بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
في أواخر عام 2021 وبينما كان العراقيون يتطلعون إلى تشكيل حكومة جديدة تتصدى للفساد الذي أوصل الدولة إلى حافة الانهيار، وحين كانت أكبر جبهتين سياسيتين تتصارعان لنحو عام على تشكيل حكومة أغلبية كما أرادها التيار الصدري أو توافقية كما سعى إليها الإطار التنسيقي، كان مسؤولون كبار يعملون على إتمام أكبر عملية سرقة للمال العام في تاريخ العراق.
الجريمة المنظمة التي التهمت خلال أقل من سنة مبلغ 2.5 مليار دولار من الهيئة العامة للضرائب، وقعت حين كان العراقيون يعتصمون ويتظاهرون للمطالبة بالإصلاح وإنهاء الفساد وحكومات محاصصة المغانم في بلد ربع سكانه يعيشون تحت خط الفقر والتهميش، وينتظرون تحسين أوضاعهم المعيشية وتطوير الخدمات بالاستفادة من الوفرة المالية التي أمنها ارتفاع أسعار النفط.
ترتبط تحديات الفساد في العراق ارتباطا وثيقا بالتقلبات السياسية التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003، والتسويات السياسية؛ فبينما كان النظام السابق ما يزال في السلطة، تقاسمت ما تسمى "المعارضة العراقية" المنفية، نظام الحكم لعراق ما بعد البعث. وتبنت الولايات المتحدة هذه الفكرة، وبدلا من وجود نظام حكم شامل سيادي ديمقراطي بالمعنى الحقيقي، عزز اتفاق تقاسم السلطة حكم النخبة، وافتقر إلى المساءلة والشفافية، وأصبح عقبة أمام عملية التحول. وفضيحة سرقة 2.5 مليار دولار من أموال الضرائب، رغم أنها تهز أي حكومة في العالم، إلا أنها مرت وستمر وكأن شيئا لم يسرق.
وإذا استعرضنا ملف [فرهود] وهو مصطلح شعبي يشير على اتساع تفشي السرقة، فملفات الفساد في العراق لها بداية ولا نهاية لها، فالأحزاب الحاكمة نهب العراق بشكل ممنهج طيلة 19 عامًا الماضية، من خلال المشاريع الوهمية والفضائيين، والرشاوى والعمولات، والمشاريع الوهمية وسرقة فائض الميزانية السنوية.
بل إن الفساد ضرب جميع مفاصل الدولة بلا استثناء ابتداءً من السلطات التشريعية التي تراقب عمل الحكومة، مرورا بالهيئات المختصة بمراقبة الفساد ومحاسبته، اللتان أصبحتا جزء أساسيا من عملية امتصاص ونهب واردات العراق، تتقاسمان موازنة وعقد أو مشروع إحدى الوزارات أو المحافظات.
وبالرجوع للذاكرة إلى الوراء قليل سنجد أن أمريكا من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1483 بإنشاء صندوق تنمية للعراق استولت على 20 مليار دولار من الأصول العراقية، والأموال المتبقية في برنامج الأمم المتحدة النفط مقابل الغذاء، ووجدت مراجعة أجرتها شركة KPMG ومفتش عام خاص أن نسبة كبيرة من تلك الأموال قد سرقت أو اختلسها مسؤولون أمريكيون وعراقيون.
بول بريمر، رئيس سلطة الاحتلال، احتفظ بنفسه بصندوق قيمته 600 مليون دولار دون أي أوراق تخصّ الصندوق أو مصاريفه، كما ضاعف ضابط بالجيش الأمريكي سعر عقد إعادة بناء مستشفى، وأخبر مدير المستشفى أن الأموال الإضافية هي حزمة التقاعد.
دُفع لمقاول أمريكي 60 مليون دولار على عقد قيمته 20 مليون دولار لإعادة بناء مصنع للأسمنت، وقال للمسؤولين العراقيين إنهم يجب أن يكونوا ممتنين لأن الولايات المتحدة أنقذتهم من صدّام حسين.
فرض أحد مقاولي خطوط الأنابيب في الولايات المتحدة مبلغ 3.4 ملايين دولار مقابل أجور عمّال غير موجودين ورسوم أخرى غير مناسبة.
بالمحصلة، من بين 198 عقدا راجعها المفتش العام فيما يخص ملف إعادة الإعمار لم يكن هناك سوى 44 عقدًا بوثائق لتأكيد إنجاز العمل.
ولم ينته الفساد بتسليم ما تسمى "السيادة" للعراقيين، بل بدأت الأحزاب الحاكمة بموجة فساد جشعة سرقت ثروات البلاد ودمرت اقتصاده، وكان السبب الأساسي هو أن نظام الحكم مبني على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، وتقسيم المناصب والثروات بينهم، بل إن نظام المحاصصة شمل حتى المنتسبين للجيش والشرطة والقضاء، والموظفين والتعيينات. ولم يقتصر الفساد على ذلك بل إن السياسات التي تتبعها الحكومات هي ذاتها غارقة بالفساد وتدمير الاقتصاد المتعمد، من خلال الاعتماد ميزانية الدولة على النفط حصرا، ومنع إنشاء القطاع الخاص أو استثمار الثروات الزراعية والصناعية وغيرها، حتى أصبح عدد الموظفين في العراق يقرب من 7 مليون موظف حكومي في ظل غياب فرص عمل وانتشار البطالة التي تجاوزن نصف سكان العراق. هذه السياسيات الاقتصادية خلقت مشكلة مزدوجة للعراق، فكل حزب أصبح يدير وزارة أو مؤسسة ليستخدمها لتوظيف الموالين له، وبهذه الطريقة وجد العراقيون أنفسهم يعتمدون على الحكومة لكسب العيش، إما بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية، وإما بشكل غير مباشر من خلال العقود أو توفير السلع والخدمات لمن هم في كشوف المرتبات الحكومية.
في دراسة حديثة لمعهد تشاتام هاوس البريطاني تشير إلى فقدان العراق 551 مليار دولار ما بين فترة 2006-2014 فقط.
ويتصدر العراق لائحة مؤشر الفساد العالمية، وقد أعلنت هيئة النزاهة عن تورُّط 11 ألفا و605 مسؤولا بالفساد، بينهم 54 وزيرًا وُجّهت إليهم 15 ألفًا و290 تهمة خلال العام 2021 وحده؛ وهيئة النزاهة هي أيضا متهمة بالفساد، مع أنها المفترض أن تكون مستقلة لا تخضع لرقابة الحكومة، لكنها مشكّلة بالكامل من أعضاء ترشِّحهم أو توافق عليهم الأحزاب السياسية المتهمة أساسا بالفساد. بمعنى أننا ندور بحلقة كاملة من الفساد.
أما المنافذ الحدودية فهي من أغرب قصص السرقة في عراق ما بعد 2003، حيث يملك العراق 11 منفذا حدوديًّا يتعامل بها تجاريّا مع 130 دولة، وتتراوح واردات العراق من المنافذ بين 5 و10 مليارات دولار سنويا. و10 منافذ تقع خارج سلطة الحكومة، وتسيطر عليها مكاتب اقتصادية تتبع للميليشيات بشكل كامل ولا تدخل واردات هذه المنافذ للخزينة العراقية إلا بنسبة 5%، فضلا عن ممارسة التهريب الذي ترعاه الميليشيات وأحزاب السلطة، ورسميا تعتبر خارج سلطة الحكومات.
لكن الفضيحة الأكبر من ذلك أنه رغم الجيوش الجرارة وأعداد الميليشيات الكبيرة وعتادها المتطور؛ فإن بضعة مئات من عناصر "داعش" استطاعوا أن هزيمة ما يقارب من 60 ألف جندي مكلفين بحماية مدينة الموصل، وفيهم فرق مدرّعة بأسلحة أمريكية كلّفت الدولة مليارات الدولارات دون قتال تقريبًا؛ ليتبين أن الفساد ضارب بقوة في المؤسسة العسكرية، وأن عشرات الآلاف من الفضائيين مسجلين في صفوف القوات الأمنية، ليعترف بعد ذلك حيدر العبادي، رئيس حكومة ما بين 2014_2018 إن القوات الأمنية تضمّ 50 ألف فضائي، تدفع الدولة رواتب وتجهيزات دون أن يكون لهم وجود على أرض الواقع.
الفساد ينخر كل مؤسسات ودوائر الدولة؛ وتسبب بنتائج وخيمة على كل الأصعدة، الفساد في القطاع الصحي ساهم في كوارث على المجتمع، بل إنه تسبب بتقليل معدّل أعمار المواطنين المتوقعة لتكون الأدنى في العالم بحسب بعض الدراسات الحديثة، وأسرة المستشفيات أصبحت مكانا لحرق المرضى، وقطاع التعليم ساهم في نشر الأمية.. وهكذا لعب الفساد دورًا مدمِّرًا في كل القطاعات.
ظاهرة الفضائيين أحد أبرز أوجه الفساد في العراق فيوجد ما 250-300 ألف موظف فضائي ضمن هيكل الدولة في العراق البيروقراطي وتذهب رواتبهم ومخصصاتهم إلى جيوب الفاسدين، وقدر اقر بذلك بعض المسؤولين من أن 20% من رواتب الموظفين التي تبلغ حوالي 40-45 مليار دولار يخسرها العراق لصالح منظومة الفساد السياسي.
من الناحية الأيديولوجية، التنافس للسيطرة على السلطة من قبل مجموعة من السياسيين الفاسدين المدعومين بقوة السلاح الأمريكي، والادعاء أنهم يمثلون مختلف الجماعات العرقية والدينية للمجتمع العراقي؛ هذه الفرية وفّرت لهم حماية ضمنية باعتبار أن مهاجمتهم تعني تهميش طائفة أو مكون في البلاد.
الطبقة السياسية منذ 2003 هم حيتان الفساد وهم المسؤولون عن الفساد في البلاد، وحتى تحين لحظة التغيير سيظل العراق رهينة دوامة لا تنتهي من الفساد وهدر المال العام، دوامة يظل فيها المواطنون بين أمرين: الثورة على النظام الفاسد ومواجهة رصاص يدفعون ثمنه.. أو حياة صعبة يدفعون ثمن الفقر فيها من صحتهم ومن أعمارهم ومستقبل أبنائهم.