الشرق الأوسط.. ولعبة الحبار.. بين التوقف والاستمرار..
ثائرة أكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
مازالت شهية تل أبيب مفتوحة للبطش بمحيطها بكامل زخمها في غزة والضفة الغربية وسوريا وربما في العراق الذي يتلقى التهديدات الإسرائيلية عبر الوسيط الأمريكي، ومازالت المخاوف اللبنانية من اليوم التالي للحرب في حال صمد الاتفاق في الشهرين المقبلين على الأقل تبقى هي الأبرز.
إن صمود اتفاق وقف إطلاق النار خلال الشهرين المقبلين سيحدد مدى جدية التفويض الممنوح لنتنياهو لاستكمال إستراتيجيته في إعادة تشكيل الشرق الأوسط إن نجاح نتنياهو في فصل جبهة لبنان عن بقية الجبهات سيتيح لإسرائيل التفرغ للتهديد الإيراني مما يضع مستقبل المنطقة أمام احتمالات مفتوحة تتراوح بين التهدئة والتصعيد الشامل.
جملة المستجدات المتسارعة التي حصلت على صعيد الحرب الإسرائيلية مع حزب الله والميليشيات التابعة لإيران ولا سيما اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني يضع المتابع للتطورات السياسية والإستراتيجية في المنطقة أمام جملة من التساؤلات، وأهمها..
_ما هو السقف الزمني الممنوح لنتنياهو في تغيير الشرق الأوسط؟
_وما هو الدور الإيراني في التوصل إلى هذا الاتفاق؟
_وما مدى توافر الظروف لصمود اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني؟ _وما هو مصير سلاح حزب الله
_وما هي المستجدات المقبلة على الساحة السورية لا سيما بعد تهديد نتنياهو الأخير والعلني للأسد وتحذيره من اللعب بالنار
_ وكذلك التغيرات على الساحة العراقية، ولا سيما بعد تهديد حزب الله العراقي بعدم التقيّد بالاتفاق ومواصلة ما يُسمى بعمليات المقاومة انطلاقا من العراق إلى جانب تهديدات مستشار المرشد الإيراني بالتحضير لرد موجع وشيك ضد إسرائيل.
- بالنسبة للولايات المتحدة
حيث يُعد هذا الاتفاق نصرا تقدمه إدارة نتنياهو للإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها التي عملت جاهدة طيلة فترة الصراع على وقف إطلاق النار ومنع اتساع رقعته كما يعتبر الاتفاق بمثابة هدية من نتنياهو للإدارة الأمريكية، تعبيرا عن حسن النية والشراكة مع سياسة ترامب المستقبلية والتي قد تبدأ بطرق سلمية وتنتقل لاحقا إلى التصعيد إذا فشلت الحلول السلمية.
-وبالنسبة لإسرائيل التهرب من الضغوط الأمريكية المتزايدة ولا سيما من إدارة بايدن المنتهية ولايتها التي عرقلت عملية إمداد إسرائيل بالكثير من الصواريخ والذخائر. وقد أشار نتنياهو إلى ضرورة ملء المستودعات من جديد والاستعداد لتوسيع العمليات ضد إيران إذا مُنح المزيد من التفويض.
وتفكيك البنية التنظيمية الأساسية للهيكل القيادي لحزب الله. مع تحقيق إنجاز كبير يتمثل في إفراغ حزب الله من مهمته الأساسية المتمثلة في تبني شعارات المقاومة. وإبعاد حزب الله عن التماس المباشر مع الحدود الإسرائيلية قد يُسقط أحد أهم أذرع إيران في المنطقة، مما قد يفقد الحزب مكانته الأهم في شعارات المقاومة والممانعة. ويرى البعض أن ذلك منح نتنياهو ورقتين مهمتين الأولى هي تفريغ الحزب من قاعدته عبر إبعاده عن الحدود، والثانية تتعلق بمصير سلاح الحزب الذي قد يُثير فتنة داخلية في لبنان، خاصة في ظل عجز الدولة اللبنانية عن نزع سلاح الحزب وتزايد التوترات بين البيئة الشيعية النازحة للحزب والمناطق الأخرى.
وبالنسبة لإيران يُعد الاتفاق مفروضا على الحزب بسبب تبعيته المطلقة لإيران التي قد تضحي به لتحقيق مكاسب سياسية مع الغرب، وفي ظل انقطاع مصادر تمويل الحزب من سوريا وإيران قد يكتفي الحزب بشعارات الصمود والانتصار لإلهاء جمهوره، ولكن سيجد نفسه أمام تحديات داخلية في لبنان، خاصة ملف نزع سلاحه وانتزاع سطوته على قرار الدولة اللبنانية، فمن الصعب أن نتخيل حزب الله وهو يتحول إلى حزب سياسي شيعي وحسب، مثله مثل بقية الأحزاب اللبنانية وينتظم في المنظومة الطائفية وفقاً لحجم قاعدته الشعبية، ليتشكل توافق بين المكونات اللبنانية في إطار الدولة، فهو من حيث النشأة والتكوين حزب مرتبط بإيران وتقوم عقيدته على الحرب ضد إسرائيل ويشكل الدعم الإيراني أساساً لا غنى عنه للسيطرة على قاعدته الشعبية، فإذا فقد فائدته الوظيفية بالنسبة لإيران فقد هذا الدعم وبالتزامه باتفاق وقف إطلاق النار يفقد مبررات وجوده بصفة مقاومة، كل هذا من شأنه أن يفقد الحزب هويته ووظيفته معا لتنفتح احتمالات ظهور تمثيلات سياسية جديدة لقاعدته الاجتماعية ملتزمة بإطار الدولة اللبنانية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وحدها.
وستبذل إيران ما في وسعها لملاقاة الرئيس الأمريكي الجديد بليونة دبلوماسية على أمل امتصاص ما قد يسلكه تجاهها. نتنياهو يريد أن يدمر أكبر قدر ممكن من شروط الحياة في غزة قبل أن يضطر لإيقاف حمام الدم. وحزب الله يريد تسويق نكتة سمجة جديدة تحت عنوان الصمود والانتصار.
الموافقة على وقف إطلاق النار تعكس رغبة إيران في التهدئة وتهيئة الأرضية لحكومة رئيسها الجديد مسعود بزشكيان المنفتحة على العالم. كما أن فوز ترامب قد دفع إيران لإعادة حساباتها وتقديم تنازلات مؤلمة، تشمل التضحية بحزب الله وحماس وبعض الأذرع الأخرى للحفاظ على مفاوضاتها النووية وإظهار حسن النية أمام إدارة ترامب.
أما على الصعيد العربي وسورية على وجه الخصوص يؤكد الاتفاق أن نظام دمشق أمام خيارين الاصطفاف مع إسرائيل ضد إيران أو الاصطفاف مع إيران ضد إسرائيل. الحياد الذي أبداه النظام خلال الصراع قد يشير إلى اتفاق ضمني تحت ضغوط روسية وعربية للامتثال للتحذيرات الإسرائيلية خاصة مع التهديد باستهداف قصور الأسد. الموقف السوري يُعد تحديا حقيقيا لا سيما مع استمرار الضربات الإسرائيلية للمعابر التي تهرب الأسلحة لحزب الله.
لقد تغيرت اللعبة في سوريا كليا اجتياح جبهة النصرة لحلب جاء نتيجة الضوء الأخضر الأمريكي والروسي لهذا الاجتياح من أجل القضاء على الوجود الإيراني في محافظة حلب بل وطرد ايران من سوريا.
لم يعد الروس يدافعون عن بشار الأسد الذي لا يملك قوة عسكرية للدفاع عن نفسه؛ ممكن القول أن نظام بشار الأسد في طريق الزوال .
ما يحدث اليوم في سورية وتداخل الدول الكبرى والميليشيات الطائفية وإيران والإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب السوري كلها تصب في صالح تل أبيب.
كما أن الانتهاء المحتمل لمغامرة الحزب في سوريا، بعدما أنفق الكثير من موارده المالية والبشرية والاعتبارية في الصراع الداخلي السوري طوال أكثر من عقد، سيزيد من تحجيمه وإفقاده دوره الوظيفي الإقليمي. الواقع أن حزب الله قد ربط مصيره بصورة غير قابلة للفكاك بمصير إيران المهدد بالتحجيم في المرحلة المقبلة. ولا سيما بعد تهديد نتنياهو الأخير والعلني للأسد وتحذيره من اللعب بالنار .
وكذلك التغيرات على الساحة العراقية ولا سيما بعد تهديد حزب الله العراقي بعدم التقيد بالاتفاق ومواصلة ما يُسمى بعمليات المقاومة انطلاقا من العراق إلى جانب تهديدات مستشار المرشد الإيراني بالتحضير لرد موجع وشيك ضد إسرائيل.
مع أن الحكومة العراقية حددت موقفها بشأن التعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة من خلال تصريح باسم العوادي المتحدث الرسمي للحكومة العراقية حيث قال سيكون التعامل مع الإدارة الأمريكية وفق مصالح العراق وذكر أن العراق لعب دوراً محوريا وأساسيا للتنسيق بين الدول وشكل مفتاحا أساسيا للوصول إلى نتائج وقف إطلاق النار بين لبنان وكيان الاحتلال؛ فهل ستتمكن الحكومة في العراق بالالتزام بوعدها مع الإدارة الأمريكية والسيطرة على ميليشياتها وحشودها بعد أن أكدت كتائب حزب الله العراق قبل يومين أن هجماتها لن تتوقف بإيقاف إطلاق النار في لبنان مشددة على عدم فصل الجبهات وترك قطاع غزة وفق تعبيرها.
تهديد نتنياهو عقب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بأنها بداية لتغيير الشرق الأوسط والتفرغ لإيران وتهديداتها يضيف بُعدا جديدا للصراع.
لعل جملة التغيرات التي عصفت بالشرق الأوسط بعد عملية السابع من أكتوبر في إسرائيل وما نتج عنها من تبعات وظروف ملتهبة، عكست مصالح الدول والمحاور الإقليمية التي تتصارع لتنفيذ أجنداتها بما يتيح تغييرات محتملة في الخرائط السياسية للمنطقة وبالتالي فإن هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية لوقف إطلاق النار في لبنان بعد 13 شهرا من الصراع في المنطقة جاء ليعبر عن إستراتيجيات وأجندات الدول الراعية والجهات المنخرطة في الصراع...