أ.د. عبدالسلام الطائي (أستاذ علم الاجتماع - ستوكهولم)
- تسليط عدسات الكاميرا على الزيارة لخطف الأنظار عن جرائم إسرائيل بغزة!
- لحرب بين أمريكا وايران وإسرائيل، استعدادات وقائية للردع كي لا تقع الحرب!
- الصراع بين ايران وإسرائيل وأمريكا قنبلة صوتية وصراع تنافسي ليس عدائي!
- الاختلاف بين ايران وإسرائيل اختلاف بالصوت على الفضائيات فقط!
- والمتغطي بأمريكا وايران عريان!.
شكلت الضربات (الانتقامية) لواشنطن، ضد الحشد الشيعبي في العراق وتجاه ميليشيات مسلحة أخرى بسوريا ولبنان وبعض الثكنات الغاوية بإيران، التي تمت وفقا لقواعد الاشتباك المتفق عليه. لذلك كانت ضربات شكلية موضعية لا تؤدي إلى تغيير النظام كما حصل في العراق 2003، ولا الى تغيير أداء وسلوك تلك الميليشيات. وعلى رغم من اغتيال بعض قيادات بارزة في تلك الفصائل. ولا يفوتنا أن ننوه، بأن من أهم المسوغات التي دفعت الميليشيات الولائية للضغط على السوداني لزيارة واشنطن، ألا وهي تسليط عدسات الكاميرا على الزيارة، لخطف الأنظار عما ترتكبه إسرائيل وحليفتها أمريكا بغزة ، كما تركت ايران الشعب الفلسطيني وحيدا في المعركة. ما تجدر الإشارة إليه، فقد سلطت الكاميرا ت عدساتها أيضا على زيارة السوداني الى واشنطن، زاعمة بأنه سيطالب بإخراج القوات الأمريكية وقوات التحالف.
ولكن يبقى التساؤل المطروح، بشأن إلغاء أو تفعيل الاتفاقية الأمنية (اتفاقية الإطار الاستراتيجي) لعام ٢٠٠٨ بين العراق وأمريكا معيارا لنجاح أو فشل زيارة السوداني . نظرا لكون إلغاء هذه الاتفاقية كان مطلبا رئيسيا وجوهريا من مطالب "الإطار التنسيقي". توجب على السوداني تحقيقه لإرضاء "الإطار التنسيقي". وهو أمر إستراتيجي يعد أيضا واحدا من أهم أهداف أمريكا في العراق.
آخذين بعين الاعتبار، إن الإدارة الأمريكية تعلم علم اليقين بأن حكومة السوداني، حكومة ميليشيات. لابد من التأكيد ، أن الزيارة كان أمامها ملفان متناقضان يعبران عن إستراتيجيتان لصراع المصالح التنافسي غير العدائي بينهما. فالملف الأمريكي بجدول زيارة السوداني، تضمن ثلاث بنود ألا وهي: "الأمن والدولار وإيران". ويشكل ملف الأمن أهمية قصوى لأمريكا لكون لعراق يعتبر حاليا منطقة نفوذ أمريكي. فضلا عن ذلك، تضمن محظر الاجتماع معضلة حصر السلاح بيد الدولة لا حصر الدولة بيد السلاح الميليشياوي الموالي إلى الإيراني . أما بشان الملف المالي، فقد طالبت إدارة بايدن حكومة السوداني بالسيطرة على حركة الدولار، ووضع حد لغسيل الأموال وتهريب الدولار إلى إيران لتمويل الإرهاب. كما ترى إدارة بايدن بوجوب الاعتماد الذاتي للعراق لإنتاج الطاقة الكهربائية والغاز دون الاعتماد على إيران، لكون ذلك يعد محاولة التفاف لإفشال قرار معاقبة إيران من قبل أمريكا.
حقيبة السوادني من جانبها، حملت في جعبتها ملف، انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف، وهو مطلب رئيسي من مطالب "الإطار التنسيقي"، يوجب على السوداني تحقيقه لإرضاء الإطار التنسيقي". والملف الثاني، يتعلق بعقوبات أمريكا على بعض المصارف الأهلية الصادر من قبل الخزانة الأمريكية، بسبب تورطها بتهريب الدولار إلى إيران والى فصائلها المسلحة في سوريا ولبنان واليمن فضلا عن الديون المترتبة على العراق . ناهيكم عما تضمنته حقيبة بايدن لمواجهة السوداني بها، من قضايا إقليمية ودولية تتعلق بدعم حماس وغزو روسيا لأوكرانيا . علاوة على موضوع الخلاف مع أربيل، حول تصدير النفط والرواتب وغيرها. من قراءتنا واستقرائنا للبيان الختامي الذي أصدره البيت الأبيض بعد انتهاء زيارة السوداني، نجده قد أشار فقط إلى "القضايا التي تتصدر الاهتمام الأميركي، مثل مكافحة "داعش" ومناقشة "الإصلاحات المالية العراقية لدعم التنمية الاقتصادية والتقدم نحو استقلال البلد في مجال الطاقة". وهذا دليل واضح على فشل الزيارة، لان البيان لم يتضمن أي مطلب من مطالب الاطار التنسيقي التي حملها للسوداني لا في مجال إلغاء أو انسحاب القوات الأمريكية والتحالف، ولا رفع العقوبات على المصارف الأهلية العراقية الموالية لإيران ولا غيرها.
في ضوء ذلك، لا مناص من القول، إن زيارة السوداني إلى واشنطن تعد إجراء بروتوكولي، قام به رؤساء الحكومات السابقة بعد الغزو الأميركي للعراق 2003. لكن اللافت للنظر في زيارة السوداني، وهو رئيس "لحكومة منبثقة عن تحالف سياسي هو (الإطار التنسيقي) الذي أعلن في أكثر من مناسبة مناهضته للولايات المتحدة والعمل على إزاحة وجودها العسكري من البلاد والذي لم يتحقق، وهو مؤشر واضح البيان بان هذه الزيارة هي تكريس للاحتلال، وإصغاء للإملاءات الأمريكية، ولخطف الأنظار عن الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني ضد أطفال ونساء وشيوخ غزة العزة..
واستخلاصا لما سلف، فان التراشق بين رجال الدين النوويين الإيرانيين وإسرائيل، ما هو إلا ظاهرة صوتية واختلاف بالصوت على الفضائيات فقط.، أي مجرد دراما إعلامية!
وتماشيا مع ما تم ذكره، استطيع القول جازما، وفقا لتاريخ الباطنية المجوسية/ اليهوية المشتركة، بأن هناك اتفاق غير معلن بينهما، ، مفاده، لا يسمح، لأي دولة بالمنطقة العربية أن تتفوق على إسرائيل، أولا ،وثانيا، يسمح لإيران وبكل حرية التفوق على جميع الدول العربية بغض النظر عن علاقتها بأمريكا، وأن لإيران الحق بنشر أيديولوجيتها التوسعية بالعنف المشرعن بالفتاوى الإيرانية ، كما يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وما جرى بموسم الحج 2019 ، خير شاهد ودليل. وان على إسرائيل، إن لا تتدخل لتعرقل المشروع الإيراني بهذا الخصوص ، شريطة ان لا تستفز أو تهدد ايران أمن إسرائيل. كما أن أمريكا، لا تسمح لإيران أن تصبح بديلا مشاغبا، لا عنها، ولا عن إسرائيل في الخليج وسوريا واليمن ولبنان.
في واقع الأمر، ومن وجهة نظر تاريخية واستراتيجية، أن نية الإدارة الأمريكية والإسرائيلية لازالت" غير راغبة بحل المعضلة الإيرانية أو القضاء عليها كليا، بل لازال هدفها وقف التهديدات الإيرانية فقط، لإدارة دفتها .
وان الغرض من زعزعة أمريكا وإسرائيل لاستقرار ايران، كونه سيؤدي الى زعزعة استقرار دول الخليج وفي مقدمتها السعودية واليمن والعراق وسوريا.. وهو تهديد سيؤدي "أوتوماتيكيا" لتهديد مصالح روسيا والصين"، بالمقابل فان ايران تحاول زعزعة استقرار العراق لزعزعة استقرار مصالح أمريكا في المنطقة!، لهذا السبب تسعى أمريكا لتحديث قانون منع زعزعة ايران للعراق.
وكتحصيل حاصل، فان تهديد أمريكا لإيران، هو تهديد الى روسيا لعرقلة تشييد مشروع النقل التجاري والسياحي من منطقة اوراسيا و"طريق المريديان" السريع "Meridian highway" الذي سيربط القارتين الأوربية والآسيوية، وهو مشروع عزز التعاون بين أوروبا والصين وروسيا، فاعتبرته أمريكا مصدر خطر عليها. لان تعاون روسيا والصين يشكل اكبر تهديد لأمريكا.
يمكن للمتلقي أن يستقرئ ويحلل مما يحصل بينهم ، بان الاستعداد التام للحرب والاستحضارات العسكرية والإعلامية، القائمة اليوم ، ما هي إلا استعدادات وقائية، للردع، كي لا تقع الحرب! كما تفسر أيضا عمليات التحرش لضرب أهداف طارئة بحرية وبرية وجوية من قبل ايران، ما هي إلا مناورات استعراضية تصنف بخانة الألعاب النارية، سيما لأولئك الذين يرون بأن أمريكا وإيران لا زالا يتظاهران أنهما يتصارعان. لقد ولد ذلك انطباعا لدى الكثير مفاده، بأنه صراع "للحلب" لا للحرب، -حلب أمريكا لدول الخليج- وهي سياسة تتبادل فيها الأدوار أمريكا وإسرائيل وايران نظرا لكون مياه ايران وبحر قزوين وروسيا تشكلان المجال الحيوي لأمريكا تجاه الخصم الاستراتيجي لأمريكا، الصين. وهكذا ستستطيع إدارة الأمريكية ضرب هذه الدول، مجتمعة، بطلقة واحدة.