معارك الفلوجة
الكاتب| أ. وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
اتجهت أنظار العالم إلى العراق منذ أيام الاحتلال الأولى في العام 2003، بعد أن سجّلت المقاومة العراقية علامة بارزة في تاريخ المقاومة في العالم، حيث أصبحت أسرع مقاومة تتصدى لأكبر وأعتى قوة عسكرية واقتصادية وإعلامية في العالم، ومع مضي عام واحد على بداية الغزو الأميركي للعراق اتجهت الأنظار وفي كل مكان من العالم إلى مدينة الفلوجة (65 كم غربي بغداد)، وبمساحة لا تتجاوز الخمسة كيلومترات مربعة، وجغرافية المدينة منبسطة، وليس هناك تضاريس وغابات أو كهوف وما شابه ذلك من الجغرافية المساعدة لحرب العصابات والمشجعة لها.
في أواخر شهر آذار – مارس من العام 2004، وقبيل مرور عام على احتلال العراق حصل حدث أرعب قوات الاحتلال الأميركية وجميع القوى والأجهزة و"الزعامات" العاملة تحت مظلة المحتلين الأميركيين، وبالمناسبة ما زال هؤلاء يجلسون في "المنطقة الخضراء" بعد تقديمهم خدمات كبيرة للغزاة الأميركيين وساعدوهم في جميع جرائمهم بحق العراق والعراقيين، فقد رصد عدد من المقاومين الأبطال قافلة أميركية داخل مدينة الفلوجة في الحادي والثلاثين من مارس/ آذار 2004 وانقضوا عليهم، ورغم نوعية الأسلحة والحراسات وسرعة وصول الدعم الجوي للقوافل الأميركية في المروحيات والقوات الأرضيّة، وتمكن المقاومون من أسر أربعة من ضباط الاستخبارات – قال الجيش الأميركي لاحقا أنهم من عصابات بلاك ووتر الإجرامية العاملة مع القوات الأميركية في العراق – وتم تنفيذ حكم الإعدام بهم جميعا، ولم يتوقف المقاومون عند هذا الحد، بل زادوا على ذلك بتعليق جثث هؤلاء على جسر الفلوجة الشهير، الذي يقف شامخا على نهر الفرات، وما تزال تفاصيل ذلك المشهد محفورة في الأذهان، ولو كان الحادث قد حصل خلاف ذلك لسارعت الفضائيات العربية والحكومية والعالمية لبث تلك الصور في كل مكان، لكن التزام الصمت حيال ذلك قد غلب تحت سطوة العصا الأميركية.
وقع الخبر المذل مثل الصاعقة على رأس جورج دبليو بوش ولا نعرف كيف كان وقع صور ضباطه وقد تم قتلهم وتعليقهم على جسر مدينة الفلوجة، أصيبت القيادة الأميركية بالجنون وأكثر من ذلك حصل مع أعضاء ما يسمى بـ "مجلس الحكم الانتقالي" في المنطقة الخضراء و"وزعيمهم الأميركي بول بريمر"، استشاط الجميع غضبا وثمة من زمجر وتوعد والبعض تعهد بجلب العشيرة والقبيلة من السياسيين الذين وظّفهم بريمر في مجلسه، لكن قادة البنتاجون رفضوا كل تلك الخدمات وقرروا سحق الفلوجة وتدميرها والقضاء على "المتمردين"، حشدوا قواتهم من دبابات ومدرعات وراجمات وصواريخ بعيدة المدى وقاصفات وأعلنوا ساعة بدء الهجوم على مدينة الفلوجة، وبعد أيام متواصلة جاءت الأخبار التي لا تقل رعبا عن تلك التي تحدثت عن تعليق جثث الأميركيين وسط الفلوجة، تقول الأخبار إن المدافعين عن الفلوجة منعوا تلك القوات الجرارة من دخول أي من أحياء المدينة.
كيف يحصل ذلك؟
سؤال أخذ يتردد في كل مكان في العالم، الأمريكان في حالة من الرعب والهلع وساسة المنطقة الخضراء يرتجفون، وشرفاء العالم يبتهجون ويرسمون علامات النصر الكبير على الطاغوت وأدواته.
تضاعف الحقد الأميركي على العراق بأسره وعلى الفلوجة بصورة خاصة، وبدأت مرحلة الاستعدادات الواسعة لشن حرب دمار الفلوجة وقتل كل من بداخلها، اقتضى ذلك الأمر سبعة أشهر متواصلة، تم خلالها تجهيز قنابل خاصة لضرب بيوت المدينة وجاؤوا بالفسفور الأبيض وهو مادة محرمة دوليا، ودربوا الأجهزة العسكرية والأمنية الحكومية الخاضعة لإرادة وتوجيه قوات الاحتلال، وبدأت حرب الفلوجة الثانية في تشرين ثاني / نوفمبر في العام 2004، وكان بول بريمر قد هرب قبل ذلك بعدة أشهر (غادر مسرعا في الثامن والعشرين من حزيران 2004)، ورغم جميع استحضاراتهم وأسلحتهم إلا أن قواتهم والقوات الحكومية واجهوا مقاومة عنيفة جدا، وفي النهاية انتصرت إرادة المقاومين رغم الدمار الهائل الذي حصل في الفلوجة.
وستبقى معارك الفلوجة من العلامات البارزة في تاريخ العراق وصفحة وضاءة في تاريخ المقاومة في العراق.