها على ٣ محاور:

أولاً: القطري العراقي الذي يسعى للحد من التصعيد والمراهنة على دبلوماسية الحوار.

ثانيا: الشرق أوسطي، إسرائيل ضمنا؛ الذي يشكل تحالف أمني عسكري لمنع إيران النووية والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيرة.

وأخيرا: أمريكي: فتح جبهة تطويق احتواء وردع، ضد الحلقة الأضعف (إيران) في المثلث الآسيوي (الصين، روسيا، إيران)، وذلك لاستحالة تحشيد جبهة الناتو الأوروبي ضد روسيا؛ والضغط على السعودية والإمارات لرفع مستوى الإنتاج النفطي للحد من التضخم، أزمة حقيقية قد تكلف إدارة بايدن والحزب الديموقراطي انتخابات الكونغرس في شهر نوفمبر.

تسمية هذا الحلف، الشرق أوسطي وليس العربي كما يعتقد بعض المحللين، له دلالات استراتيجية وجيوسياسية: إشراك دول غير عربية في الحلف، إسرائيل وتركيا، هو لخلق مكافئ للطرف العربي في الحلف للتحكم بآلية التكتل العربي بحيث لا يصبح الطرف الأقوى في المعادلة، أي لمنع هيمنة الطرف العربي ضد الدول الغير عربية، إيران ضمنا. وجيوسياسية لاحتواء وردع التهديد الإيراني من ناحية، وتسهيل التطبيع عربيا مع الطرف الإسرائيلي كمصير مشترك من الناحية الأخرى.

في هذا المشهد المتشابك كل الاحتمالات واردة، من الحرب إلى اتفاقيات ترضي المخاوف الأمنية للأطراف في المنطقة؛ وفي كلا الحالتين أذرع إيران في المنطقة سيتم قطعها لتسهيل حلحلة الأزمات في الدول المعنية خطوة إلى الأمام. ماذا يعني كل هذا للمشهد السياسي في العراق؟

فرص ما يسمى الإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة بعد انسحاب التيار الصدري أو الاتجاه إلى انتخابات مبكرة باتت شبه مستحيلة. الهدف من تشكيل ناتو شرق أوسطي هو تحجيم إيران ونفوذها بالمنطقة. أي محاولة لإيران لدعم أذرعها السياسية والميليشياوية سيعقد الوضع بالنسبة لإيران وسيعتبر استفزاز يزيد من فرص التصعيد ضدها في الوقت الذي تسعى فيه إيران لإحياء مفاوضات النووي وتهدئة الوضع مع السعودية. سياسة إيران بعد الانتخابات العراقية كانت تتمحور حول تعطيل تشكيل حكومة خارج نفوذها، وفي هذا السياق استخدمت إيران الإطار التنسيقي والقضاء الزيداني الموالي لها وسياسة الإرهاب بقصف أربيل بالصواريخ؛ كرسائل تهديد للحزب الديموقراطي لنهيه عن التحالف مع الصدر.

ما كان يجمع قوى الإطار المتناحرة وكل مناوراتهم كانت من أجل تعطيل تشكيل الحكومة، أي لم يمتلكوا أي مشروع بديل خلاف التعطيل. انسحاب الصدر وضع الإطار في مأزق ومعه إيران مما سيتسبب في زيادة الانشقاقات والتصدع في صفوف جبهة إيران في العراق، الإطار التنسيقي. وهذا يعني أن الحزب الديموقراطي وتحالف سيادة ليس فقط كانا يعلمان بانسحاب الصدر، وإنما بإمكاننا أن نفترض أن هنالك تنسيق بين قوى التحالف الثلاثي لهذا الانسحاب الذي يصب باتجاه التدخل الدولي في المعادلة السياسية العراقية. أي إن التحالف الثلاثي يدرك مدى وعمق الإزاحة الجيوسياسية القادمة وتأثيرها على العراق بعد اجتماع بايدن في السعودية منتصف شهر تموز.

المرجح استمرار حكومة الكاظمي لفترة انتقالية قصيرة يتبعها تغيير أعمق في الداخل العراقي. فنحن بصدد احتمال كبير جدا بتغيير جذري في علاقات القوى داخل العراق تطيح بزعامات مرحلة ما بعد ٢٠٠٣ التي مازالت بذهنية المكون والمحاصصة وتقسيم الغنائم واحتكار السلطة، حسب مبدأ خاسر غالب رابح بكل الأحوال، ولم تدرك بعد حجم الإزاحة في العراق بعد تشرين ٢٠١٩، والإزاحة الإقليمية والدولية بعد حرب أوكرانيا.

فصل سياسي جديد ينتظر العراق في الأشهر القليلة القادمة!

مقالات متعلقة