الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير تفاصيل الساعات التي سبقت واعقبت احتلال بغداد في التاسع من نيسان

تقرير

تفاصيل الساعات التي سبقت واعقبت احتلال بغداد في التاسع من نيسان

الميثاق| أحمد صبري

في كل عام نتوقف عند ذكرى احتلال العراق وتداعيات الغزو ونستذكر ما جرى ويجري من كوارث بعد هذه السنين التي بقيت أسيرة تداعياته.

ومن المناسب ونحن نستحضر ما جرى قبل 18 عاما من حملة تضليل وخداع الرأي العام تمهيدا لقرار غزو العراق واحتلاله. والساعات التي سبقت واعقبت احتلال بغداد عام 2003 رصدتها وتابعتها عندما كنت مراسلا لراديو "مونتي كارلو الفرنسية" و"الاذاعة الألمانية" دونتها في هذه الشهادة التي نشرت بعض تفاصيلها قبل سنوات غير أن هذه الشهادة الجديدة هي شهادة تأبى النسيان رغم مرور 18 عاما على الاحتلال.

ما هي ... إلا ساعات ودبت الفوضى في مدينة بغداد بعد احتلالها حتى تحولت إلى مدينة اشباح يصول ويجول فيها اللصوص الذين دهموا المصارف الحكومية والأهلية، فيما استباح آخرون مؤسسات الدولة لإفراغها من محتوياتها فيما لزم السكان بيوتهم بانتظار انجلاء الموقف.

وكان صباح التاسع من نيسان حزينا وكئيبا بفعل تداعيات العدوان ما اوقع الصحفيون في حيرة بعد أن قذفت أماكن تواجدهم في فندقي "المريديان، والشيراتون" مدفعية الدبابات الأمريكية التي تسللت إلى بغداد وقتلت وجرحت العديد منهم.

ووسط أجواء الترقب والانتظار تردد الصحفيون الذين تجمعوا في باحة الفندقين لمتابعة ما يحدث من حولهم بعد أن تضاربت الأخبار حول حقيقة ما يجري في الخارج، انتبهوا إلى ما يدعهم إلى مؤتمر صحفي عاجل لوزير الإعلام السيد "محمد سعيد الصحاف" على سطح فندق المريديان.

وهرعنا إلى السطح وإذ بالصحاف يطمئن الصحفيين ويؤكد أن الأمور مسيطر عليها وأن ما يسمعوه هو تسريبات صحفية هدفها إحداث البلبلة والتأثير على معنويات المقاتلين، وكان الصحاف متماسكا، وعنف بعض مراسلي وسائل الإعلام الأمريكية لعدم مصداقية تقاريرهم حول تطورات الحرب على العراق، غير إننا لاحظنا أن الصحاف غادر الفندق في سيارة عادية قاصدا المقر البديل لوزارة الإعلام في التلفزيون التربوي بمنطقة "الأعظمية".

وبعد أن أفلح الصحفيون في نقل مراكز تواجدهم من المركز الصحفي بوزارة الإعلام إلى منطقة الفنادق رغم اعتراض الوزارة على ذلك تحول الفندقين والباحة بينهما إلى غابة من الصحون اللاقطة كان يقصدها المسؤولون العراقيون للإدلاء بتصريحات صحفية عن تطورات المنازلة مع الولايات المتحدة حتى أن وزير الخارجية السيد "ناجي الحديثي" أتخذ من أحد غرف الشيراتون مقرا له ليكون قريبا من وسائل الإعلام لاطلاعهم على مستجدات الحرب.

ومع اقتراب الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم الأسود لاحظنا أن وسائل الإعلام الأمريكية والغربية بدأت بنصب كاميراتها فوق أسطح الفندقين وتوجهها نحو ساحة الفردوس، وكأن حدثا كبيرا سيحصل فيها وحصل ما كنا نتوقعه بتحويل المشهد الذي حصل في ساحة الفردوس إلى واقع وكأنه نهاية للحرب في حين كانت كرخ بغداد ومعظم أطرافها لم تدنسها قوات الاحتلال إضافة إلى تواجد مئات المقاتلين العراقيين والمتطوعين العرب في الساحات والمراكز الحساسة في بغداد.

وفي صبيحة اليوم التالي وأثناء ما كنا متجمعين في ساحة الفردوس أقترب مني شخص لا أعرفه وقدم لي بيانا مطبوعا صادرا عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، يدعو لمقاومة المحتل وطرده من العراق وطلب مني استخدامه في رسالتي اليومية إلى إذاعة "مونتي كارلو" التي كنت مراسلا لها في بغداد وعلى الفور أعددت تقريرا عاجلا أشرت فيه إلى أن المقاومة ضد الاحتلال بدأت بعد يوم من تدنيس أرض العراق.

وما اثار استغراب الصحفيين أن جيشا عبر المحيطات وقطع آلاف الكيلومترات لغزو العراق بمزاعم زائفة مدعوم بالطائرات والدبابات والبوارج والصواريخ يزاحموننا على رغيف الخبز ووجبة الفطور التي كانت تقدمها إدارة فندق المريديان للنزلاء.

وقد استأجرت مع زميل لي غرفة في فندق المريديان وبعد الاحتلال توزع بعض جنود المارينز على الغرف الفارغة في الفندق وقد حل أثنان منهم في الغرفة المقابلة لغرفتي في الطابق الخامس ولاحظنا أنهم يستيقظون مبكرا ويحدثون ضجيجا مزعجا، عرفنا فيما بعد أنهم يتناولون الفطور قبل مجيئ النزلاء ما أحدث نقصا في المواد التموينية وأوقع إدارة الفندق في حرج كبير، خصوصا وأن جنود الاحتلال احتلوا الفندقين ونصبوا خيما في ممراته وباحته الخارجية والتهموا الطعام الشحيح من مطابخ الفندقين وسط استغراب واستهجان الصحفيين الذين تساءلوا عن السبب في عدم تأمين الأرزاق لجيش دولة كبرى تمتلك افتك الأسلحة من دون أن توفر لقواتها قوتهم اليومي، وكعادة جيوش الاحتلال حولوا منطقة الفنادق إلى معسكر سوروها بالأسلاك الشائكة وحددوا حركة الدخول والخروج منها تحسبا لأي طارئ ما ازعج وسائل الإعلام التي بدأت تشعر بخطورة تواجدها في هذا المعسكر الذي سيصبح هدفا فيما بعد ما دفع العديد من الصحفيين إلى مغادرة المكان والبحث عن مكان أكثر آمنا.

مقالات متعلقة