المجتمع العراقي بعد الاحتلال
"من الموت السريري إلى عودة الروح"
قراءة في علم الاجتماع
الحلقة الأولى
أ.د. عبد السلام سبع الطائي
أستاذ علم الاجتماع - جامعة بغداد
"سيعمر الأخيار ما دمره الأشرار"
العراق غنيمة حرب!
تسعى سلسلة الحلقات السوسيولجية التحليلية هذه عن الشخصية والمجتمع العراقي منذ عام 2003، بطابعيها الوقائي والعلاجي إلى توثيق تجربة مجتمع ما زال يعيش تحت قمع الاحتلال ونهب الغزاة والأحزاب، مجتمع ما زال يعيش تحت ظروف تشتد ضراوتها كلما طالب العراقي بحقوقه المسلوبة وفي مقدمتها استرداد وطنه السليب لإقامة نظام وطني، وهو هدف سامي ذو أهمية قصوى أكاديمياً وسياسياً. فاحتجاجات الشباب الثورية المطالبة بالاستقلال ما زالت مستمرة ضد إيران التي انتصر عليها بالقادسية2 وإسرائيل التي دكها 43 صاروخا، كانت سببا في التعامل مع العراق بعد الاحتلال، بأنه أصبح غنيمة حرب. لذلك ما زالت المعاناة تتفاقم والصراعات السياسية الدموية وسرقات قوت الشعب مستمرة، غرضها استلاب شخصية الإنسان العراقي والمجتمع والاقتصاد والثقافة وغيرها. وهي سياسة في محصلتها تشكل تهديدا لحياة هذا المجتمع، وانطلاقا مما سلف، تقتضي الضرورة دراسة هذه التجربة المأساوية للإنسان والمجتمع العراقي لتوثيقها وتحليلها من أجل إيجاد حلول مناسبة لها لاستخلاص العبر منها، ضمن استراتيجية وطنية سياسية وتنموية شاملة. واستخلاصا مما سبق، ستتجاوز أهداف واستراتيجيات هذه الحلقات الوقائية والعلاجية والإنمائية حدود العمل الأكاديمي البحت، نظرا لاقتران المسار الأكاديمي فيها بالمسار السياساتي وما سيسفر عنهما من إسهامات في تشكيل وصناعة القرار السياسي العقلاني العراقي القادر على الاستجابة والتحدي للمتغيرات والتغيرات المباغتة القادمة.
وانطلاقا مما سلف، فإن المسلمات المنطقية تقر بأن السياسة وطيدة الصلة بالتغير والتغيير الاجتماعي والثقافي، ومن هذا المنطلق، فإن التغيير السياسي مرهون بالمزيج الديموغرافي. إن هذه السلسلة العلمية التحليلية للتغيرات المجتمعية بما فيها: الثقافية والسياسية والدينية لحقبة الاحتلال منذ عام 2003، وما تلالها من محاولات تدميرية، لم تستهدف النظام السياسي حسب، بل للدولة وللدين ولبنية المجتمع والشخصية العراقية بطرق عمدية. سنسعى إلى ملاحقة جميع مفاصلها، قدر الإمكان، لمعالجتها من أجل إعادة بناء الإنسان قبل العمران، لكون الإنسان أساس العمران وليس العكس. وما حصل عام 1991 من تدمير لممتلكات المجتمع والدولة وما تلالها خلال حقبة الاحتلال عام 2003 وما تلاها من تدمير للثقافة والعمران من قبل الإنسان، خير برهان على أهمية الإنسان في الحفاظ على العمران. وانطلاقا مما سلف، حري بنا التطرق هنا وبكل فخر واعتزاز إلى الإعجاز الهندسي للعراقيين الذي يفوق طاقات البشر الاعتيادية في إعادة الإعمار، قياسا بفشل "حملات إعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية لغزو واحتلال العراق عام 2003 وكذلك ما يسمى بحملة إعادة المدن التي دمرتها الحرب مع داعش للفترة (2014-2017).
الاحتلال والموت السريري للعراقيين
من المسلمات المنطقية القول إن السياسة وطيدة الصلة بالتغير والتغيير الاجتماعي والثقافي، ومن هذا المنطلق، فالتغيير السياسي مرهون بالمزيج الديموغرافي. ومن المفيد أن نوضح هنا، أن التغير عادة ما يكون خارج عن إرادة الإنسان وله عوامل متعددة بما فيها الاحتلال والثورات والحروب والمناخ وغيرها. أما التغيير فهو يخص الطبقة السياسية المستقلة، فهو ذات طابع إرادي لكونها تمتلك إرادة التغيير السياسي والثقافي، كما كان في العراق قبل 2003. لقد تزعم العراق منذ الغزو الأميركي الإيراني مدرسة السياسة المذهبية العصابية، وعلى الرغم من محاولات أميركا بعد الاحتلال لبناء عراق دين- ثنو-غرافي جديد، بأحجار مذهبية قديمة، تجيد إيران هندستها أكثر من واشنطن، لذلك اضطرت واشنطن تسليم العراق لإيران، نجم عن ذلك تعرض المجتمع العراقي إلى الموت السريري.
هذا وان العديد من العلماء والخبراء والمحللين يرون بأن تأسيس دول طائفية في العراق وسوريا أو لبنان وغيرها، هدفها شرعنة قيام دولة إسرائيل كدولة دينية يهودية وليست (إسرائيلية) أو (صهيونية) ولتحقيق ذلك الهدف فهو يحتاج إلى تدمير المواطنة والأسرة وزعزعة أمن المجتمع، وهدم ثقافته في مجالات التعليم والصحة والقضاء وتشويه الدين، ليكون من مخرجات ذلك زيادة معدلات التفكك والتصدع الاجتماعي والأسري، بسبب الانحلال المعياري، كما حصل بعد الاحتلال بكل تجلياته على اضطراب منظومة القيم الوطنية وهو في محصلته يصب لصالح الدولة الإثنية اليهودية والفارسية.
ووفقا للمدخلات الثقافية والسياسية الساعية إلى قلب الهرم السكاني بالقوة المفرطة وبسياسة اليد على الزناد وفقا لأيديولوجيات الأحزاب وإستراتيجيات المحتل المذهبية والعرقية التدميرية، لذلك صبح القتل من حالة شاذة في الدين والسياسية إلى واجب (ديني إلهي) مشرعنا بفتاوى الدفاع عن المذهب، كما أن النهب والسلب قد قنن وشرعن أيضا بحجة المالك المجهول لأموال الدولة!. علما أن الفتاوى اليوم تعد واحدة من أهم أسلحة حروب الجيل الخامس 5GW المعتمدة في الحرب النفسية. هذه المتغيرات المنافية للأديان ولوائح حقوق الإنسان المعبرة عن خروج النظام عن الفقه الاجتماعي، قد عمق ظاهرة التناشز ما بين المجتمع والدولة والذي تسبب باصطراع العقد الاجتماعي مع العقد السياسي للنظام الحاكم. علما أن كل هذه الأزمات التي يواجهها العراق مازالت مجهولة المصير، جراء هذا المزيج السياسي والديموغرافي الدخيل والهجين، وهو يوحي بوجود أزمة في الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي بعد الاحتلال. ونظرا لكون العلاقة ما بين التغيير الاجتماعي والتغيير السياسي تشكل اليوم إحدى أهم الإشكاليات الجدلية في علم الاجتماع السياسي وغيره من علوم، لكون التغيير الاجتماعي الناجم عن التغيير السياسي المذهبي والعرقي ليس إيجابيا على الدوام، لكونه ينحو نحو الانحدار. سيما عندما لا تأخذ الطبقة السياسية الموجودة في العراق بعين الاعتبار عملية التغير الاجتماعي الكبيرة التي حصلت في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية 1921حتي 2003. بل أخذوا يقاومونها، ومما لا شك فيه، أن أي حاكم عاقل يسعى لخدمة وإنقاذ شعبه من الموت السريري وبناء بلده، عليه أن يؤمن بقانون الاستجابة والتحدي، لأن التغيير السياسي الناجح يحصل عندما يستجيب الحكام لحاجات الناس وللتغير الكامن في داخلها، استجابة عقلانية وبحسن نية ليصبحوا قادرين على قيادتهم نحو مستقبل آمن وزاهر. ولتلك الأسباب المحبطة بالطبقة السياسية التي سأطلق عليها الطبقة "الدينوية"، أي اللا دينية واللا دنيوية، فقد أصبح العراقيون اليوم، يعيشون زمن التفكير والانشغال بالعاجل وليس بالآجل، فهم بأمس الحاجة إلى غرف الإنعاش لعودة الروح إليهم.
بسبب إفرازات الاحتلال السلبية التي أصبح المجتمع العراقي فيها مجتمعا صنميا أكثر من أي وقت مضى، يقدس عالم الأشخاص أكثر من عالم الأفكار حتى أصبح العراقي دائما ما يقدس الأشخاص والزعامات السياسية والدينية أكثر مما نقدس الثقافة ونهتم بالفكرة، نجم عنها تغيير وتناشز واضح وصارخ ما بين الدولة والمجتمع، تناشز ما بين الثقافة والواقعية والطوباوية لرجال (الدين) للمذهبين الحاكمين. هذا مازال الاحتلال يحاول ترسيخ ظاهرة التناشز ما بين القيم السياسية الدخيلة لدى الطبقة السياسية الحاكمة وبين قييم المواطنة والوطن الثقافية للشعب، حتى أصبح إتلاف ممتلكات الوطن والشعب ثقافة جديدة في العراق الجديد، وكأنَّ الوطن للحكومة وليس للشعب.
"عودة الروح" للعراقيين
تلك التصرفات والسلوكيات الوافدة شكلت تحديا كبيرا للقيم الوطنية والاجتماعية والدينية، استفزت المشاعر الوطنية لدى أصلاء العراق من شباب ثورة تشرين حتى خرجوا منادين في تظاهراتهم "نريد وطن " كرد على من أرادوا استلاب وتدمير الوطن. وهكذا شكل هذا التناشز القيمي والسياسي التدميري المتنوع الأبعاد لحقبة ما بعد الاحتلال مصدر تمويل لتجييش مشاعر الشباب الوطنية، نجم عنها اشتعال ثورة تشرين في المناطق العراقية الشيعية منذ عام 2019 وما سبقها بالمناطق العراقية السنية عام 2014. حيث كان في محصلة ما حصل، ظهور جيل أصيل من فصيلة الدم الحامي وأصحاب الغيرة الوطنية على ممتلكات بلدهم، وهم يسعون بكل ما يمتلكون من قوة إلى التغيير الجذري المقترن بقواعد الردع الثوري من أجل تآكل شرعية الطبقة السياسية للتخلص منها، ولغرض تعديل اعوجاج الهرم الديموغرافي وتقويم منظومة القيم الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية. وانطلاقا مما سلف، ستتضمن سلسلة حلقاتنا هذه ثلاث محاور، سنتناول في محورها الأول التغيير الاجتماعي المفاجئ الذي حصل بسبب الإعصار السياسي الذي ضرب الشخصية والمجتمع العراقي بعد الاحتلال، مع قراءة مقارنة بين الشخصية العراقية العربية الإسلامية والإيرانية المجوسية، وعلاقة التغير الاجتماعي بالتغير السياسي، علاوة على تحليلنا لمحركات التغيير وفق نظرية الاستجابة والتحدي، كما سنعرج بالبحث عن معوقات التغيير، الثقافية والسياسية بما فيهم النخبة المثقفة. وسيتخلل هذا المحور البحث في نظرية الدولة لتناشز الأجيال بعد الاحتلال، سنسلط فيه الضوء على جيل ما بعد الاحتلال الثائر ضد دستور المحاصصة وما نجم عنه من تناشز لعمليات الاجتثاث والإقصاء مع الشرعية الدستورية التي تتنافى مع سايكولوجيا الحقد والكراهية الوافدة. وفي الخاتمة سنقوم بقراءة في سوسيولوجيا الثورة لشباب تشرين التي حولت شعب العراق من شعب حائر إلى شعب ثائر ، كما سنتناول محركاتها ومصادر تمويلها المعنوية. علاوة على دور الجيش في الثورة العراقية والثورات العربية في مصر وتونس، للاستفادة منها في تطوير الحراك الوطني العراقي. حيث سيتخلل ذلك عددا من الدراسات في الشخصية والحرب لرسم إستراتيجية الخروج من الحالة المأزقية التي يمر بها العراق.
أما المحور الثاني لسلسة الحلقات، فسيدور الحديث فيها عن علاقة التغيير بالأمن الاجتماعي علاوة على تتبع مخرجات مدخلات تدمير الدولة والمجتمع: كالتدمير بالدستور والتدمير بسلاح الفتاوى، وهي واحدة من حروب الجيل الخامس GW5، وسيتم البحث في أسباب تدمير الاقتصاد بالفساد والانفاق الحكومي نظرا لاعتبار الدول الغازية بأن العراق غنيمة حرب، وجب تفكيكه لأهمية ذلك لدى إسرائيل بل إنه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل. ومهمة تدمير الإنسان والمجتمع قد أوكلت إلى: الميليشيات وبسلاح المخدرات- وتدمير التعليم والصحة، والتدمير بالهجرة والنزوح القسري لتدمير الأسرة والطفولة بارتكاب المحرمات لرفع معدل الطلاق والترمل والأيتام علاوة على القتل على الهوية. ناهيكم عن تفكيك الدين الإسلامي إلى حكومي ومرجعيات وذبذباته على تدمير منظومة القيم الثقافية في العراق.
وفي المحور الثالث والموسوم بالتغيير الديموغرافي الذي اصطلحت على تسميته بالتغيير الدينو- ثنو- غرافي، لكونه يهدف إلى تفكيك الانتماء الوطني والعربي دينيا وإثنيا وسكانيا وفق قاعدة تغير السكان والأرض كما حصل بفلسطين والأحواز. وما سينجم عنهما من تغيير جيوسياسي لا محال. علما أن المدن المختلطة لا تقل خطورة عن النووي الإيراني، ووفقا لذلك، سأتناول آثار الديموغرافيا المتحركة على الأمن الاقتصادي والجيوسياسي، كما سيتخلل هذا الباب البحث عن أهم المخططات الديموغرافية الإقليمية والدولية ابتدأ من سايكس بيكو-1، وصولا إلى خطط ما بعد "سايكس بيكو" لتغير الجغرافيا بالديموغرافيا، لنتفحص من خلالها مدى تلاقح المشروع الخميني الإيراني مع المشاريع الامريكية والإسرائيلية ، بما فيها خطط بيرنارد لويس وخطة رالف بيترز Colonel Ralph Peters'، حدود الدم، صلة تلك المخططات بالوثيقة الأمريكية لإعادة ترسيم خارطة الوطن العربي، ناهيكم عن بحثنا في دور الأمم المتحدة في تقنين تسييد الإثنيات!
كما سنتطرق عن تصادف النوايا غير الحسنة للإستراتيجية الجيو- ديموغرافية الإقليمية والعربية للربط السككي الإيراني مع قضبان أو سكك السلام إسرائيلي لربط العراق وسوريا والخليج تجاه إيران وإسرائيل!!. وما لهما من صلة بمحاولات تغيير الغلاف السكاني لملء الفراغ الديموغرافي بعناصر موالية لتلك الدولتين. ولغرض تحقيق ذلك تسعى الدول الإقليمية جعل مدن العراق وسوريا المحاذية لتركيا وإيران وإسرائيل مناطق خالية من السكان (السنة). واستكمالا لذلك، سنبحث في خفايا دعم القوتين العالميتين أمريكا وروسيا لطرد "السنّة" من العراق ولبنان وسوريا لتشكيل دول الحزام الذهبي الموالية لإيران، تمهيدا لتأسيس الدولة العلوية في سوريا المتمثلة بسوريا المفيدة للعلوين وسوريا الفائضة للسنة. الغاية من تغيير الحدود الديموغرافية هي من أجل أن تمسك إيران القنبلة الديموغرافية بيد والقنبلة النووية بيد أخرى للضغط بهاتين القنبلتين على القرار السياسي بالأمم المتحدة من جانب، ومن جانب آخر لتأمين الطرق بالمجنسين كمرتزقة وحرس حدود وخفر سواحل بهم، علاوة على تفكيك الجيوش العربية بالميليشيات.
"سيعمر الأخيار ما دمره الأشرار"
وبعد عودة الروح للعراقيين إثر اشتعال ثورة شباب تشرين ضد المحاصصة الطائفية، سنتطرق إلى إستراتيجية الخروج من هذه الحالة المأزقية للعراقيين، وسنستعين بعد الله بتجربة ماليزيا الإنمائية بشريا واقتصاديا نظرا لتشابه المجتمع الماليزي إلى حد كبير ديموغرافيا مع المجتمع العراقي، في تعدد الأعراق، وبهذا الصدد، يرى مهاتير محمد، بأن قيادة المجتمعات، يجب ألا تخضع للوعاظ الطائفيين والعنصريين بل لعلماء النهضة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، فهم السبيل المرتجى للخروج من المآل الراهن. فقد آن أوان طرد تجار الدين والمقاولين السياسيين الهداميين من قاموس حياة العراقيين وتوجيه الجهود والطاقات للتخلص من الفقر والبطالة والجوع والجهل، ليتسنى للأخيار إعمار ما دمره الأشرار، من أجل إعادة بناء الإنسان والعمران.