كذبة تأبى النسيان
أحمد صبري
"ثورة تشرين جاءت لاقتلاع العملية السياسية ومشروع الاحتلال وطبقته السياسية الملوثة بالفساد وهدر أموال العراق وتحويله إلى حديقة خلفية للنظام الإيراني وأذرعه المسلحة"
عندما نستعيد ذكريات ومجريات الحرب على العراق بعد مرور 17 عاما على وقوعها فإننا نتوقف عند نتائج الغزو الأمريكي للعراق وأسبابه وماذا حقق للعراقيين بعد هذه السنين وعملية الخداع وتضليل الرأي العام التي استخدمته الإدارتان الأمريكية والبريطانية بأن العراق يمتلك أسلحة محظورة ويهدد السلم والأمن الدولي.
إن الإجابة على ذلك تكمن بتصدر العراق لقائمة الدول الفاشلة التي ينخر جسدها الفساد والطائفية، ما وضع العراق على طريق الفوضى ولم يحقق الاحتلال للعراقيين ما روج له من أمن واستقرار، ولم يتحول إلى واحة للحرية والديمقراطية والازدهار كما أوهم العراقيين الذين ثاروا على النظام السياسي ونظام المحاصصة الطائفية في ثورة متواصلة منذ عام استهدفت اقتلاع العملية السياسية ومشروع الاحتلال وطبقته السياسية الملوثة بالفساد وهدر أموال العراق وتحويله إلى حديقة خلفية للنظام الإيراني وأذرعه المسلحة.
وعندما نستذكر تلك الوقائع التي أدخلت العراق والمنطقة في الفوضى وعدم الاستقرار منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم نشير إلى النوايا المسبقة للإدارتين الأمريكية والبريطانية لغزو العراق بمزاعم اثبتت الوقائع التي اعقبت الحرب بطلانها وعدم صحتها.
وما يؤكد بطلان مبررات حرب الصدمة والترويع شهادة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية (جورج تنت) في كتابه (في قلب العاصفة) الذي فند مبررات الحرب وأكد أن غزو العراق كان قرارا متخذا قبل ذلك.
وحتى نعطي للأحداث والوقائع التي سبقت الحرب مدياتها، نروي ما قاله (تنت) في شهادته التاريخية التي وردت في كتابه المذكور: (يعتقد كثير من الأشخاص أن استخدام عبارة "الأمر مؤكد" على اللحظة الحاسمة في جعل الرئيس بوش الابن يعقد العزم على إسقاط النظام بالغزو المباشر لكن الوقائع تكذب ذلك فليس لتلك الكلمتين والاجتماع الذي عقد في المكتب البيضاوي في كانون الأول 2002 أي علاقة بقرار الرئيس إرسال قوات إلى العراق فقد كان القرار متخذا من قبل).
فأسلحة الدمار الشامل ورفض العراق التعاون مع مفتشي الأسلحة الدوليين وما يشكله العراق من مخاطر على الأمن القومي الأمريكي ومصالحه في المنطقة كلها مبررات وظفتها إدارة بوش الابن لتسويق غزوها للعراق والتي فندها رئيس أكبر جهاز استخباري وأمني في الولايات المتحدة.
وهنا نعود إلى شهر شباط (فبراير) من عام 2003 حيث دعت الولايات المتحدة إلى اجتماع لمجلس الأمن الدولي على مستوى وزراء الخارجية للدول دائمة العضوية لإبراز ما لديها من معلومات مؤكدة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل في إطار سعيها لتبرير استعدادها لشن الحرب على العراق.
وقدم بأول عرضا معززا بالصور المجسمة للشاحنات التي قال إنها تحمل معامل صغيرة لإنتاج الأسلحة الكيمياوية وأماكن تواجدها إلى حد التأكيد أن الصور التي عرضها هي مؤكدة، متهما السلطات العراقية بأنها تتفادى رصدها من قبل الأقمار الصناعية وفرق التفتيش بحركتها المتواصلة على مدار الساعة في العاصمة بغداد وجوارها للتمويه والإخفاء على حد قوله.
إن ما عرضه باول كان خاليا من الأدلة كما أنه غير مقنع وأن باول كان مضطرا لعرض ما زودته به وكالة الاستخبارات الأمريكية وصقور الحرب في إدارة بوش لتبرير العمل العسكري ولتضليل الرأي العام الأمريكي والغربي بقصة الشاحنات التي تحمل الأسلحة المحظورة طبقا لرواية باول.
وتدور الأيام وتنكشف الحقائق ومزاعم الكذب والتضليل التي ساقتها إدارة بوش الابن لتبرير عدوانها على العراق، لتؤكد أن العراق بعد احتلاله عام 2003 جالت في مدنه من أقصاه إلى أقصاه فرق المفتشين والمخابرات الأمريكية التي لم تعثر على تلك الأسلحة المزعومة التي كانت تبحث عنها وتوهم العالم أن العراق يمتلكها.
ولتأكيد خلو العراق من الأسلحة المحظورة اعتراف وزير الخارجية الأمريكية الأسبق كولن باول بأن ما عرضه من اتهامات ومعلومات عن شاحنات كانت تحمل أسلحة محظورة خلال اجتماع مجلس الأمن كان مبالغا فيه وغير صحيح وهو نادم على تلك الرواية متهما بعض أركان إدارة بوش بتسويقها في إطار استحضارتها للحرب.
(وهذا ما أكده أيضا مدير وكالة الطاقة الذرية السابق محمد البرادعي في كتابه "سنوات الخداع")
فالبرادعي الذي رأس لجنة المفتشين للبحث عن برنامج الأسلحة النووية واحتمالية إحيائه قبل غزو العراق عام 2003 أقر بما لا يقبل الشك أن العراق لم يكن يسعى لإعادة إحياء برنامج أسلحته النووية، وأن قرار الحرب اتخذ من قبل بوش الابن وتوني بلير قبل بدء عمليات البحث والتفتيش عن الأسلحة العراقية.
فعندما يصف البرادعي حرب العراق عام 2003 بالعدوان والعار الذي جلبته فإنه يؤكد حقيقة الموقف العراقي الذي سمعه في آخر لقاء مع مسؤولين عراقيين عشية بدء الحرب.
ويقرب البرادعي صورة ما جرى قبل غزو العراق وتداعياته والمفارقة التي كانت تحكمه بالقول (شهدنا عدوانا حيث لم يكن هناك تهديد محدق من العراق وتكاسلا وترددا حيث ظهر خطر حقيقي في كوريا الشمالية وجمودا طال أمده في حالة إيران