حوار الميثاق مع الإعلامي والكاتب العراقي الأستاذ كرم نعمة
مقدمة تعريفية
طالما يُعرّف الصحافي والكاتب العراقي كرم نعمة عن نفسه بالتعبير عن جوهر الصحافة في مفهومها التاريخي في مقاله المستمر منذ أكثر من عقدين في صحيفة العرب اللندنية وقبلها صحيفة الزمان الدولية. ومن ثم قراءته السياسية لأحوال العراق والمنطقة في مقاله الأسبوعي المتواصل بموقع قناة "الرافدين" الفضائية.
هو مشغول بشأن ومستقبل العراق وأحواله وبالصحافة وكيف نبقيها الحل الأمثل لربط المجتمع بديمقراطية حرة من الأفكار والمعلومات. مثلما مشغول بالدفاع عن مفهوم الصحافة نفسها وعدم التفريط بها بالتعويل على صناعة الأفكار في الكتابة الصحافية كما التعويل أيضا على القرّاء الأوفياء. وطالما أثارت مقالاته في هذا الشأن جدلا واهتماما بين الذين يأملون تأمين مستقبل الصحافة في العصر الرقمي وما بعد الرقمية. ذلك ما يفصح عنه كتابة الجديد "السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي" الصادر مؤخرا عن دار لندن للطباعة والنشر.
كرم نعمة المولود في بغداد عام 1964 درس هندسة المعادن في بغداد والصحافة في جامعة ويست لندن. وعمل في الصحافة العراقية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي وكان آخر عمل له مشرفا على الصفحة الأخيرة في جريدة الجمهورية قبل مغادرته العراق بداية تسعينات القرن الماضي من دون أن يعود.
عمل كرم نعمة في لندن في صحيفة الزمان الدولية منذ تأسيسها ومن ثم مدير تحرير صحيفة العرب اللندنية. صدرت له خمسة كتب تهتم حصرا في المادة الصحافية والثقافية. ويكاد يكون كتابه "سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية" يجيب بشكل أو بآخر عن الدرس الصحافي عندما تكون السياسة التعريف الأمثل للإعلام. وقبلها صدرت له كتب "التدفؤ بالكلمات" و "فاكهة الكلمات: روائيات على السجادة الحمراء" "يوسف الصائغ: تخطيطات وأفكار بصوت عال- كتاب مشترك".
في هذا الحوار مع الكاتب العراقي كرم نعمة المقيم في لندن منذ ثلاثة عقود، نركز على الشأن السياسي العراقي وما ينتظر مستقبل البلاد وتقاطع القراءات مع تناقض المؤشرات المتاحة بعد عشرين عامًا من الفشل السياسي في البلاد.
الحوار:
الميثاق| كيف تقرأ حصيلة العالم الذي ودعناه عراقيا؟
كرم نعمة| الثقافة الاجتماعية السائدة تطالبنا بأن نكون متفائلين! لكن مع ذلك تبدو الحاجة ماسة وعاجلة عندما يتعلق الحال بوضع العراق والعالم العربي أن نقتبس عنوان الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، فقوة الأمل في الطابع الإنساني ضعفت تحت وطأة انهيار الكرامات والجوع والازدراء والكراهية والطائفية... إلى حد اشتقاق مفردة "المتشائل"! بيد أن هناك قوة سياسية وطائفية في العراق تحديدا تدعو الجيل الشاب من ثوار تشرين إلى فقدان الأمل في استعادة بلادهم المخطوفة، وأن لا خيار لهم غير الانقياد للصوص الدولة تحت مغريات بائسة عن توفير فرص عمل و"ديمقراطية" تدار بطريقة "الباب الدوار" يخرج الطائفيون وزعماء الميليشيات منه ليدخلوا ثانية وفي الوقت نفسه، وتلك أكبر كذبة مستمرة في العراق منذ عشرين عاما، وحكومة محمد شياع السوداني استثمرت هذه الكذبة على مدار عام كامل في ترويج زائف لتسويق الغبار السياسي على أنه مسحوق من ذهب الأمل. غير أن تاريخ العراق لم يتوقف عن أخبارنا بأن البلاد مهما استكانت فإنها تعيش تحت نار قِدر الضغط الكاتم الذي سينفجر في لحظة ما!
دعني أذكّرك هنا بما كتبه محمد توفيق علاوي بأنه سمع من رئيس وزراء سابق في المنطقة الخضراء بأنهم جميعا يعيشون تحت وطأة انتظار ساعة هجوم العراقيين عليهم وسحلهم في الشوارع! وتلك ليس توقعات محضة من "رئيس الوزراء في إحدى الحكومات الافتراضية التي دُفعت إلى المنطقة الخضراء" بل هي متوالية سحل تاريخية وثقها التاريخ العراقي المعاصر وأثبت صحتها علي الوردي في قراءة اجتماعية واقعية فقد أهميتها في سنوات ما لكنها سرعان ما عادت منذ عام 2003، وكل ما حدث في العراق مع حكومة الإطار التنسيقي على مدار عام 2023 يساعد على انفجار قدر الضغط الكاتم. دع عنك الهدوء السياسي الخادع الذي يروج له عمار الحكيم والمالكي....
الميثاق| وكيف تنظر لملامح العام الجديد بعد أكثر من عشرين عاما من الفشل والفساد والفقر والبطالة في العراق؟
كرم نعمة| بعد أسابيع من احتلال العراق عام 2003 سألت أحد السياسيين الذي كان يزعم أن لديه "مشروعا وطنيا" وذهب بعد أيام من وقوف الدبابة الأمريكية على جسر الجمهورية إلى العراق ليكون أحد أعضاء مجلس الحكم المنحل (...) وعندما عاد إلى لندن بعد أن فشل في الحصول على ذلك المجد الزائف، سألته نفس هذا السؤال "ماذا تتوقع لمستقبل البلاد؟" قال لي "لن تقوم لنا قائمة بعد خمسين عاما"! كان ذلك قبل عشرين عاما، فهل ينبغي على العراقيين الانتظار ثلاثين عاما أخرى لاستعادة بلادهم المخطوفة من الطبقة الاوليغارشية الفاسدة والميليشيات؟
أعتقد تلك قراءة غير واقعية حتى في العلوم السياسية المفرطة بالسكون السلبي. فكل تجارب السنين الماضية أخبرتنا أن الخيال الرخيص الذي تروج له الأحزاب الحاكمة بأن التغيير يجب أن يحدث من داخل العملية السياسية لا قيمة له، وإنما علينا كصناع رأي وقوى وطنية بأن نساعد وندفع ثوار تشرين باتجاه "المعادلة الصفرية" لأنها أضحت الحل الوحيد لإعادة العراق بيد أبنائه.
الميثاق| تجتمع في منطقتنا جيوش دولية وقواعد عسكرية وحاملات طائرات هل نحن أما معادلة جديدة في المنطقة؟
كرم نعمة| إذا كان الماضي يغدق علينا بدروسه المفيدة، فإن الثقة بالمستقبل ليس درسا سياسيا، بل أقرب إلى الأمنيات الشخصية عندما يتعلق الأمر بسياسة "الصبر الاستراتيجي" وما تعده الولايات المتحدة حيال دول المنطقة. وحتى أهم مراكز البحوث والدراسات الغربية بما تمتلكه من مؤشرات سياسية لا تستطيع أن تجزم ما الذي سيحدث غدا، غير أن المنطقة برمتها تعيش تحت وطأة القلق وما رافق اتفاق بكين بين السعودية وإيران وبعدها غسيل السمعة السياسي من قبل دول عربية، خصوصا السعودية، لسياسات إيران في المنطقة، يؤكد لنا أن القراءات المتفائلة عن قبول إيران كجار ودود مسالم يعمل من أجل استقرار وسلامة المنطقة، تنم عن سذاجة تاريخية قبل أن تكون سياسية، فدول الخليج نفسها مهددة من سياسة إيران في الهيمنة واستراتيجية "قم أم القرى" لم تغادر طاولة الحرس الثوري الإيراني لنقل مركز العالم الإسلامي من مكة إلى قم. كما أن تاريخ إيران تحت حكم الطبقة الثيوقراطية من الخميني حتى خامنئي تقول لنا أمرا مختلفا كليا لا يبدده اتفاق بكين.
هناك إفراط ثقة سياسي بمستقبل العلاقة الإقليمية لدول المنطقة مع إيران بعد أن فقدوا ثقتهم بالحماية التي كانت توفرها لهم الولايات المتحدة، من دون أن يمتلك أولئك الذين يمارسون غسيل السمعة السياسي لإيران أي مؤشرات واقعية تجعلهم يدافعون عن ذلك.
لكن السؤال إلى أي حد ستقبل واشنطن بوضع جيوسياسي يضر بمصالحها في المنطقة المترعة بمصدر الطاقة؟ لا تنس هنا أن الاتفاق النووي بين إيران ودول الغرب مازال معلقا.
ذلك سؤال لا نملك إجابة واضحة عليه، لكن المؤشرات المتاحة تخبرنا بأن إدارة الرئيس جو بايدن ليس على استعداد لدخول حرب تقليدية جديدة في المنطقة وإن دفعت بأساطيلها إلى المنطقة، مع ذلك دعنا نترقب ونعيد السؤال نفسه مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية وماذا لو عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض؟
يتساءل بريت ستيفنز الكاتب السياسي في صحيفة نيويورك تايمز عما إذا كان هناك أي نوع من الرد الأمريكي. فمن غير الواضح ما إذا كانت هناك أي سياسة متماسكة على الإطلاق من قبل بايدن إزاء إيران.
في النهاية السياسيون لا يعبرون عن أمنياتهم، بينما هم يتحدثون عن المستقبل الآمن بعمومية مطلقة بذريعة التغيرات الإقليمية، ويستندون على مشاريع اقتصادية ستعكس الرخاء على دول المنطقة وبما فيها إيران، وهذا يتطلب تهدئة سياسية وتوافقا مشتركا، لكن على ماذا يتم التوافق؟ فكل مزاعم الهدوء السياسي تبددت مع الحرب في غزة، وستتبدد بمجرد أن تندلع شرارة التغيير في العراق أو سوريا حتى لبنان واليمن.
الميثاق| وهل بات العراق مرشحا للصراعات الداخلية مستقبلا أم أن الظروف السياسية يمكن أن تتغلب على مشاكل الميليشيات ولاسيما بعد انسحاب الصدر وسعي المالكي والإطار لإنهاء وجوده؟
كرم نعمة| أنا لا أثق بأن مقتدى الصدر سيكون جزءا من الحل وإن كان صراعه مستمرا مع أحزاب وميليشيات إيران في العراق، فالرجل فشل في استثمار "فوزه" في الانتخابات البرلمانية كما لم ينجح حتى الآن في انتهاز انسحاب أعضاء تياره من البرلمان، دع عنك أنه جزء من بناء ودعم والمشاركة في العملية السياسية منذ انطلاقها، لكن علينا أن نقرأ الضغينة والكراهية التي يحملها الصدر لنوري المالكي بأنها عامل مساعد لإفشال وتبديد ما يسميه عمار الحكيم وقيس الخزعلي "الهدوء السياسي" للإبقاء على سلطتهم على حكومة الإطار التنسيقي
فصراع لصوص الدولة سواء داخل أحزاب وميليشيات الإطار التنسيقي أو بينها وبين التيار الصدري، يشكل عاملا مساعدا لتهديم معبد العملية السياسية على رؤوس مشيديها. لأن هذا الصراع لا ينم عن مشاريع سياسية وطنية، بل هو صراع للحصول على الحصة الأكبر من مغانم الدولة. خذ مثلا محاولات بعض زعماء الإطار اليوم لإرضاء الصدر والإبقاء على محافظي النجف وميسان من الصدريين وعدم تغييرهم بعد انتخابات مجالس المحافظات، خشية أن يحرك اتباعه في الشارع لإقلاق عملية سرقة الدولة، خصوصا وأن الموازنة خصصت مليار دولار في أقل اعتبار لكل محافظة، فالسرقة ضخمة إلى الحد الذي تغري أشد أنواع اللصوص غطرسة على التوافق من أجل بريق مال مجالس المحافظات.
الميثاق| كيف تقرأ نتائج انتخابات مجالس المحافظات التي جرت قبل أسبوعين تقريبا؟
كرم نعمة| قبل ذلك علينا أن نحصل على تعريف لمجالس المحافظات من قبل المروجين لها! هي في حقيقة الأمر وظيفة من لا وظيفة لهم، كي نتحدث بعدها عن جدواها بالأساس، لأننا أمام عملية سياسية قائمة فوق هذه المجالس أثبتت على مدار عشرين عاما أنها فاشلة وفاسدة وبنيت على أساس تقسيمي لتهميش وطنية العراقي لحساب طائفته وعشيرته... فالحاجة إلى هز تلك العملية كما فعل ثوار تشرين لإحداث صدمة، ومجالس المحافظات هي أحدى محاولات الأحزاب الحاكمة لامتصاص الصدمات، لكنها تفاجأت بصدمة من نوع آخر تمثلت بالمقاطعة الشعبية، فبات غالبية العراقيين لا يثقون بأن التغيير يتم في العروض الانتخابية وتبديل الوجوه بالأشقاء وأبناء العم وأبناء الأخت ومن عناصر العشيرة في مجالس المحافظات للاستحواذ على المخصصات المالية الضخمة لتلك المدن.
في النهاية لا تبعث تلك الانتخابات وما سينتج عنها من مجالس، أي أمل لملايين العراقيين يعيشون في مدن الصفيح والطين، يعيشون على الهامش، يبحثون عن كرامتهم المهدورة، وأمام أعينهم مستقبل أطفالهم الضائع بين الأمية والفقر والجهل والجوع والمذلة.
الميثاق| ولكن هناك من يرى أن انتخابات مجالس المحافظات بعد عشر سنوات هي باب للفساد وتكريسها للهيمنة والاستحواذ؟
كرم نعمة| هناك مستنقع سياسي آسن لا تنتهي حدوده في المنطقة الخضراء ومجالس المحافظات توسيع لهذا المستنقع، نما وتوسع منذ عام 2003 في العراق، لكنه يبدو اليوم مغلفًا بقشرة سياسية زائفة وهشة، من دون أن تمنع نفاد الرائحة الفاسدة منه، فثمة من يتقاتل في داخل ذلك المستنقع بذرائع سياسية وديمقراطية (…)، لكن أولئك المتصارعين في الوحل السياسي والأخلاقي يعملون معًا لإثراء أنفسهم.
ذلك ما يسميه كبير مراسلي مجلة "إيكونوميست" في الشرق الأوسط نيكولاس بيلهام، بـ"أرض العصابات" في معادل مخز لأرض النهرين وهو يعرض لحفلة السخرية القائمة في البلاد.
ومجالس المحافظات هي إضافة هامشية لتلك العصابات لأن المال المخصص لتلك المحافظات بذريعة البناء وتقديم الخدمات تحرض على إنتاج تسميات جديدة لتحاصص جديد يقوم على توزيع تلك الأموال.
الميثاق| الإطار الشيعي يحاول لملمت أوراقه بعد تدني نسبة المشاركة بالانتخابات وخسارة أبرز مرشحيه بتشكيل قائمة موحدة في المحافظات التي فاز بها؛ ما هي أبرز أهدافه برأيكم؟
كرم نعمة| الإطار التنسيقي هو نسخة معدلة من كذبة "البيت الشيعي" التي أوجدها سيئ الذكر أحمد الجلبي، فلا يوجد بيت شيعي بالأساس كما لا يوجد بيت سني، ولا يمكن أن تبني أسرة عراقية بشروط طائفة الأم أو الأب، من دون أن نفكر بالتوتر الذي سينعكس على الأبناء. هل يمكن أن أكره أبي لأنني مع طائفة أمي أو يفعل أخي العكس، ذلك ما يمكن أن يكون عليه واقع الأحزاب السياسية إن امتلكت مشروعها الوطني العراقي، لكننا أمام أحزاب طائفية بنيت على أساس طائفي دفعت إليه الأحزاب الشيعية وأوجدت لها معادلا طائفيا هامشيا من أحزاب سنية. الإطار تسمية كاذبة بمجرد أن نعرف الضغائن والكراهية القائمة بين زعماء أحزاب وميليشيات هذا التشكيل الوهمي الفاسد والمتخلف، لأنه بالأساس لا أحد منهم قادر على تحديد نوعية هذا الإطار وأي توافق يؤطرهم غير العمل معا لإثراء أنفسهم وإن تصارعوا على كل شيء لكنهم يتوقفون أمام تقاسم أموال الدولة.
فكما تهشم "بيت الجلبي الشيعي" سنعرف كم هو واهن هذا الإطار الحالي لحظة اختلاف أحزابه على تقاسم غنيمة الحكومة، وبمجرد العودة إلى التسريبات التي كشفها الصديق علي فاضل على لسان المالكي نكتشف كذبة التوافق بين المنضوين تحت الإطار التنسيقي.
نعم سيشكلون قائمة بعد أن يتوافقوا على توزيع الحصص وإرضاء بعضهم البعض بأموال مخصصات المحافظات، لكن كمْ من هذا المال سينعكس على حياة العراقيين في تلك المحافظات؟
الميثاق| في ميزان الربح والخسارة ماذا حقق التيار الصدري بمقاطعته الانتخابات؟
كرم نعمة| في إجابتي السابقة قلت أن الصدر فشل في استغلال فوزه في الانتخابات البرلمانية، ولم ينجح لحد الآن في انتهاز انسحابه. في واقع الحال أرى السيد مقتدى الصدر هو نتاج الرثاثة السياسية القائمة في العراق منذ احتلاله، وقد كتبت ذلك، وقلت بمجرد فوز التيار الصدري في الانتخابات البرلمانية عام 2021 "مقتدى لم يكن حلا، ولن يزيد التيار الصدري العراق إلا مِحَنا" لكنني أشفق على جيوش الأميين السائرين خلف مقتدى صوب الخرافة التاريخية، مع أنه عصي على الفهم أن يكون نسبة منهم من الأشخاص على درجة من الوعي! بينهم قيادي من التيار الصدري يتواصل معي بطريقة مهذبة بعد أن قرأ ما كتبته على التيار في أكثر من مقال. حتى سألته كم يوجد مثلك في التيار؟ بينما الأميين منهم يتسيدون المشهد؟
فمن السخف، وفق تعبير صديقي فاروق يوسف، التفكير في أن رجل الدين مقتدى الصدر يفكر في الدعوة إلى إقامة دولة مدنية لن يكون له مكان فيها. وسيضحك السيد مقتدى حين تصل إليه استنتاجات المحللين التي يصر أصحابها على أن الصدر صار يتفهم ضرورة قيام الدولة المدنية.
ليس فقط نسبة كبيرة من العراقيين من وقع في وهم الحل الذي يمثله الصدر، بل أن صحيفتي فايننشيال تايمز البريطانية وواشنطن بوست الأميركية، توصلتا في قراءة سطحية إلى أن رجل الدين الراديكالي لن يكتفي بأن يكون "صانع ملوك" في العراق بعد انتخابات 2021، وإنما سيكون موضع قبول من قبل القوى الغربية الأميركية والبريطانية، باعتباره معادلا مفضلا على الميليشيات الولائية التي تديرها طهران في العراق.
وقال دوغلاس سليمان السفير الأميركي السابق لدى العراق ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن "وجدنا أن الصدر واحد من المكابح الرئيسية للتوسع الإيراني والنفوذ السياسي الشيعي الموغل في الطائفية بالعراق بعد انتخابات 2018". مثل هذه المزح السياسية مستمرة إلى اليوم، بينما إذا أردنا استعادة العراق المخطوف علينا ألا نقبل إلا بالسياسي العراقي الذي يهمش طائفته لحساب وطنيّته، فهل يمكن للسيد مقتدى أن يتخلص من طائفيته؟ أشك في ذلك، كما أشك في طائفية الآخر المعادل السني له مهما يكون.
الميثاق| تصر الكتل المحسوبة على المكون السني على أنها ستعيد الحقوق التي فشلت في استردادها منذ عشرين عاما، وتتصاعد الاتهامات بينهم دون أن يُشار إلى المالكي أو الميليشيات التي تجهز على الناس، ما رأيكم بذلك؟
كرم نعمة| سنسقط في الفخ الذي رسمته لنا الأحزاب الطائفية الشيعية، لمجرد القبول بمعادلها الطائفي السني، وستكون أحزاب وميليشيات إيران في العراق، في غاية السعادة بمجرد قبولنا بمعادلها الطائفي السني، فمحمود المشهداني مثلا لا يقل "تفاهة طائفية وعمالة لإيران" عن طائفية المالكي
وضرر محمد الحلبوسي وخميس الخنجر على العراق لا يقل عن ضرر المالكي وعمار الحكيم، وهكذا بقية الأسماء... لذلك أرى بأن إحدى أهم وسائل إنقاذ البلاد تهميش التقسيمات الطائفية والقبول بالسياسي العراقي وفقا لعراقيته فقط، وعلى هذا السياسي أن يشعر بألم المُهجر من داره في الأنبار وجرف الصخر بمثل ما يشعر بألم المهجر تحت وطأة الجوع والفقر في السماوة والديوانية. وعليه أن يعمل على محاسبة قتلة العراقيين على الهوية بمثل محاسبة لصوص النفط في ميسان والبصرة.
لا أحد من "السياسيين" الذي يقدمون أنفسهم بطائفتهم قبل عراقيتهم، سيعمل على إعادة الحقوق للمهجر في الأنبار والبصرة على حد سواء. أدرك أن إجابتي هذه ستضعني في مثالية فلكلورية لعراق انتميت له وما زلت مصرّا عليه، لكنها ستبقى الطريقة المثالية لاستعادة العراق الحقيقي بعد أن قدم لنا السياسيون الطائفيون العراق المزيف على مدار عشرين عاما. فمثلما لا يثق العراقيون بالخزعلي والعامري والمالكي، لا يمكن التعويل على الحلبوسي والخنجر والسامرائي والجبوري....
الميثاق| بعد كل الخراب الذي أحدثته أمريكا بالعراق (بلا سخارت) تعد العراقيين بفرص مشرقة تلوح بالأفق، كيف ترى هذه الوعود؟
كرم نعمة| ليس بلاسخارت وحدها من تتبضع من سوق الغبار السياسي في العراق. هناك ما يشبه العمى السياسي الدولي والإقليمي المتعمد وتنازل عن الضمير، في النظر الى الهدوء الخادع والبؤس السياسي في العراق، وكأنه نجاحًا لحكومة محمد شياع السوداني.
نتحدث هنا عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجا مِلوني ووزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، ومديرة اليونسكو أودري أزولاي. كلهم زاروا العراق خلال الأشهر الماضية وتبضعوا من سوق الغبار السياسي في العراق معلبات فاسدة وقدموها للعالم بأنها سلعة سياسية معمرة، وتداولتها وسائل الإعلام الغربية خلافاً لحقيقتها الفارغة. فلدى هؤلاء جميعا صورة مزيفة عما يمكن أن يحدث، وعرضوها على العالم أثناء زياراتهم إلى المنطقة الخضراء بأنها حقيقية، وتلك معضلة الضمير السياسي إن وجد.
لقد أعطتنا العملية السياسية البائسة في العراق من يمكن أن نلومه على عقدين مرت فظيعة على العراقيين، لكن كل المسؤولين الدوليين الذين زاروا العراق وسط غسيل السمعة السياسي الذي تمارسه بلاسخارت في إحاطاتها إلى مجلس الأمن الدولي، يعرفون بالتأكيد كيفية إعداد نموذج رسمي لمنتج سياسي يلحقه الخراب.
كل الذي حصل يمكن وصفه بالوهم السياسي المتعمد وليس الصبر الاستراتيجي الذي يزعم أن النجاح قائم في دولة تتبوأ أعلى مراتب الفساد في العالم.
هناك تكاليف باهظة لنجاح العملية السياسية في العراق، ولا أحد من المشاركين فيها يريد تسديدها، لأنه لا أحد أيضًا من سياسيي المنطقة الخضراء يريد التوقف عن حرق المليارات من أموال العراق في الفساد، فبمجرد اختلال المعادلة القائمة: سياسي فاسد مقابل شعب متضرر، سينفجر قدر الضغط الكاتم بوجه المنطقة الخضراء.
الميثاق| كثر الحديث عن محور المقاومة ودور إيران في تسويقه للرأي العام في حين يواصل الكيان الصهيوني حربه العدوانية على الشعب الفلسطيني؛ كيف تقرأ هذا العناوين؟
كرم نعمة| لم تعد "التقيّة" وحدها كافية لفهم طبيعة الخطاب السياسي الإيراني عندما يتعلق الأمر بالمحيط العربي و"إسرائيل" على وجه التحديد. هناك ما هو أكبر من "التقية" في السياسية الإيرانية المستمرة على إظهار عكس ما تبطن.
والأمر لا يدخل هنا ضمن مدارس الدبلوماسية. فالدبلوماسي يتحتم عليه أحيانا أن يتحمل مرارة تصريح مجامل وفق فن الممكن في العلاقات الدولية، غير أن إيران تجهر بصلافتها في مشروع الهيمنة على المنطقة عبر ما تسمية "محور المقاومة"، في وقت تتحدث فيه عن التواصل السلمي مع الجيران العرب.
هكذا وفق المثل الإنجليزي تريد أن "تركض مع الأرانب وتصطاد مع الكلاب" في وقت واحد وهذا لا يمكن أن يتسنى لها بأي حال من الأحوال.
كما لا أعول كثيرا على التهويل الضاج بالعداء بين إيران و "إسرائيل" فالتاريخ القريب يقول لنا شيئًا مختلفًا كليًا، علينا أن نثق به أكثر من المفردات الجوفاء التي يطلقها خامنئي على "إسرائيل" من دون أن يخبرنا عن دوره في فضيحة "إيران غيت" وكيف حصلت طهران على أسلحة إسرائيلية بواسطة أمريكية إبان حربها على العراق ما بين عامي 1980 و1988.
هناك انعدام للحدود في المفاهيم السياسية الإيرانية عندما لا تقف عند عتبة الدعم من الباطن للمُختلف معه، فـ "الشيطان الأكبر" مجرد تعبير زائف عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة المتهاونة مع سياسة الهيمنة الإيرانية في المنطقة، دعونا نتأمل هنا التخادم المكشوف بين البلدين في العراق منذ احتلاله عام 2003، فعن أي شيطان نتحدث بعدها؟
بالنسبة إلى "إسرائيل" فالتاريخ ليس ميتًا في نظرته إلى إيران، ولحد سنوات قريبة كانت فلسفة الموساد تختصرها جملة بأن "إيران عدو ودود وهو أفضل من صديق لدود" وهناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن هذه الفلسفة مازال يوجد من يعول عليها داخل الموساد إلى اليوم، مع كل الضجيج عن الأعمال والتهديدات العدائية المتبادلة بين البلدين.
ستكون سلة نفايات الاعتبارات في السياسة الخارجية الإيرانية أقرب إلى أي شيء آخر من مصطلحات محتل وعدو عندما تفكر إيران باستراتيجية التعامل مع “إسرائيل” بغض النظر عن الكراهية الدينية والسياسية والنووية.
ميليشيات إيران في العراق أو "محور المقاومة" وفق تسميتهم المخادعة، لا تشكل خطرا على إسرائيل، فقد تغيرت الاستراتيجية الإسرائيلية حيال العراق المحتل، بعد أن غادر تصنيف العدو الأشد وأراحت "إسرائيل" بالها السياسي من العراق تحت حكومات الاحتلال فلم يعد عدوًا لها، صحيح أنها لم تستخدم تسمية "صديقًا" لكنه كان وبقي ساحة منتهكة، ولم تبخل القوات الأمريكية في تمرير كل ما تحتاج "إسرائيل" لمعرفة ما يجري في العراق.
وفي واقع الحال كلما بقيت ميليشيات إيران في العراق تصرخ لا تجد من يسمعها من الطرف المقابل، هكذا بقيت "إسرائيل" تضع تهديدات الميليشيات وفق مفهوم الهراء العسكري، فإن كل تلك الميليشيات الحاكمة في العراق، بالنسبة إليها ظاهرة صوتية، لأن توقيت تشغيلها يتم من قبل إيران، وعندما زعم قيس الخزعلي في تصريحه المغرق في الهزل حول قيام الموساد باستخدام "عاهرة" بتدبير قتل الإمام علي بن أبي طالب في القرن السابع الميلادي وأن الأمويين كانوا متعاونين مع اليهود لتحقيق ذلك، كان على المخابرات الإسرائيلية أن تنصت لهذا التصريح ليس لأهميته البالغة، بل لوضعه ضمن أرشيف التاريخ الكوميدي، مع التذكير في ملاحظة صغيرة من قبل موظف الأرشيف بأن إنشاء الموساد كان عام 1949"!
وفي كل الأحول تدرك "إسرائيل" أن طريق القدس لا يبدأ من بغداد إلا عندما تكون بيد أبنائها، لذلك فالعراق المختطف من قبل ميليشيات إيران لا يشكل خطرًا على "إسرائيل"، والعراق المزيف لا يثير اهتمام "إسرائيل" لأنها كانت تخشى من العراق الحقيقي.
الميثاق| أعلن السوداني أن عام 2024 سيكون عام إنجاز ما أسماه تنفيذ المشاريع المتلكة في حين أن الفساد والبطالة والفقر والفشل هي عناوين السنوات التي أعقبت الاحتلال؟
كرم نعمة| لو تسنى للمؤلفة إليزابيث داي صاحبة منصة "كيف تفشل" إن تأملت محمد شياع السوداني وهو يجلس على مستنقع شاسع من الفشل السياسي والحكومي، بيد أنه يبعث برسائل متواصلة عن النجاح وكأن هذا المستنقع منتزه مثالي، فإنها سوف تتحدث عن شخص أحمق، هذا لأنها بالأساس عندما تطلق تساؤلا "كيف تفشل" تهدف إلى تعلم الدروس وبالتالي عبر الفشل من أجل هدف النجاح.
لا يبدو السوداني وحده من يعطينا مثالًا عن الفشل السياسي القائم والمتصاعد في العراق، فثمة ما هو أخطر منه عندما يسود خطاب ترويج الفشل بوصفه نجاحًا باهرًا.
خذ مثلا الكلام الذي لا يتوقف عمار الحكيم عن إطلاقه عن النجاح السياسي على مدار عشرين عامًا، وهو يدافع عن العملية السياسية القائمة بوصفها إنجازًا تاريخيًا على العراقيين الاحتفاء بها!
هذا الميل لدى الحكيم في الإشادة بالفشل يمكن أن نعزوه للمعضلة الأخلاقية والطائفية الكامنة في شخصيته، ومن السهولة بمكان أن يدرج قراء هذا الحوار الأوصاف الشنيعة التي يطلقها العراقيون على الحكيم بوصفه لص عقارات يعول على حاضنته الطائفية للاستمرار في حياته المكتسبة منذ عام 2003.
مقابل ذلك ماذا يحدث في العملية السياسية القائمة في العراق منذ عشرين عامًا؟
إنه ببساطة احتفاء غير مسبوق بالفشل بوصفه نجاحًا باهرًا، عندما يتم مثلًا إطلاق سراح لص سرقة القرن بذريعة استعادة الأموال المسروقة، أو تبرئة ميليشياوي قتل ناشطًا تحت مسوغ قضائي واهن، أو عرض معدات بطريقة مسرحية رثة والزعم أنها مستعادة من أملاك الدولة المسروقة.
ذلك ما يحدث عند رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، أنه يعبر عن سعادته المستمرة بالاحتفاء بالإنجاز الوهمي وتسويق الحثالة كخطاب قوة سياسية واقتصادية، في اعتقاد واهن بأنه قادر على الإنجاز في زمن أقل!
طالما تحدث عن إنقاذ قطاع التعليم، ومكافحة المخدرات واستعادة الأموال المسروقة وتوفير الطاقة الكهربائية… "يزعم السوداني بأنه يعمل عشرين ساعة يوميًا في خطاب تسويقي لا يستند على فرضية صحيحة في طبيعة أي إنسان، تراجع مؤخرا وقال أعمل 17 ساعة!". غير أن أحد مساعدي السوداني أخبر نيكولاس بيلهام مراسل شؤون الشرق الأوسط في مجلة "إيكونوميست" أن رئيس الوزراء ليس لديه خيار آخر؛ حيث قال "لو لم يطلق سراح نور زهير لص سرقة القرن لكان قد فقد رأسه".
خذ مثلا الكذبة السطحية حد البلاهة التي أطلقها مؤخرا عن القطيعة التي كانت بين أهالي الكاظمية والكريعات، وفق مزاعمه، وكأن السوداني سيجد من العراقيين من يعيره بالا لمثل هذا التلفيق. السوداني وهو يواصل عروض الإنجازات المزيفة يعيش في "ما بعد الحقيقة".
بيد أن السوداني نفسه يعجز عن إقناع أي عراقي عن تلك الإنجازات بعد مرور سنة كاملة على وجوده في موقع رئاسة الحكومة، على الأقل لمنع الإحباط السائد في الشارع العراقي. فهو مثلًا غير قادر على تأكيد مزاعمه باستعادة أموال سرقة القرن، كل ذلك يجعل من العراق يعيش مسرحية الحثالة الديمقراطية في العملية السياسية.
الميثاق| قلتم عندما يدير الصحافي ظهره للأفكار المبتكرة ويخضع لسيطرة العقل الحاكم ويترك مواهبه مُلْك الآخر فإنه سيجعل من الصحافة مقبرة لنفسه؛ كيف ذلك؟
كرم نعمة| معضلة الصحافة في العراق لا تقل خطرا عن المعضلة السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، وتلك المعضلة تؤلمني وتشغلني بقدر ما يشغلني فقدان الأمل والكرامات المهدورة في العراق، فالرثاثة السياسية في العراق المخطوف صنعت لها معادلا رثا في الموسيقى والفن والمسرح...، بينما تخلت الصحافة عن جوهرها عندما سيطر قطاع طرق القنوات الفضائية على صناعة الرأي وانهارت الصحافة المكتوبة وتراجعت صناعة الأفكار وصار المشهد ميدانيا لجيوش من الحمقى وفق تعبير الروائي الإيطالي أمبرتو أيكو، وقد انشغلت بهذا الميدان على مدار السنوات الماضية وجمعت كل ما كتبته في كتابي الأخير "السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي".
لقد ازداد باطراد عدد "الصحافيين" في العراق منذ عام 2003، وهو خبر لا ينم عن تعافي الصحافة في هذا البلد الذي يعاني من أزمة معايير، بقدر ما يمثل صورة مخيفة عن الانهيار، عندما تصبح الصحافة أسهل المهن في بلد يتم فيه فتح قناة فضائية أو صحيفة إلكترونية، كدكان بقالة لا يحتاج أكثر من رأس مال. أما الحديث عن معايير الدرس الأول للصحافي فذلك لا أهمية له بتاتا، فما بالك بالدروس الأكثر أهمية!
كذلك ساد "سوء التربية الإعلامية" واتخذ "المقدم التلفزيوني" من مشاهير التدوين على مواقع التواصل مثالا لإنتاج الهراء، بدلا من أن يرتدي ربطة عنقه احتراما لصناعة الأفكار وقواعد اللغة!
فتلك النماذج الهزيلة تمثل أفضل الطرق وأسهلها للسلطات الحكومية في كسر الصحافة العراقية، عندما تفقدها الجودة الأخلاقية وتترك إدارتها لمجموعة من المهرجين الذين يفتقدون إلى الكياسة والذكاء وصناعة الأفكار وبلا حماسة البحث عن الإجابات الأكثر طلبا من قبل المجتمع العراقي.
الميثاق| ما هي السبل لنهضة الإعلام الوطني المناهض للاحتلال ومشروعه السياسي أمام الهجمة التي تريد تغيب العقل الجمعي للشباب؟
كرم نعمة| ثمة كذبة كبيرة بهيئة مزحة اسمها "حرية الإعلام" بصفتها بندا مضمونا في تقاليد الدولة وجزءا من ديمقراطيتها. يصعب أن نجد مفهوم دولة في العراق كي نتحدث بعدها عن صحافة وفق حكمة الرجال الأقوياء الذين كتبوا الدستور الأميركي وفضلوا دولة بلا حكومة على دولة بلا صحافة، فحتى الذين يدافعون عن فكرة الدولة بشكل رسمي أمام وسائل الإعلام والضيوف الزائرين للعراق، يعجزون عن إيجاد مسوغ واحد أمام أنفسهم يجعلهم يصدقون وجود دولة منذ احتلال العراق عام 2003، يبدو أن هذا العجز سيبقى متصاعدا ومستمرا.
عندما كتبت قبل سنوات عن "مقبرة الصحافي العراقي" استعنت بشهادة ممن يعيش وسط الرثاثة الإعلامية في البلاد وهو يتهكم بقوله "لا تعتقد أن وابل الرصاص الذي يطلق علينا اليوم سواء عبر وسائل الإعلام أو عبر حمم الفضائيات يمكن أن يؤثر على ما يجري". قال دعني (أطمئنك) بأن أي محطة تلفزيونية تنتقد الحكومة والأحزاب الحاكمة وتزعم أنها ضد الفساد، لا تقوم إلا بعرض بضاعتها للبيع على الحكومة العراقية، كل هذا النقد الزائف مجرد عرض خدمات صحافية مدفوعة الأجر، وقد فهمت الحكومة الرسالة التلفزيونية التي مفادها "نقوم بمهاجمتكم كي تقوموا بعد ذلك بالإعلان لدينا لكي نبيض صفحتكم". كان يتحدث عن دكاكين تجارية باسم محطات فضائية افتتحت في العراق منذ عام 2003 تابعة لأحزاب طائفية وميليشيات وتجار سياسة ولصوص دولة. قال لي إن صديقك الصحافي المرموق (...) يحصل من الحكومة في المنطقة الخضراء على الملايين سنويا مقابل الخدمات الصحافية مدفوعة الأجر التي يقدمها في ترويج خطابها! دع عنك ما يحصل عليه من أضعاف هذا المبلغ من زعماء الأحزاب الأخرى.
فإذا كانت الصحافة بالعالم تعيش زمنا ليس عادلا بحقها فإنها في العراق تتحول إلى مجرد اسم بمضمون هش. لذلك من المهم بالنسبة إلى الصحافيين العراقيين وهم يخوضون معركة وجودية مع الطبقة الأولغارشية ولصوص الدولة، ومعركة أخرى موازية مع المهرجين وحثالة قطاع طرق القنوات الفضائية، أن يكونوا قادرين على تحديد وإعلان قيمهم وأهدافهم واستقلاليتهم، لتفنيد الصورة السائدة عن كون الصحافي العراقي مجرد أداة وتابع لرجال الطوائف والميليشيات وتجار السياسة الأغنياء الذين يديرون وسائل الإعلام من وراء الكواليس.
الميثاق| حرية الصحافة باعتبارها واحدة من أكبر حصون الحرية مصونة... هل سيتعرّض الصحفي للمساءلة القانونية في حال تجاوز قانون الصحافة الإلكترونية وممارسة نشاط الإعلام عبر الأنترنت بوصفه كـ "حرية التعبير"؟
كرم نعمة| "مصونة" مفردة افتراضية لا تخلو منها دساتير الدول عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير والصحافة جزء منها، لكن من قال إن الحكومة تقبل بتلك المفردة على حقيقتها؟ معركة الحكومات مع الصحافة لم تتراجع ولم تتردد في يوم ما عن كسرها، بما في ذلك الديمقراطية منها، عندما يتعلق الأمر بالصحافة في جدلية هذا السؤال، فإنه يعيدنا إلى العلاقة التاريخية ما بين السلطة والصحافة، التي بقيت علاقة ملتبسة، فحكومات العالم ليس محبًا وضامنا للحقيقة. فعندما نشرت صحيفة الغارديان وثائق تجسس السلطات الأميركية التي كشفها إدوارد سنودن، اتهم الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الصحافة بأنها تغذي القصص الإخبارية الحساسة من أجل الحصول على المزيد منها. رد رئيس تحرير الغارديان السابق آلان روسبريدغر بأن أوباما يسي فهم طبيعة الأخبار وهدفها، فالصحافة لا تتسول أخبار التجسس كما يعتقد بعض السياسيين.
على الجانب الآخر كيف لنا كصحافيين أن نجعل القانون بصفنا، بوصفه الجدار الأخير المحافظ على الحقيقة، ونستثمر تلك الحرية المفترض أنها مصونة.
أرى أن وضع الصحافة والقضاء في العراق كمثال يعطينا جزءا من الإجابة على هذا التساؤل، فالصحافي فرط بالدرس الأول من قيم الصحافة عندما كسر عن جهل وسوء معرفة درس "الصحافي لا يقول فعلت، بل بكل تواضعت سمعت وشاهدت" والقضاء تحول إلى أداة فاسدة بيد لصوص الدولة.