العراق بعيون أطفاله..
(أمي لا أريد الذهاب للسوق كي لا أموت)
بقلم| مسار العلي
لا أحد يستطيع القول بأن أطفال العراق بخير، منذ بداية الاحتلال إلى الآن يعاني الطفل العراقي أشد المعاناة، وقد تعرض البعض منهم إلى الإساءة والاستغلال، بل إن المنطق يرسم صورة أكثر سوادا للطفل العراقي ومستقبله النفسي في ظل هذه الأوضاع. منذ الوهلة الأولى للحرب وعلى مسمع ومشهد سكان الأرض كافة تعرض الطفل العراقي للعنف والجور على يد الاحتلال فمن منا ينسى صورة الشهيدة الطفلة (عبير الجنابي) وما تعرضت له من اغتصاب وتعذيب بيد المرتزقة المحتلين. ثم الأحداث التي توالت على العراق والقتل والتهجير؛ وكان الطفل العراقي شاهدا ومعاصرا لكل هذه الانتهاكات.. والكثير منهم فقد الأرواح ومنهم من فقد الأعضاء وبقي معاقا طيلة حياته. ومنهم من عاش معاناة اليتم وفراق الأب أو الأم، يداي تكتب وقلبي يعتصر للمشاهد التي تستحضرها ذاكرتي. نعم إذ قلت إن أطفال العراق يرونه مظلما شديد السواد لا أمل في الأفق في ظل حكومات المحاصصة والسرقات. أطفالنا إن لم يعيشوا لحظات القهر والجور فهم شهود عيان على الحدث.. وشهود عيان كذلك على حياة بقية أطفال العالم في "السوشيال ميديا" التي تنقل للأطفال رفاهية البقية في شتى أنحاء الأرض. الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يملكون في العراق أي اهتمام ورعاية سوى بعض الدنانير في كل شهر من الرعاية الاجتماعية لمن سارع أهله في تسجيله أما البقية فلا رعاية ولا مراكز تأهيل ولا مركبات خاصة (حالنا حال البشر)
أما الأطفال الذين يعانون من مرض السرطان فهم محرمون من أبسط ما يقدم لهم وهو العلاج والكثير منهم فقد حياته مبكرا لعدم توفر العلاج.
بناتنا القاصرات واجهن مشكلات عدة من خطف واغتصاب وترهيب ولا وجود لرادع قانوني يحميهن.. سوى الحكم العشائري الذي يأمر بقتلهن بعد اغتصابهن وهذا ما حدث في قصص مختلفة في العراق (يهدر دمها من أجل عرض مغتصب) أليس من حق الأطفال الذين عانوا من الحروب وويلاتها أن يقدم لهم تأهيلا نفسيا ليستطيعوا مواجهة الحياة من جديد؟ أليس من حق الأطفال وجود مدارس مؤهلة في ظل بلد مصنف من أغنى دول العالم نفطيا؟ أليس من حقوق أطفالنا وجود متنزهات وأماكن للترفيه والاستمتاع؟ هذه المتطلبات التي تعد حقوقا في البلدان الأخرى هي أبسط ما ينظر إليه وتتمناه عيون أطفال العراق.
سمعت كثيرا من الأطفال في فترة ما أنهم يتمنون مساحات للعب واللهو والترفيه.. لكني الآن يتردد في مسمعي صوت ذلك الطفل قبل عيد الأضحى وهو يقول لوالدته لا أريد الذهاب للسوق كي لا أموت.. أي صورة سوداوية رسمت في مخيلة الأطفال في واقعنا وأي مستقبل ينتظر ذلك الطفل وهو منذ نعومة أظافره يخشى الموت؟ ويستغني عن تسوق العيد وفرحته كي لا تتطشر أشلائه مثل ما يحدث في أسواقنا.. هذه المناظر لن تغادر عيونهم وستكبر معهم مخلفة عقدا نفسية وتراكمات قهرية لتعيق المجتمع في المستقبل.. هذا هو العراق بعيون أطفاله في الحاضر.