الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات متى تكون الأوطان ..صالحة للإنسان..

متى تكون الأوطان ..صالحة للإنسان..

ثائرة أكرم العكيدي

كاتبة وباحثة

‏كل منجزات العلم والفلسفة والفنون والحريات بدأت حين رفض الإنسان الخمول وشق طريق الإبداع، واستفاد من العادات والتقاليد والتراث وانطلق من الأسس الصحيحة، الأمل والإبداع والمستقبل والسلام للشعوب التي تفكر وتعمل وتبدع وليس للشعوب الخاملة التي تترك العمل الدؤوب والاجتهاد وتنتظر المعجزات والتغني بالماضي التليد. ‏المجتمع البعيد عن الحريات والعلم والتفكير النقدي لا ينتج مبدعين ومواطنين بل مرضى ومنافقين ومتخلفين. والأوطان التي تخنق الأحلام، وتقيد الأفكار، وتحارب الحريات، وتفرض القيود على الابداع والتفكير، تصاب الشعوب فيها بالبلادة والجمود، بالخوف والخنوع، بالجهل والإندثار

للأسف ‏ثقافة بعض مجتمعاتنا ثقافة طائفية أو عنصرية، ثقافة تقوم على الطائفية والعنصرية قبل الإنسان، ثقافة تقف مع المجرم لأنه من نفس المذهب أو القبيلة ثقافة تدعم الوصاية، وتنظر إلى المرأة بالانتقاص، والتفكير جريمة، ثقافة خافت من إصلاح ذاتها فخلقت التطرف والجهل.. ‏تواطؤ الدولة مع الرغبات الطائفية لأي طرف في المجتمع يجعلها دولة ظالمة ومخلة بالعدل، لأنها ستغدو شريكة في محاولة فرض توجه أحادي الهوية بالإكراه، بينما دور الدولة والحكومة الحقيقي، هو الدفاع عن المواطن والدولة والحفاظ على السلم المجتمعي، وحماية حريات المواطنين وممارسة معتقداتهم الصحيحة التي لا تخل بالمبادئ والقيم الإنسانية

منذ السقوط سنة 2003 ودخول المحتل للعراق برز الخطاب الطائفي وانقسم المجتمع العراقي بكل فئاته حول صورة وأسلوب ووسائل هذا الخطاب بل إن القضية انتقلت إلى آفاق أوسع وأشمل فى الدول العربية والإسلامية أمام تفاقم ظاهرة الإرهاب واستخدام العنف بصورة شوهت الإسلام والعقيدة والدين أمام العالم كله..كان الهدف من الدعوة أن يفتح علماء المسلمين آفاق الاجتهاد والحوار والخلاف فى الرأى وتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام وعلاقته بالعقائد الأخرى لأن الإسلام فى جوهره كان عبر عصور التاريخ دين التسامح والتعايش الآمن مع الآخر.

لقد شهدت مجتمعات كثيرة قبلنا هذا الانقسام بين ما هو دينى وما هو ثقافي وإنساني، وعلى المرء أن يسأل نفسة دائما: كيف أكون أنا إنسان وما مفهومي عن الإنسانية؟ إن الإنسانية بفطرتها السليمة تحمل من صفات الجميلة الكثير لكنها ربما تنغمر بوسط الممارسات غير السليمة وهنا تحتاج إلى معايير تكون هي الأساس والمرجع والمعيار التقييمي لصلاح الإنسان أو فساده وهذه جاء الإسلام مبينا وموضحا لها وداعيا إلى الاتزام بها لكي يحافظ على الإنسان وضرورياته الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال والحاجيات و التحسينيات. .

المفهوم الإنساني يفرض عليك أن تحترم الجميع بكل ما يحملونه من أفكار ومعتقدات وأديان، أن تنظر إلى الجوانب التي تربطك بالآخرين لا التي تفرقك عنهم، أن تبتعد عن تصنيف الناس حسب دينهم ودرجة تدينهم وعرقهم وثقافتهم وانتمائهم، الإنسانية تنقلنا من حالة المشاحنة النفسية والكره إلى حالة السلام الداخلي، حالة من الحب والاحترام للجميع دون شرط أو قيد، وأن نبقى نقف في وجه كل من يعادي القيم الإنسانية.

فالرقي بالأخلاق أوصى بها الإسلام دين الأنبياء جميعا، والأخلاق الحميدة يجب أن يتحلى بها الإنسان بغض النظر عن دينه وطائفته، أن تمتنع عن فعل الأخلاق السيئة ينبع من مفاهيم الفطرية للإنسان والدين فالتجاوز على حقوق الآخرين وعدم القتل والسرقة والإساءة كل هذه الممارسات ترفضها الفطرة البشرية والدين...

ورغم التفاوت بين حالة وأخرى بحسب خصوصيات التطور التاريخي وتنوع التركيبة الاجتماعية للسكان فإن الوضع العام يكاد يختزل اليوم في الانحسار الكبير لهامش الحريات الإنسانية دون مؤشرات واضحة على أفق تطور ما على عكس ما يحدث في فضاءات أخرى في آسيا وحتى في أفريقيا. كيف نفهم هذه العقدة تجاه الحريات.

إشكالية غياب الحريات في العالم العربي هي في عمقها غياب الوعي بقيمة الفرد كإنسان وكمواطن وعدم تجلي هذا الوعي كواقع مجتمعي فاعل حتى لدى النخبة المثقفة وهذا هو الدافع الرئيسي الذي أدى إلى استمرار الحياة البشرية وتبقى رغبة الإنسان الحر أن يقدر أن يمتلك حريته بالثمن الذي تقدره ظروفه ليكون إنسان بالمعنى الصحيح والكامل للكلمة.

مجتمعاتنا العربية ماتزال ينتظرها أشواط من النضال والمعارك من أجل تجاوز أشكال الماضي ‏لأن الوطن هو استمرارية وتاريخ وتطور وبناء هو أنت وأنا وطن لا يجمعنا داخله تعصب لأي طائفة أو محاباة لأي مذهب أو عرق بل ما يجعلنا مواطنون إنسانيون نتمتع بقيم المواطنة والمساواة والعدالة...

مقالات متعلقة