بقلم| ثائرة أكرم العكيدي ( كاتبة وباحثة)
تمثل الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي أحد الأمراض الخطيرة التي يصعب مواجهتها في ظل قدرتها على تطوير أدائها واكتشاف ثغرات تمكنها من التواجد، وممارسة أضرار سلبية بدءاً من نشر الشائعات والتحريض على الطائفية وإثارة مناخ متطرف وحتى التشجيع على الإرهاب وأعمال العنف.
ويطلق على تلك الحسابات الوهمية اسم الذباب الإلكتروني فهي كالحشرات المزعجة التي يصعب طردها من أماكن نشاطها، خاصة أنها حسابات تقف وراء الكثير منها برامج روبوت تديرها أجهزة استخباراتية أو منظمات إرهابية أو إجرامية وقراصنة، وكل منها له أغراض محددة سواء استقطاب المؤيدين، أو جمع معلومات، أو الإيقاع بالضحايا عن طريق الابتزاز وهناك من يتقاضى رواتب عالية جدا من مصادر خارجية علماً أنّ اجتماعات الجيوش الإلكترونية المهمة تتم في مقرات قنوات فضائية تابعة ومدارة من أجندات خارجية أو الميليشيات.
وشاعت الجيوش الإلكترونية في العراق منذ عام 2010 حيث ابتدعتها أحزاب وفصائل عراقية من أجل السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعل فيسبوك هو الأبرز وقتها كونه الأكثر استخداماً في العراق. وكان عملها في تلك الفترة يرتكز على تلميع صور السياسيين الذين يمولون الصفحات بعد توظيف عشرات الشبان كمسؤولين عليها، إضافة إلى دعم تصفية الخصوم السياسيين معنويا.
واليوم أكثر الحسابات التي أصبحت متداولة بين العراقيين وخلال الثمان سنوات الأخيرة هي منصة تويتر، لقد أدركنا أن تويتر تحول إلى مركز يشبه نقطة الجاذبية التي تدور حولها الكواكب في كل مجرات هذا الكون الواسع، منصة (تويتر) هي من منجزات القرن الحادي والعشرين وساهمت في إعادة تشكيل الثقافة العالمية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لقد أصبحت تويتر ومنصات العالم الرقمية المشابهة حقيقة يجب تقبلها والتعامل معها بكل انفتاح والسبب خلف ذلك يعود إلى كون المنصات الرقمية أصبحت كالهواء في الكون متوفرة بلا قيود ويصعب التحكم في كميتها أو اتجاهها.
تقوم تلك الحسابات بعشرات العمليات في دقائق من نسخ الروابط واختصارها ولصقها بشكل لا يختلف عن الحقيقة، وتحاول منصات التواصل الاجتماعي تدقيقها باستمرار في ظل تنامي دورها السلبي في توجيه الحملات، والترويج لمواقف سياسية، وممارسة الاستقطاب ضد الحكومات.
استهداف الحساب الوهمي لإحدى فئات المجتمع أو ممارسة العنصرية تجاه بعض الأصول وأن إنشاء حسابات وهمية لملاحقة شخصيات بالمجتمع أمر غير صحي، لكن في المقابل هناك حسابات تبدو وهمية وتطرح أشياء ناقدة لبعض المظاهر السيئة في المجتمع، بعيداً عن لوم ونبذ المجتمع لآرائها.
وبينما يُجادل البعض بأن إنشاء حساب على الوسائط الالكترونية هو أمر شخصي يندرج في إطار الحريات غير القابلة للتقييد وفقا للدستور، غير أن الواقع على فضاءات «تويتر» مثلا يضعف مثل ذلك الجدل لا سيما عقب تزايد حسابات وهمية تتناسل يوما تلو الآخر وتنشر شائعات وأشياء أخرى مقيتة أحيانا تهدد السلم المجتمعي.
إن أصحاب الحسابات الوهمية والأسماء المستعارة في وسائل التواصل تدفعهم أسباب مختلفة بعضهم فعلوا ذلك برغبة منهم لحماية أنفسهم من المساءلة القانونية أو الضغوط الاجتماعية أو لغاية في نفس يعقوب. وهناك آخرون يرون أنفسهم مشهورين ولهم كيان ولا يريدون أن يعرفهم الناس عند نشر آرائهم أو أفكارهم أو توجهاتهم عبر وسائل التواصل التي يشاهدها الكثيرون. وهذا ما حدث في حساب وزير عراقي على منصة التويتر حيث أثير الجدل في الفترة الأخيرة بأن حساب وزير عراقي يعود لشخص بدأ حياته مدنياً قبل أن يحتضنه أحد السياسيين الإسلاميين غير الموجودين في السلطة حالياً والمقيم في دولة غربية كما أن صاحب الحساب تنقل بين العديد من الدول وهو من المعارضين للنظام السابق وأنه سابقا كان مسؤولا في الحكومة العراقية لدورتين متتاليتين لديه العديد من الاهتمامات ومنها الكتابة وأن عمره تجاوز العقد السادس.
صفحة وزير عراقي الكل بنظرها فاسد فقط شخص واحد والذي هو تدور حوله أصابع الاتهام وهذا بطبيعة الحال يكشف أن الحساب يعود له أو يرتبط به بصورة مباشرة. حيث يرى البعض أن أسلوب الحشو والتسفيط واللغو والثرثرة التي يكتبها بأسلوب التحليل الفواز الفوازي وأبو علي الشيباني. ويقوم هذا الأسلوب على ضخ كمية معلومات خيالية تخلو من كل صحة ولا مصداق لها ولا واقع ولا أرقام ولا بيانات ولا وثائق لاستمالة متابعين من فصيلة الجيوش.
وكالعادة هنا بدأ الحساب بالترويج إلى نهاية اللعبة خاصة بعد تغريدة الشابندر ورد أحد النشطاء المعروفين لتغريدة غالب الشابندر وجدلية التغريدة بأن الشخص نفسه يسأل وفي نفس الوقت يرد على سؤاله مما استفزت هذه التغريدة لحساب وزير عراقي فنزل بشتم وسب وغلط على الناشط.
أنا لا أنكر أن حساب وزير عراقي يمتلك لباقة بالكلام إمكانيات في اختيار المفردة وترتيب الجمل بما يتناسب والحادث والحديث بديهية وسرعة انطلاق للأفكار على اللسان دون تردد ولديه قابلية بجعل المقابل يقوم بتصديقه بالعافية عليه هكذا إمكانية. المفارقة أنه هكذا شخصية صعب أن يرتاح لها المرء باعتبارها بعيدة عن المصداقية.
وربما الخداع في مواقع التواصل الاجتماعي سهل جداً ولكن الاستمرار في الخداع صعب جداً وكذلك الأمر على أرض الواقع فالمثالية الزائفة والأنا تخرج عن نطاق الكلام وأغلب المدعين لديهم إدراك تام لهذه المثاليات الزائف.
وللخداع التكتيكي تاريخ طويل في تطور الأنواع الاجتماعية والمجتمع المتقدم الذي يتماشى بطريقة متناغمة هو مجتمع يكذب على بعضه. فإن كنت كاذبا فذلك لا يعد دائما أمرا سيئا. وعموما إن لم يكن هناك أي كذب لما كنا نعيش اليوم إنه مهم للبقاء في بعض الأحيان..