بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
منذ الأيام الأولى لاحتلال العراق عام 2003 شكل اغتيال الكفاءات العلمية العراقية ظاهرة خطيرة مستمرة حتى اليوم فقتل المئات من العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والخبراء والمستشارين في اختصاصات متنوعة، ورغم أن عمليات الاغتيال كانت لغزا في البداية إلا أن ما ثبت أن جهات عدة تقف وراء اغتيال الكفاءات العراقية، وبات مخطط النيل من العقول العراقية مكشوفا بغض النظر عن دينه أو توجهاتها أو مذهبه، ولكن ما كان يحدث ومازال أنه في حال قتل عالم مذهبه شيعي مثلا توضع ورقة غير صحيحة تشير إلى إن الجهة التي قتلت ذلك العالم هي جهة سنية، وإذا كان المقتول سنيا تنسب الجريمة إلى شيعي.
ويقف وراء هذه الجرائم عصابات وميليشيات تنفذ مخطط خارجي، لإفراغ العراق من علمائه فقتل أكثر من خمسمائة عالم ومفكر وطبيب... من الكفاءات العراقية.
وشمل الاستهداف ضباط الجيش العراقي السابق ممن عرف بالكفاءة والاقتدار والوطنية، ثم سن قانون الاجتثاث سيء الصيت من قبل بول بريمر الحاكم الأميركي المحتل للعراق، ومن خلاله تم تصفية أكثر من 70% من الكفاءات، وبدعوى اشتراكهم في الحرب ضد إيران.
وأشارت دعوة جلال الطالباني في مطلع أكتوبر 2005 الضباط والطيارين إلى الإسراع في الانتقال إلى كردستان، إلى أن ظاهرة إعدام الضباط قد تخطت نطاق الأعمال العشوائية.
ولم يقف الاستهداف عند ذلك وإنما وصل إلى مراكز الدولة العلمية والثقافية؛ لمحو ذاكرة العراق التاريخية والثقافية، فحرقت آلاف المجلدات العلمية في مراكز الأبحاث، وحرق أرشيف الدولة بمقتنياته ومخطوطاته، ونهبت المؤسسات العلمية والثقافية بنسبة 80% من موجودات الدولة.
بدأت تصفية علماء العراق بعد الاحتلال مباشرة، من خلال ثلاثة مسارات:
الأول هو الخيار الألماني، ويتمثل في محاولة دفع علماء العراق إلى إفشاء المعلومات إلى الجهات الغربية، وقد صادق مجلس الشيوخ الأميركي في تشرين الثاني 2002 على قانون يقضى بمنح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأميركية الخضراء، ووعدهم بآفاق بديلة أكثر إشراقا م كان القرار الأممي 1441 الذي أصرت واشنطن على تضمينه بندًا يقضي باستجواب العلماء العراقيين.
أدت فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي دورا هاما في عمليات اغتيال العلماء العراقيين بعد الاحتلال؛ لمنع الاستفادة منهم عربيا خصوصا في ملف الطاقة النووية، خصوصا بعد فشل أمريكا في استمالتهم لصالحها، ويكشف تقرير صدر عن مركز المعلومات الأميركي (2005) أن الموساد قام باغتيال (530) عالما عراقيا وأكثر من 200 أستاذ جامعي وشخصيات أكاديمية ما بين 2003 و2006، وتشير بعض المعلومات إلى أن الموساد جند 2400 عنصرا، إضافة إلى وحدة سرية تتضمن أكثر من 200 عنصر لقتل العلماء. كما قدمت دراسة بعنوان: (محنة الأكاديميين العراقيين) إلى مؤتمر مدريد الدولي في نيسان 2006، تؤكد تنفيذ الموساد الإسرائيلي 307 اعتداء على الأكاديميين والأطباء، وتمكّنه من اغتيال 74 % منهم.
وفي عام 2006 دعا المالكي إلى رعاية الكفاءات العلمية وتوفير الأجواء الأمنية والمعاشية المناسبة لهم للحيلولة دون هجرتهم، وأطلق برنامجا لعودة الكفاءات إلى العراق، ودعمت الأمم المتحدة هذا البرنامج، لكن تبين أن هذه الخطة هي لتصفيتهم، وهو ما أكدته وثائق سرية سربتها ويكيليكس لتؤكد أن المالكي وفر السيرة الذاتية وطرق الوصول إلى الكفاءات العراقية لتصفيتهم، وسلمت هذه المعلومات إلى فرق اغتيال تابعة للموساد الإسرائيلي وإيران، وبينت الوثائق أن عدد من تم قتله بـ 350 عالم نووي و80 ضابط طيران عراقي. وكشفت وثيقة أخرى تعود إلى عام 2007 أن نوري المالكي قام بالتنسيق المباشر مع الحرس الثوري الإيراني لتصفية شخصيات عراقية.
وقد ساعدت المالكي على أداء هذه المهمة وجود ميليشيات شيعية تخضع لأوامره المباشرة، وعناصر تم تجنيدها في الحرس الثوري الإيراني لتشغل مناصب حساسة في الجيش والمؤسسات العراقية العامة.
ومما تقدم يمكن فهم ما جرى من حملة اغتيالات في الأيام القليلة الماضية وطالت طبيب في ديالى وضابط في الأنبار ومجزرة في الجيالية، التي بدأت بعد عام 2003 وما تزال مستمرة بوجود قانون حكومي طائفي مقيت اسمه الإفلات من العقاب، وقوى أمن داخلي تعمل على زراعة الكراهية والعداء بين المكونات العراقية منذ 2003.
ومن جانب آخر دخل تنظيم داعش على خط اغتيال علماء العراق، وقد تم توثيق تصفية عناصر التنظيم ل 6 من علماء الموصل و4 من صلاح الدين؛ وبذلك تكون عمليات الاغتيالات تهدف إلى انهيار العراق ولاسيما بعد وصولها إلى استهداف القضاة حتى أصبح القاضي لا يأمن على نفسه لا في بيته ولا في المحكمة حتى أنه يخشى من عناصر الشرطة.
ورغم خطورة استهداف الكفاءات العراقية على البلاد إلا أن حكومات المنطقة الخضراء ما زالت تتجاهل هذه الكارثة التي سرعان ما تخرج بتصريحات إعلامية تتوعد بالكشف عن النتائج ثم ترميها إلى ملف النسيان؛ وهنا نتساءل هل جميع الحكومات مشاركة في هذه الجريمة أم إن بعضها لا يمتلك الشجاعة الحقيقية لإيقاف التغول الخطير في العراق من بعض الدول الإقليمية التي أصبحت تتحكم حتى في الحالة الأمنية فقد استطاعت هذه الدول أن تشكل فرق اغتيالات داخل العراق بل أصبح لها من يمثلها داخل برلمان الخضراء، ولا يخفى على عاقل خطورة هذه التطورات على البلاد.
إن الأيادي الخبيثة التي طالت القامات العراقية الرصينة، أغلبها نفذتها ميليشيات طائفية، ولاؤها لدول خارجية عدوة للعراق، وأخرى نفذتها عصابات الجريمة المنظمة المدفوعة من مسؤولين فاسدين للتخلص من كل من يقف بطريقها، يضاف لهم تنظيم (داعش) يحمل فكرة قيادة المجتمع العراقي بغياب قادته الحقيقيين وعلمائه.
لم يمر على العراق في ماضيه أو حاضره عصابة حكمته بهذه الأخلاق الدنيئة والخسيسة التي ليس لها ارتباط إنساني أو أخلاقي أو وطني كما هي اليوم ... شلة من الرعاع والسماسرة والعملاء والمجرمين والقتلة تتحكم بمصير بلد له تاريخه العريق، شلة تقتل علمائه وتستهدف كفاءاته، وتطرد أطبائه وكل من يساعد على بناء العراق وتحريره من التخلف والضياع، بل كل من يداوي جراح العراقيين معنويا وحسيا.
لجان وجلسات وقضاة ومؤتمرات ونزاهة ووطنية فارغه؛ لم نر لها مثيلا في أنحاء العالم كله؛ لصوص في وضح النهار وقتله بعد منتصف الليل، مافيات تتقاسم السرقة فيما بينها تحت عنوان سدلي وسدلك، لماذا لا نرى مجرما ولصا واحدا حوكم أو حبس أو تمت محاكمته على الهواء؟ والأغرب من ذلك كيف للشعب العراقي أن يستمر في صمته على ما يجري، من هؤلاء وعلى أفعالهم وتسلطهم على رقاب العراقيين لسنوات يتحكمون في مصيره!!.
المصيبة هو أننا لسنا أمام قضية بسيطة وعابرة تُختَصر باغتيال الرموز والكفاءات العراقية بدم بارد، وإنما نحن أمام اغتيال شعب كامل، حين تُسرق أحلامه وتُهان كرامته ويقف الفقير عاجز أمام إشباع بطون أولاده أو معالجتهم. إن الشعب العراقي يغتال ببطئ، من خلال مشاهدة آلاف النازحين في خيامهم مشردين يفتقدون إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة والعيش بسلام، مشردين ينامون في الشوارع وأمهات لا يأكلن الطعام حتى لا يجوع أطفالهن، وآخرون يبحثون في حاويات القمامة عما يسد جوعهم.
لا يمكن أن تتحقق الحياة السعيدة للمواطن العراقي إلا حين يأمن على حياته وأسرته وأمواله، ولا يكون ذلك إلا بنظام سياسي وطني يهدف إلى تحرير العراق وسيادته ويحرص على كرامة مواطنيه، ويمنع سرقة ثرواته ويحرص على تأمين حقوق الأجيال اللاحقة.
وطني هل أراك ومتى نراك مَوطنا تصان فيه الحقوق والحريات، وتنتكس فيه رايات الولاء الخارجي والطائفية البغيضة.