صحيفة الميثاق تحاور الأستاذ معاذ البدري (مسؤول قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق)
الميثاق| تسترت السلطة الحاكمة بالعراق على فضيحة التجسس في مكتب السوداني لماذا ومن المستفيد؟
البدري| هذا الملف المليء بفضائح التنصت والتجسس والتسريبات، يُعدُّ من الأمور المتجددة والمعتادة في المشهد السياسي في العراق، وهي لا تغيّر من الواقع شيئًا إلا ما كان داخليًا في سياق التحولات المصلحية بين أحزاب السلطة وقواها المتحكّمة، وفي إطار صرف الأنظار وإشغال الرأي العام الشعبي عن مراحل الفشل المتلاحقة التي جُبل عليها النظام السياسي.
إما لماذا؟ فلأن المنظومة السياسية القائمة على المحاصصة تقتضي أن تكون هناك ضغوطات متبادلة، وتهديدات مستمرة؛ في سبيل إرغام طرف ما على الرضوخ لمتطلبات طرف آخر، وعادة ما ينتهي هذا النوع من الصفقات وفق تفاهمات تُغلّق في ظلها الملفات وكأن شيئًا لم يكن.
وأمّا من المستفيد؟ فإن جميع أطراف اللعبة يحظى بفائدة بمن فيهم من يحسبه الرأي العام متضررًا، لكن هذه الفائدة تكون بنسب متفاوتة وفقًا للأهداف والغايات التي وقعت هذه الأمور لأجلها، وهي في المحصلة وسيلة مقصودة لإدامة حالة عدم التوازن والاضطراب واللا استقرار التي لا يستطيع النظام السياسي البقاء بمعزل عنها.
الميثاق| فضيحة من هذا المستوى في دول محترمة تسقط حكومات وانهيار سياسي إلا في العراق، بماذا تفسرون ذلك؟
البدري| الأصل في الموضوع أن المنظومة السياسية القائمة في العراق ملقاة في واقع شاذ وقالب أعوج، فهي لا تشبه النظم السياسية المعتبرة وفق منظور السياسة المعتاد في العالم، وليس ثمة مرجع محترم يمكن أن تُقارن به أو تقاس عليه، لذلك لا تؤثر عليها كثيرًا فضائح من هذا النوع التي لا ينبغي أن تقع في دول محترمة -إن وجدت- كما ينص السؤال.
فضلاً عن ذلك؛ فإن انهيار هذا النوع من المنظومات المُهجّنة لا يكون إلا بأحد طريقين: إرادة صُنّاعها أو المتحكمين بها حين تبلغ مرحلة انتهاء الصلاحية إذ نظرنا إليها من داخلها، أو عبر حراك شعبي وطني ذي مشروع موحد المنهج والأدوات يُسعفه جهد دولي وإقليمي يمنحه حماية قانونية وهو يبحث عن حقه الشرعي.
الميثاق| ما جرى في مكتب السوداني يوصف إنه أخطر من صفقة القرن لتداعياته على مجمل العملية السياسية، كيف؟
البدري| توصيف الخطورة في المشهد السياسي القائم في العراق ليس على نمط معيّن أو مستوى مخصوص بحيث يمكن التفاضل في ضوئه بين قضيتين أو أكثر، بل هو قائم على ما يُشبه وظيفة أو مهمة قد لا تكون بالحجم الذي يؤهلها لتكون خطيرة لكن توقيتها والظروف المحيطة بها تجعل منها حديث الساعة ومحل جدل، ومبررًا لجولة من الصراعات التي يُراد لها أن تكون مؤثرة.
(سرقة القرن) انتفع منها النظام ولم تشكل خطورة عليه، وهذه القضية أيضًا، مثلهما مثل التسريبات التي فضحت نوري المالكي من قبل ولم تؤثر شيئًا، لذلك فإن الخطورة والمخاوف التي ينبغي أن يُنظر إليها تتعلق بما يهدد العراق بلدًا وشعبًا، وهي حاصلة ابتداءً بوجود العملية السياسية واستمرارها ومخرجاتها.
الميثاق| هل تعتقد ان إجراءات السوداني بعد فضيحة التجسس في مكتبه كافية أم ستقيد ضد مجهول؟
البدري| ليست المشكلة في الإجراءات، فهي ليست بذات تأثير حقيقي بقدر ما تكون صورية غايتها ضخ الفوضى في الوسط الإعلامي من جهة، والبحث عن التسديد والمقاربة في إطار المحاصصة السياسية من جهة أخرى.
أمّا حكومة الاحتلال التاسعة فيظهر أنها غير مهتمة كثيرًا فيما إذا كانت القضية تُقيد ضد مجهول أو معلوم، فقد سبق أن تورط نوري المالكي –كما أشرت قبل قليل- بالتسريبات التي ذاع صيتها واشتهر أمرها ولم يتغير شيء في المعادلة ولا (توازنات) النظام، بل هو اليوم يقاتل ليفرض نفسه مجددًا ويكون رئيس وزراء مرة أخرى، وكما يقول العراقيون: بعين قوية لا حياء يردعه ولا قانون يمنعه.
الميثاق| هل ترجح أن الفضيحة محاولة من خصوم السوداني لإسقاطه سياسيًا؟
البدري| لا، هي أشبه بهجمة داخل مباراة الغاية منها منح قبضة (الإطار التنسيقي) المزيد من الإحكام والاستحواذ على القرار السياسي لحكومة الاحتلال التاسعة، وكأن فيها محاولة لترجيح كفة الرغبة الإيرانية على حساب الإرادة الأمريكية، وقد ظهر ذلك بوضوح في تصريحات (السوداني) لوكالة (بلومبيرغ) منتصف شهر أيلول الجاري بشأن عدم الحاجة لقوات (التحالف الدولي)، والتي ناقضها سريعًا بسعيه نحو حصول حكومته على شراكة أمنية مع الولايات المتحدة.
ومن منظور سياسي؛ السوداني -وهو خيار (الإطار التنسيقي)- مطلوب منه أن يكون أداة تنفيذية لأحزاب وميليشيات (الإطار)، فإذا حصل منه ما لا يتفق ورغباتها أو اتخذ طريقًا يُظن أنه يتقاطع مع الطموح الإيراني؛ تشرع من فورها لممارسة ضغوط متعددة المستويات، وهذه القضية جزء من ذلك.
الميثاق| ولكن هناك من يعتقد أن عملية التجسس في مكتب السوداني جرى التنسيق بصددها مع جهات سياسية تمتلك ميليشيات مسلحة هل أنت مع هذا الرأي؟
البدري| أيًا كانت الطريقة التي تمت بها فإن النتيجة واحدة، الرسالة صريحة وواضحة: على (السوداني) أن يكون بارًا بـ (الإطار التنسيقي) الذي نصّبه، وبخلاف ذلك فإن طرق ووسائل سلب الامتيازات التي حظي بها كثيرة ومتعددة.
لقد بات واضحًا لكل من يرصد أو يحلل المشهد العراقي؛ أن النظام القائم فيه اليوم هو أنموذج للنمط الديكتاتوري الذي يؤطر فكر ومنهج أحزاب السلطة ولا سيما قوى (الإطار)، وإذا حاول (السوداني) -بحكم صلاحياته ومنصبه كونه رئيس وزراء- أن يتصرف على غير ما يهوى (الإطار)، فإن معالجة الأنظمة الدكتاتورية لهذا النوع من الخروج عن المسار لا تكون بأسلوب رحيم أبدًا.
الميثاق| بتقديرك من يقف وراء فضيحة صفقة القرن وكشف أسرارها ومن المستفيد من مغانمها؟
البدري| نحن هنا نتحدث عن منظومة سياسية أجزاؤها مرتبطة بأواصر مصلحية خالصة، هذه الأواصر في مرحلة ما تحكم بأحكامها في أن يكون التغاضي عن فساد أحد أطراف اللعبة هو سيد الموقف لأن مصلحة الجميع تقتضي ذلك، فإذا ما دشن النظام مرحلة جديدة وباتت بعض الأحمال ثقيلة للغاية وتحُول دون صعود منطاد السلطة وجب التخلص مما لا نفع فيه مستقبلاً.
هذا من حيث العموم في تصور المشهد، لكن (سرقة القرن) على وجه الخصوص تضاف لها خصائص أخرى، بالنظر للحجم الهائل من الأموال التي تم الاستيلاء عليها، والتي لا مفر من المساءلة بشأنها إن كان في منظور قريب أو بعيد لما فيها من فضائح تطيح بالكبار قبل أن تسحق الصغار، فجاءت مسرحية الكشف عنها وتحميل بضعة أشخاص مسؤوليتها الكاملة أشبه بمخرج مؤقت يمنح الفرصة لكبار اللاعبين في ترتيب الأوضاع وتنسيقها ولو لبعض الوقت.
الميثاق| هل تعتقد أن قوات الاحتلال الأمريكي ستنسحب من العراق نهاية العام المقبل كما قررت اللجنة الأمريكية العراقية مؤخرا؟
البدري| لا توجد سيناريوهات تشير إلى ذلك، ولا مصلحة الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة تقتضي الخروج، فالأمريكيون أنفسهم صرّحوا بذلك قديمًا وحديثًا، أما في القِدم فقد قالوا أكثر من مرة إنهم لم يأتوا إلى العراق ليخرجوا، فمصالح الولايات المتحدة في المنطقة تقتضي وجود أرضية دائمة للانطلاق نحو إحكام السيطرة على الإقليم، والعراق هو البيئة (المثالية) لذلك من وجهة نظر واشنطن، لأسباب وعوامل عديدة، ولعل حالة التخادم القائمة حاليًا مع إيران بوصفها أحد طرفي الاحتلال المزدوج؛ مما يعزز ذلك.
وأما حديثًا فقد رصدنا في قسم الإعلام تصريحات مسؤولين لشبكة (ABC) الأمريكية بأن الاتفاق الذي أُعلن عنه مؤخرًا والمتعلق بـ(إنهاء مهمة التحالف الدولي) لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من العراق، بل الانتقال إلى ما أسموه علاقة عسكرية (أمريكية – عراقية) جديدة منفصلة عن التحالف.
ثم لا ينبغي أن ننسى؛ أن حكومة الاحتلال الرابعة برئاسة (نوري المالكي) كانت قد وقعت على اتفاقية الإذعان (الاتفاقية الأمنية) -التي تُسَيَّرُ المرحلةُ الحالية في ضوئها، وليس ثمة مدى تأريخي أو مرحلي لإبطالها-؛ قد نصت على اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات دبلوماسية أو اقتصادية أو عسكرية أو أي إجراء آخر، للتعامل مع التهديدات الناشئة عن خطر خارجي أو داخلي تجاه العراق ولا سيما إذا كان هذا التهديد يطال ما أسمته (نظامه الديمقراطي أو مؤسساته المنتخبة)، وفي ظل التطورات التي تشهدها المنطقة والإقليم حاليًا، فإن مؤشرات أو مزاعم الانسحاب لا تصمد البتة أمام الواقع وحقائقه المشاهَدة.
الميثاق| يطلق على القوى السنية المشاركة بالعملية السياسية بسنة إيران، كيف تقرأ هذا التوصيف، ولمصلحة من؟
البدري| الحقيقة؛ إدراج مصطلح (السنّة) في هذا التوصيف هو مشكلة بحد ذاته، لأن مستنقع العملية السياسية غير جدير بأن يُقحم فيه هذا المصطلح الذي يُعبّر عن الأمة وسوادها الأعظم.
ونحن في أدبياتنا لا نستعمل جملة (السياسيين السنة) إلا في سياق التعريف والبيان، أو لتخصيص فئة معينة من الطبقة السياسية لتسليط الضوء والنقد على فعل أو موقف أو أداء؛ وإلا فإن المنخرطين في العملية السياسية جميعهم في خانة واحدة لكونهم أدوات المشروع السياسي للاحتلال، ولا يتمايز قسم منهم على آخر إلا بما تقتضيه سياقات المحاصصة التي رضوا بها جميعًا.
ومَن يعنيهم السؤال جزء من كل، لكنه الجزء الخاسر في جميع الأحوال سواء في داخل المنظومة كونهم الحلقة الأضعف فيها والفئة التي تدفع الثمن غالبًا في حال الخصام السياسي، أو في خارجها كونهم لم يحققوا من مشاركتهم شيئًا يتجاوز حدود شهادة الزور في المصادقة على (شرعية) موهومة للنظام السياسي تحت مظلة الاحتلال.
وهؤلاء السياسيون على اختلاف أطيافهم ومزاعم تمثيلهم لمكونات المجتمع العراقي؛ لا ينفك توصيفهم عن الولاء لطهران والانقياد لواشنطن أو العكس؛ بموجب حالة الاحتلال المزدوج وما تقتضيه سياسة التخادم بين قطبيه.
الميثاق| هل نحن أمام مشهد ينبأ بتخلي النظام الإيراني عن أدواته وميليشياتها؟
البدري| الحالة العراقية على مدى عقدين من الزمن، هي الأنموذج المصغّر للحالة الإقليمية التي يريد الغرب بقيادة الولايات المتحدة الوصول إليها، وكما جرت العادة؛ فإن استبدال الأدوات لا التخلي عنها، وإجراء مناورات تبادل المواقع وتغيير الوجوه؛ وسيلة تفرضها متطلبات المرحلة، وقد أفادت التجارب التي عايشناها في ظل سنوات الاحتلال في العراق بأن المشروع الطائفي الذي تقوده طهران بعين رضا أمريكية؛ يقوم على منهج ومسارات لا على نوعية أشخاص ولا طبيعة أدوات، مما يعني أن إيران لو فكرت في أن وسائلها الحالية لم تعد مُجدية أو باتت مستهلكة وغير فعّالة؛ فإنها تجهز غيرها لاستكمال مشروعها ولا تسأل عنها، وفي ظل تغيرات المشهد ومقتضيات التخادم المرحلية لا تتردد طهران في (التضحية) بأي أحد مهما علا شأنه أو قوي تأثيره، إنما المهم عندها بقاء مشروعها حيًا من جهة، واستمرار حالة (العداء) مع المحور الأمريكي من جهة أخرى، على سبيل التظاهر المفضي إلى مكاسب يجنيها الطرفان.
الميثاق| ولكن التخادم الأمريكي الصهيوني الإيراني في التعاطي مع ما يجري من أحداث هو من تسعى إيران لبلورته حفاظاً على نظامها؟
البدري| الناظر إلى المشهد في عمومه يستطيع تلخيص واقع الحال في تشبيهه بصفقة بين شركاء يبغي كل طرف منهم الحصول على القدر الأكبر من المكاسب والمحافظة على المصالح؛ وطبيعة الحال فإن نسبة كل شريك لا تساوي نسبة أو حصة نظيره، بل كلٌّ حسب رأس ماله، ولأجل هذا لا تنتهي المماحكات ولا المشاكسات بين أطراف اللعبة، لأن كل طرف يريد تعزيز مكاسبه، وصاحب الحصة الأقل يرغب بتكثيرها على حساب شريكه، والشريك الأغنى لا يرضى أن ينزل إلى مستوى شريكه الأضعف، وهكذا..!
نحن في هيئة علماء المسلمين في العراق عبّرنا عن لمحة من هذا الواقع في القراءة الأخيرة التي أجراها القسم السياسي بشأن تطورات الأحداث في لبنان، وقبل أيام قليلة من مقتل (حسن نصر الله) ومجموعة من قيادات (حزب الله)، وقلنا: إن التابع مجبور على تحمّل ما تتطلبه مصالح المتبوع، وفي الحالة هذه ولا سيما في الساحة العراقية، فإن المحور الإيراني وهو الشريك الرئيس للمحور الأمريكي، هو التابع الذي تُجبره مصالحه ومقاصده على القبول بتقديم التنازلات وإن كانت باهظة الثمن لشريكه الذي يستطيع في أي وقت أن يُنهي هذه الشراكة، بيد أن احتياجاته من المنطقة لم تنتهِ بعد ولا تنتهي في منظور قريب، ولأجل ذلك يفرض المحور الأمريكي مكابح إجبارية تُلزم المحور الإيراني بالامتثال عند الحدود المتفق عليها، فإذا ما تجاوزها وأصر على عناده من باب المشاغبات، تأتي المطبات الأمريكية بقسوة وغلظة بحيث لا مسامحة فيها ولا مراعاة للشراكة.
ولعل ما يوضح هذه المعاني ما نرصده اليوم من إصرار المحور الإيراني على اتباع (قواعد الاشتباك) وعدم الخروج عنها رغم حجم الضرر وفداحة الخسائر التي تلحقه، مقابل التجاوز الكبير والخطير الذي يمارسه المحور الأمريكي ووجه الثاني الصهيوني لهذه القواعد دون أن يكون للأول حيلة للتعامل بالمثل؛ وهو ممّا يصادق على سطوة المتبوع المتحكم وانصياع التابع المنفذ! ولنا في تصريح الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) مثال صريح، حيث قال مؤخرًا لوكالة (إسوشيتد بريس): إن وعود قادة أمريكا وأوروبا بوقف إطلاق النار مقابل عدم رد إيران على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (إسماعيل هنية)؛ كانت محض أكاذيب!
الميثاق| هل أنت مع الرأي القائل إن التخادم الأمريكي الإيراني يهدف إلى تقسيم المنطقة وإعادة رسم خارطة جديدة للأوضاع فيها؟
البدري| هذا أحد أهداف الولايات المتحدة التي أسست لأجلها سياسة التخادم.
الجميع يدرك؛ أن إيران تقدم خدمات جزيلة للمشاريع الاحتلالية في المنطقة، وليس هذا حديث عهد أو وليد الساعة، بل متأصل ومتجذر منذ عقود، ومن يراجع أرشيف قضايا الأمة يجد تصريحات إيرانية رسمية بهذا الخصوص، بأنه لولا إيران لما تمكنت أمريكا من احتلال أفغانستان ومن ثم العراق، وبمقابل ذلك لم تنكر الولايات المتحدة في يوم ما ذلك، والسكوت في معرض البيان إقرار.
بل توجد شهادات موثقة على ذلك؛ على غرار ما جاء في إحدى مذكرات (زلماي خليل زاده) الذي قال: إن الولايات المتحدة عقدت اتفاقًا مع إيران قبل غزو واحتلال العراق عبر ممثلها لدى الأمم المتحدة آنذاك (جواد ظريف) والذي تعهّد على لسان طهران بعدم اعتراض إيران للطائرات الأمريكية في حال دخلت الأجواء الإيرانية أثناء الحرب!
وفي ضوء ما شهده التأريخ القريب ويشهده الواقع المعاصر؛ تعمل سياسة التخادم اليوم في اتجاهين متوازيين؛ أحدهما: في الحالات الراهنة في العراق وسورية والقضية الفلسطينية ومتعلقاتها في اليمن وغيره بما يبقي الأزمات قائمة سعيًا للمزيد من الفوضى والاضطراب الذين يمهدان لتمكين مشاريع استراتيجية أمريكية خاصة وغربية عامة في المنطقة، والآخر: في حالات وسيناريوهات متوقعة، تحاول الولايات المتحدة فيها أن تجعل من إيران أشبه بالغول الذي يهدد دولاً أخرى ويسعى لاجتياحها مما يُلزم أنظمتها بالانحياز إلى جانب الولايات المتحدة، ثم الانصياع التام لما يتطلبه مشروعها. وعند هذه النقطة تتضح بعض مقاصد التخادم.
الميثاق| كيف تفسر انهيار منظومة الأمن ومقتل قادة حزب الله إسرائيلياً؟
البدري| ثمة نظرية متداولة في الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء في عالمنا الإسلامي من شأنها أن تتحول إلى قاعدة معتبرة، تقوم على مقولة: (الملتحف بـإيران عريان، والمتكئ على طهران خسران)، و(حزب الله) ليس فقط بوصفه جزءًا من المحور الإيراني، بل لأنه أداة تنفيذية لراغبات هذا المحور أكثر من أي طرف آخر؛ بات منصة للخطاب الإيراني المبستر أمام جبهة العدو، والمنمق المفعم بالعاطفة في أنظار شريحة من الرأي العام العربي والإسلامي.
(حزب الله) في حقيقته وإن كان ذا طابع (إيديولوجي) إلا أنه تنظيم مجرد عن الإرادة المستقلة، بحيث يعتمد بكلّه على إيران حتى في قراراته وخطاباته وإدارة الميدان، بمعنى أنه لم تكن له شخصية تقوّيه تنظيميًا أو تسنده ميدانيًا، ولما كانت إيران مرتهنة بالتخادم وساعية إلى مصالحها دون نظر أو اهتمام لأي من أدواتها حين تتعطل؛ فقد ظهرت حقيقة الحزب في الاختبار الحقيقي الأول في أتون الاستهتار والعربدة الصهيونية التي كما قلنا منذ حين لا تقف عند حد (قواعد الاشتباك) حتى لو كانت الولايات المتحدة هي الآمر الناهي فيها.
ومن جملة ما رصدناه في قسم الإعلام أن مصادر معرفة موعد ومكان الاجتماع الذي قتل فيه (حسن نصر الله) كانت إيرانية، وللراصد أن يطلق العنان لتفكيره إلى أي درجة وصل اختراق الحزب أمنيًا بحيث مضى على معركة طوفان الأقصى سنة كاملة، ولم تفلح (إسرائيل) في تحقيق أهدافها التي أعلنتها تجاه المقاومة الفلسطينية في غزة رغم حرب الإبادة والعدوان المستمر على مدار الساعة، بينما في غضون أيام معدودة تمت تصفية قيادات (حزب الله) ونخبه في عقر داره؟!
الميثاق| التصريحات الإيرانية تبدو باردة وباهتة جداً وتناغم الأمريكان، بينما حزب الله ينزف وينهار ويتحول إلى بطة عرجاء مثيرة للشفقة، برأيكم ما السبب؟
البدري| هذا هو المعتاد، منذ مقتل (سليماني) ومرورًا بمصرع (رئيسي)، واغتيال (إسماعيل هنية) تقبله الله، وليس انتهاءً بأزمة (حزب الله) ومقتل أمينه العام؛ وما قبل ذلك وما سيأتي بعده؛ لا تستطيع إيران تجاوز حدها في التعبير عن موقف سديد أو رأي من شأنه فرض قوة أو رأي في الوسط؛ فـ(قواعد الاشتباك) مُلزمة إيران وغير مُلزمة للطرف الأخر أمريكيًا كان أم (إسرائيليًا)، والواقع يصادق على ذلك، فضلاً عن إقرار أتباع إيران به، ومنهم زعيم ميليشيا (العصائب) الذي قال قبل شهور خلت: إن "فصائل الحشد حين تقصف قواعد ومقرات أمريكية في العراق أو سوريا لا يُخلّف فعلُها هذا قتلى أمريكيين، لكن الولايات المتحدة حين تقصف مقرات الحشد فإنها توقع خسائر بشرية"، وهذا مما أثار غضبه في ذلك الحين!
وهنا لا بُدَّ أن تنتعش ذاكرة الرأي العام بما أقرَّ به الرئيس السابق للولايات المتحدة (دونالد ترامب) حينما كشف عن حقيقة الرد الإيراني واستهداف المصالح الأمريكية وكيف أن الإيرانيين يستأذنون الأمريكيين للقيام بفعاليات معينة تُبقي حالة الصراع الافتراضي قائمة في حس الجماهير أو في ساحات الرأي العام.
الميثاق| أين تتجه بوصلة الأحداث في غزة ولبنان، وكيف تفسر الموقف العربي الغائب عن المشهد السياسي؟
البدري| بطبيعة الحال معادلة المشهد متعلقة بمعركة طوفان الأقصى ومركزه قطاع غزة، وكل جبهة أخرى مع العدو الصهيوني في الظرف الحالي وإن اتخذت هالة واسعة المدى فهي مرتبطة بذلك، والبوصلة يحدد اتجاهها أمران بينهما علاقة عكسية، أحدهما: أهداف العدوان ومديات تحقيقها في الساحة الفلسطينية ولا سيما في القطاع والقدس حيث المسجد الأقصى المبارك، والآخر: حالة المقاومة من حيث صمودها وفاعليتها وعملياتها النوعية، ومن ثم تقدمها في الميدان.
والأمر الثاني هو العامل الحاسم حتى اليوم، بالنظر إلى عدم تحقيق الاحتلال أهدافه التي أعلنها من المنظور الإستراتيجي، مقابل استمرار المقاومة وثقلها في ساحة غزة، أمّا ما حققه العدو في الساحة اللبنانية على سبيل المثال، فهو لا يشكل عامل حسم؛ لسببين اثنين، الأول منهما: أن مركز الثقل محلّه غزة ومقاومتها، فهي الأصل وبقية الجبهات التي يشخصها العدو حاليًا إن لم تكن مجرد انعكاس مقترن بمصالح ومسارات سياسية مخصوصة، فهي رد فعل مخصوص ومحدد على أقل تقدير، وفي ضوء هذا السبب فإن العدو لم ينجز شيئًا يمكنه التعويل عليه في المصادقة على اتجاه البوصلة أو الجزم بما يسعى إليه من أهداف إقليمية، والسبب الثاني: أن ما فعلته (إسرائيل) تجاه (حزب الله) لا يمكن بيان علّته على وجه الجزم بأنه جزء من الصراع بين العدو الصهيوني والأمّة؛ لأن الخلاف كبير في توصيف الحالة، فمثلما يظن بعض الناس أن (حزب الله) عدو لـ(إسرائيل) بناءً على ظواهر الأحداث، فإن السواد الأعظم من الأمّة يشخّص حالة التخادم بينهما بناءً على آثارها في الميدان والواقع الملموس.
أمّا ما يتعلق بـ (غياب الموقف العربي)؛ فلا بد في هذا المقام من تحرير بعض المصطلحات؛ فإن مستقبل المنطقة والإقليم لا تنحصر مسؤوليته بالعرب وحدهم، بل بالأمّة الإسلامية كلّها، فضلاً عن ذلك لا ينبغي أن يتم التعاطي في بيان مسؤولية الأمة بناءً على تصنيف القضايا من الناحية القطرية، أو تمييز واحدة على حساب أخرى، فإن في المفاضلة بين قضايا الأمّة من هاتين الزاويتين ومنح أحدها أولوية على حساب الأخريات؛ مظنة فرقة تمنح العدو قدم سبق في الميدان.
ثم لا بُدَّ من التفريق بين المواقف وأصحابها ومتبنياتها؛ فغيابها المقصود في السؤال متعلق بالنظام الرسمي -الذي يتردد ما بين غائب ومتواطيء ومطبع- لا بالسواد الأعظم من الأمّة -الذي لا ينفك عن التعلق بقضاياه والعمل لأجلها وبذل الوسع ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وقوة بواسطة النخب والعلماء والناشطين والمؤثرين والجماهير-، وهذه مسألة دقيقة ومهمة في تحميل المسؤوليات ومحاسبة المقصرين.