بقلم| مكي النزال (عضو اللجنة العليا للميثاق)
منذ وطأت قدما أول جندي أمريكي لأرض العراق الطاهرة بدأ ساسة الاحتلال وتابعوهم إقامة تجارة مدروسة بعناية مادتها الوهم ورأسمالها الكذب والتدليس؛ فبعد أن سوَّقوا (ثيابَ الإمبراطور الجديدة) ببراعة ثم تابعوا تجارتهم بخسّة وهم يبيعون العراق شبرًا شبرًا ومعه يبيعون حاضر العراقيين ومستقبلهم وحتى تاريخهم وفق خطة مدروسة بعناية في مراكز أبحاثهم التي تسوِّق لجرائمهم بعد أن ترسم مساراتها بعناية ودراية شيطانية.
ولمن لم يسمع بقصة ثياب الإمبراطور الجديدة نقول: هي قصة قصيرة للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن تدور حول ملك يقنعه خياطان بأن يصنعوا له من خيوط الذهب بدلة خفية لا يراها الذي لا يصلح لمنصبه أو الأحمق وعديم الكفاءة. وعندما يخرج الملك أمام رعيته بملابسه الجديدة، لا يتجرأ أحد على قول إنه لا يرى أي ملابس على الملك، باستثناء طفل يصرخ: (لكنه لا يرتدي أي ملابس على الإطلاق (!
وهذا ما فعله المحتلون فلقد نسجوا للعراقيين قصصًا وصاغوا لهم سيناريوهات عن الحرية والديموقراطية والرخاء والترف القادم والكثير من الأحلام الوردية التي خدرت بعض العقول لبضع سنين، لكن فتيةً وفتيات صرخوا في النهاية قائلين: إن هؤلاء الملوك المزيفين عراة لا يرتدون شيئًا غير الأكاذيب التي أصبحت واضحة مكشوفة فبدت الحقيقة ظاهرة للعيان وانكشفت الأباطيل لا سيما وأن العراقيين أبناء حضارة موغلة في القِدم ولا يمكن أن يكونوا أسرى الوهم، وإن وقعوا فيه فإنهم سرعان ما يبصرون بقلوبهم المحبة لوطنهم فيصرخون صرخة الطفل في موكب الملك العريان.
لكن التعلم لا يأتي بالمجان في كل الحالات والكارثة الكبرى هي أن العراقيين لم يدفعوا أموالهم وصحتهم وراحتهم فقط، بل طالما دفعوا الثمن من دمائهم الزكية سواء بالحروب المفتعلة أو بالتفجيرات الإجرامية أو بالإهمال المطلق الذي يمارسه حكامهم على مر عشرين سنة سوداء من عمر بلدهم.
ولعل (المزار) الذي أسماه الدجالون (قطارة عليّ) مثال واضح وقريب على بيع الوهم فنحن لا ندري من أسس هذا المزار ومن يحلب زواره ولصالح من، لكننا نعلم جيدًا من المستفيد الأخير ومن المتستر الحامي للصوص الصغار الذين تحولوا إلى قتلة مجرمين.
وكما أن "القطارة" أضيف لها اسم الرجل الطاهر والإمام الشريف كما أضيف لكل مشروع سوء وهو منه براء فإن المئات من المزارات الوهمية التي تودي بعقول القلة الواهمة من العراقيين قد تتحول يومًا ما إلى مكان لقتلهم بسبب رداءة البناء أو انعدام الرعاية الصحية والوقائية فيها أو حتى تفجير كمئات التفجيرات التي حصدت أرواح الآلاف من العراقيين.
وفي سوق بيع الوهم تنطلق منافسات وصراعات خطيرة بين "التجار" ونقول خطيرة لأن هؤلاء مسلحون ولا رادع لهم إن أشعلوا نار حرب ضحاياها المدنيون الأبرياء؛ لا سيما وهم بعد وهم الانتخابات طامعون بالمزيد من أموال العراقيين فالفاسد لا يشبع أبدا.
ولأن كل شيء في العراق مستورد من الجيران، فإن بضاعة السياسيين هي الأخرى مستوردة، بل ومحتكرة، لمستثمرين أجانب وإقليميين مسيطرين على السوق وهم يمولونه بأسباب القتل ومعداته كما يوردون له بضاعة الإفقار والترويع والأمراض والتخلف عن ركب العالم الذي يتقدم في مجالات أمن مواطنيه وعيشهم الكريم بنفس السرعة التي يهوي بها العراق إلى الحضيض!