الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مجالس المحافظات.. من هالمال حمل جمال..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي

(كاتبة وباحثة)

التخبط السياسي والحالة المريضة التي يمر بها العراق اليوم تتمثل باستسلام القوى السياسية العراقية لصدمة عام 2003، وما رافقها من إملاءات جرى فرضها من خلال سلطة المحتل والتي تعتبر بمثابة قوانين جرى بموجبها رسم ملامح النظام العراقي الجديد وبناء مبانيه وأساساته، من بينها الدستور ومجلس النواب ومجالس المحافظات والنظام المالي والتوجهات الاقتصادية.

وهنا تأتي انتخابات مجالس المحافظات مثل كل دورة حيث غاب عن حملاتها الدعائية استعراض البرامج الخدمية، والتثقيف للخطط التنموية، وغلبت عليها حالة الصراع والشعارات الاستعراضية والوعود الوهمية الكاذبة ويبدو أن هذه الانتخابات ستكون الأسوأ في استغلال موارد الدولة، وخصوصا استغلال الشرائح الفقيرة التي تقع تحت خط الفقر وبشكلٍ فاضح لا يخفى عن الجهات الرسمية والمنظمات المعنية بمراقبة العملية الانتخابية.

الأحزاب الحالية لن تستطيع تجاوز المنطق الكلاسيكي في تدبير الأمور، والإبداع في أساليب ممارسة العمل السياسي، ولن تجرؤ على تشخيص المرحلة الراهنة، وإيجاد مخارج لربط الجسور مع مستقبل آمن. لأنها سبب في المشكلة ولا يتصور أن تكون جزءا من الحل ولذلك فعودة الوجوه الكالحة لتصدر المشهد سيكون له تداعيات سلبية على العراق، خاصة وأن أحزاب السلطة تريد الإبقاء على وجوه اعتادت على الخطاب والممارسات الاستفزازية الطائفية في الانتخابات وإدارة البلاد، وهذا سيزيد من شيخوخة الجسم السياسي المريض، الذي لا يحتمل الاستمرار في سماع أسطوانة مشروخة، لا تنسجم ألحانها وإيقاعاتها مع مضامين الدستور الجديد، الذي يراهن على الطائفية والفتوة السياسية.

ولا يوجد هناك إجراءات سواء من الحكومات السابقة أو الحكومة الحالية في مواجهة الفساد كأولوية في برنامجها أو الحد من تدخل المال الفاسد في الانتخابات المقبلة ففي كل دورة انتخابية يحظى المال الفاسد كعنصر مهم في فوز المرشحين خاصة في عملية التصويت .

ولا تقتصر سلبيات مجالس المحافظات على الإرهاب والفساد، فبالرغم من أنها سلطة تشريعية منتخبة، وتُعدّ أعلى سلطة تشريعية ورقابية ضمن الحدود الإدارية للمحافظة، بحسب المادة الثانية من قانونها المرقم 21، لعام 2008، فإن قانونها الأخير يعارض أحكام الدستور الحالية في الوقت ذاته. حيث لا توجد بيئة آمنة وسليمة للعمل في مفوضية الانتخابات والتي هي من ضمن صلاحيات الحكومة

ولا ننسى سقف الإنفاق المالي في انتخاب مجالس المحافظات، حيث تصرف ملايين الدولارات على الإعلانات والبرامج الدعائية وغيرها من الصرفيات، حيث إن المال السياسي بات يستخدم بشكل كبير، وظاهرة استخدام المال العام في انتخاب مجالس المحافظات ليس بجديد ويستخدم بشكل واضح قبيل الانتخابات المحلية في 15محافظة عراقية حيث تكون السرقات في الوزارات بلا حرج.

ولو تتبعنا تكاليف الدعاية الانتخابية لكل مرشح لمجالس المحافظات سيظهر بشكل واضح حجم سرقة المال العام وتبديده على الانتخابات، فمثلا تكلفة إعلان دعاية واحدة لأحد المسؤولين الذي تم خلعه مؤخرا (50,000$) خمسون ألف دولار أمريكي على زجاج بناية مقابل نصب أنقاض الحضارة.

هذه تكلفة إعلان واحد في تقاطع واحد فقط؛ وهو نموذج لحجم الأموال المهدورة لباقي إعلانات الأحزاب ومرشحيهم، وهدر المال العام على أنظار ومسامع الجميع من قادة الأحزاب الرعناء التي عاثت في العراق فسادا وسرقة ورشوة وهدرا للمال العام وتدميرا لكل بناه التحتية وقتل مستقبله سيكون له ثمنا وحسابا عسيرا في الدنيا على يد الشعب العراقي وفي الآخرة يوم تسقط كل امتيازاتهم الدنيوية وسلطتهم وقوتهم أمام القوي العزيز الجبار جل جلاله

فماذا يحصل لو تم تخصيص هذه المبالغ للنازحين والمتعففين والفقراء والمحتاجين واليتامى وأصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل، ودفع حقوق المحتاجين من رواتب لكل من يستحق المساعدة الفورية؛ فماذا قدمت مجالس المحافظات سابقا حتى يقدمون شيئا الآن!.

خصوصا أن إلغاءها كان مطلبا شعبيا في تظاهرات تشرين التي ذهب ضحيتها مئات الشهداء وآلاف الجرحى في عموم العراق؛ نعم كان قرار الشعب صائبا فمجالس المحافظات كانت بابا من أبواب هدر الأموال العامة وإضافة غير نافعة لعمل المحافظة، وهي حلقة تربط بين عمل المحافظة والأحزاب الفاشلة الفاسدة.

ولعل من المناسب أن انتخابات مجالس المحافظات فيها هدر للمال العام بدأ بهدر المال العام الذي لا يقف أمامه أي قانون مع أنه نص على تحديد سقف الدعاية الانتخابية، إلا أن الواقع يقول لا توجد أي مساءلة تلزمهم قانونيا في الدعاية الانتخابية.

وفيها أيضا تمويل الحملات والدعايات الانتخابية باستغلال موارد مؤسسات الدولة في تحقيق غايات انتخابية وكسب مزيد من الجمهور عن طريق شراء أصوات الناخبين الذين يبحثون عن لقمة عيشهم بعيدا عن البرامج الانتخابية وغيرها، ومع اقتراب الانتخابات يستعمل كل حزب من الأحزاب نفس الأدوات والأساليب الرخيصة التي استخدمت في الانتخابات السابقة وحتما النتيجة مصيرها الفشل كسابقاتها.

وفي ظل هذه الأجواء والحكومات الفاسدة؛ فإن أياما عصيبة تنتظر العراقيين، وصراعات كبيرة حتى على مستقبل العملية السياسية وخصوصا الصراع المرتقب على مشروع قانون الانتخابات بين الأحزاب السياسية وميليشياتها، والعراقيون بأغلبيتهم الصامتة والمغلوب على أمرها لا يمتلكون للأسف الشديد في المدى المنظور على الأقل أدوات التغيير الشامل في ظل عملية سياسية مصممة على مقاسات الأحزاب الفاسدة .

مجالس المحافظات ستمر ولكنها تبقى عملية لهدر الأموال وحلقة زائدة من الفساد غير المنتهي في العراق وابتزازية ضارة لأبناء المحافظات خصوصا والعراق عموما.

مقالات متعلقة