بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
الموصل ثاني أكبر مدن العراق
لطالما كانت تلك المدينة واحدة من أعرق المدن لما لها من تاريخ مشرق في العلم والحضارة وهي من المدن التي تستضيف أحد أكبر المراكز التعليمية والبحثية في العراق والمنطقة، كما تضم مبانٍ قديمة يعود تاريخها إلى مئات السنين مثل المسجد الكبير والعديد من الكنائس والتي تضررت بعد الحرب الظالمة على المدينة قبل عدة سنوات.
يصف كثير من العراقيين ما حصل للموصل بأنه لغز غريب خصوصا مع انسحاب جميع الوحدات العسكرية والأمنية أمام أعداد قليلة من مسلحين تنظيم "د ا ع ش ".
في اليوم السادس من حزيران ٢٠١٤ دخلت عناصر من التنظيم مدينة الموصل وخاصة أطرافها في مناطق مشيرفة و17 تموز والهرمات وحي التنك وحي العريبي واليرموك وحي الإصلاح الزراعي وحي الشهداء والثورة وحي العامل ونابلس والرسالة وقد قتل 12 شخصا وأُصيب العشرات بجروح في هجمات بسيارات مفخخة واشتباكات مسلحة داخل وحول المدينة.
واشتبك تنظيم "د ا ع ش" مع من لم يهرب من عناصر الفوج السابع من الشرطة المحلية (بقي منهم 40-50 مقاتلا) مدة ثلاثة أيام دون أن تتلقى هذه العناصر أي مساعدة من قيادة العمليات مما أدى إلى انهيارها في النهاية و فتح الباب أمام انهيارات أمنية متلاحقة.
وبعد اشتباكات مستمرة بين الجيش والتنظيم، حدث انهيار كبير خلال ثلاث ساعات في قوات الفرقة الثانية من الجيش العراقي بعد أن شاع بين الجنود أن القادة الكبار في قيادة العمليات قد هربوا وقطعوا الجسور خلفهم على الساحل الأيمن من المدينة.
كان الحال مريبا من وجود القوات الأمنية التي كانت تتنقل بسرعة بين مكان وآخر وسط صراخ تطلقه على الناس بالبقاء بالبيوت وعدم الخروج لأي سبب.. طلبة الجامعات علقوا في الشوارع وعادوا الى بيوتهم مشيا على الاقدام حتى من كان من خارج المدينة انطلق الى مكانه مشيا مهما كان طول الطريق.
انتهى الاشتباك المتكرر في منطقة 17/تموز شرق الموصل بانفجار كبير لسيارة مفخخة في منطقة الزنجلي استهدفت القوات الأمنية التي كانت تصد التعرض وهي آخر قوة في خط الصد قبل أن يبدأ الآخرون بنزع الزي العسكرية والهرب الى بر الأمان. وجزء آخر من رجال الأمن نزع البدلة الأمينة وارتدى القندهاري إذ كانت الأجهزة الأمنية مخترقة، فكان هناك من هو بزي عسكري أمني لكن يعمل مع التنظيم وبشكل خفي وهذا كان الجزء الأخطر.
الشوارع اكتظت بقطع الأسلحة والخوذ والبدلات العسكرية الملقاة على الأرض، سيارات الأمن رُكنت جانبا أو في وسط الطرقات وتُركت لمن يرغب، الناس حملوا أمتعتهم وعبروا الجسور الى الجانب الأيسر، وما تبقى من المسيحيين أول من غادر المدينة، ولم تفلح خطط الفرق العسكرية التي اجتمعت لقطع الجسور، وما هي إلا ساعات حتى فرغت المدينة لسيارات العذاري والميرزا التي يعتليها أجانب بشعر طويل ولحى كثيفة.
في نفس اليوم اصطفت طوابير المركبات أمام بوابات محافظات إقليم كردستان، كان المشهد في سيطرة دهوك يشي بهجرة جماعية، انقسم الناس في ذلك اليوم بين من حضر للخروج من المدينة مع سيل الخارجين منها حيث بلغت النسبة وقتها أكثر من مليون ونصف مواطن موصلي خرج من المدينة مع أول أيام دخول التنظيم، بحسب مصدر من الحكومة المحلية وقسم لزموا بيوتهم لأن الحال صارت مستقرة بعد هدوء تام من أزيز الرصاصات والانفجارات على اعتبار أن الداخلين إليها كانوا من ثوار العشائر.
انخرطت جبهات وتكتلات في بداية الامر مع القوة التي دخلت الى الموصل باعتبارها قوة أزاحت ظلم وحيف استمر لسنوات وهؤلاء يريدون للمدينة الأفضل من مثل النقشبندية وغيرهم لكن بعد فترة من الزمن بدأ الصراع على السيطرة على المدينة وقد استطاع التنظيم السيطرة عليها.
ثلاثة أيام فقط، كانت كافية لنهزام الجيش والقوات الأمنية من الموصل بعد أن أذاقوا أهلها صنوف الظلم والتضييق على حياتهم ويشير مراقبون للشأن السياسي، إن أسباب انتكاسة الموصل جاءت بسبب سوء الإدارة من جانب والفساد المستشري .
ولم تتم محاسبة المتسببين بسقوط الموصل لغاية الآن، فيما لا يزال مصير الكثير من سكانها مجهولاً وخاصة بعد الهجوم العنيف من قبل قوات التحالف التي لم تفرق بين مدني ومسلح ولم يسلم منها حتى الشجر والحجر.
وبحسب تقرير اللجنة النيابية المكلفة بالتحقيق في سقوط الموصل العراقية بيد التنظيم، فقد حمّل عدة مسؤولين ما حصل لحكومة بغداد والتي كان يترأسها آنذاك رئيس الوزراء نوري المالكي، ووزير دفلعه سعدون الدليمي، وبابكر زيباري رئيس أركان الجيش، وقائد العمليات المشتركة عبود هاشم قنبر، وعلي غيدان قائد القوات البرية، وباسم حسين الطائي قائد عمليات نينوى السابق وأسماء أخرى. وبحسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها لجنة الخدمات في البرلمان فقد تم تدمير قرابة 80% من المدينة، وتشير أرقام وزارة التخطيط إلى أن الموصل تحتاج لنحو مئة مليار دولار لإعادة إعمارها بشكل كامل.
وفي كل استذكار لهذا الحدث يُطلب من حكومة بغداد الكشف عن سبب تجميد ملف التحقيق في سقوط الموصل، وعدم محاسبة المتورطين رغم إدانتهم في التحقيق الرسمي الذي تبناه البرلمان عام 2015، وصادق عليه، وأرسله للقضاء بمذكرة رسمية. وحمل التقرير النهائي للبرلمان 25 شخصية مسؤولية سقوط الموصل وقتها.
وقد طالب أهالي الموصل في ذكرى سقوط المدينة بمعاقبة المتسببين بما لحق بهم من عذابات، وعلى الرغم من مرور 10 أعوام على سيطرة الحكومة على مدينة الموصل ما تزال فرق الدفاع المدني ومنظمات مدنية تعلن بين الحين والآخر العثور على جثث في أحياء المدينة، خصوصاً الموصل القديمة نتيجة القصف الجوي والمدفعي الذي تعرضت لها والمعارك العنيفة التي جرت فيها .
وتشير تقارير دولية، إلى استشهاد أكثر من 50 الف مدني كما عانى المدنيون من جروح ونزوح واسعَين.؛ وشهدت المدينة دمارا هائلا، وأضرارا جسيمة لحقت بالبنية التحتية حيث دُمرت نسبة 80% من المدينة، خاصة في الجانب الغربي.
ودُمرت آلاف المنازل والشوارع والجسور والمدارس والمستشفيات. شبكات الكهرباء والمياه، وتعرضت العديد من المواقع الأثرية، بما في ذلك جامع النوري ومنارته الحدباء، لأضرار جسيمة أو دمار كامل.
وعصف بالمدينة موجات نزوح جماعي، حيث نزح أكثر من مليوني شخص من الموصل خلال المعركة، ولا تزال الموصل تعاني من صعوبات كبيرة في إعادة إعمار البنية التحتية وإعادة الحياة الطبيعية إلى المدينة.
أوضاع المدينة اليوم مؤسفة الآلام النفسية والحسرات التي خلفتها المعارك وتداعياتها مازالت في قلوب كل الأهالي من جراء ما حصل معهم ولمدينتهم هذا بالإضافة الى مشاكل تعاني منها مناطق المكونات في سهل نينوى مثل المسيحيين، التي تسيطر عليها ميليشيا بابليون بزعامة ريان الكلداني وغيرها، وبلدة سنجار موطن الكورد الايزيديين التي يحتلها مسلحو حزب العمال الكوردستاني PKK بالتنسيق مع فصائل الحشد الشعبي، ومناطق أخرى قريبة من الحدود السورية تسيطر عليها فصائل وجماعات حزبية..