مقال خاص| شهادة للعراق
د. وليد الزبيدي
"ما يردده العراقيون اليوم في ساحات الاحتجاج والتظاهر وفي كل مكان من شعارات وهتافات مناهضة للسياسيين الفاشلين والفاسدين والسرّاق، مطابقة مئة بالمئة لما بدأه المخلصون للعراق منذ بداية الاحتلال"
تصدّت القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال الأميركي وعمليته السياسية في وقت مبكر جدا لتسونامي الآفات التي شرعت مبكرا في نهش الجسد العراقي، تعددت هذه الآفات وتنوعت اساليبها في النهش والتخريب والسرقة، ومع الأسف الشديد راهن البعض – بسذاجة أو بمعرفة مسبقة- على تقويض تلك الآفات بالتقادم الزمني القريب، وهناك من تبنى "الديمقراطية" المزعومة والموهومة، ونفر ثالث روّج للعملية السياسية، وما يؤسف له حقا، أن نسبة كبيرة من العراقيين استمعوا إلى هؤلاء وتفاعلوا مع اكاذيبهم وخداعهم ووقعوا في احابيل الاعيبهم واستنشقوا هواء فسادهم والتهموا الطعم المسموم، وعلى الطرف الآخر تصدى المخلصون، الذين كانوا قلة، لهذا السيل الاخطر، الذي ضرب العراق في مفاصل قد تكون الاخطر في تاريخه، إذ ترعى وتدير وتخطط لكل ما يجري الدولة الكبرى في العالم و"الأخوة" الاقرب و جارتنا إيران، وشارك في نهش العراق وتخريبه القاصي والداني، العدو والكثير من "الاصدقاء"، و ما كان ليحصل ذلك لولا "حرامية البيت" وما اكثرهم بعد العام 2003.
سنوات عجاف قاسية، ثبت المخلصون على موقفهم وصمدوا وقاتلوا على كل الجبهات، رفضوا الغزو والاحتلال ونبهوا مبكرا إلى خطورة ما سمي "قانون ادارة الدولة "الذي بدأ "مجلس الحكم" يناقشه في السادس عشر من نوفمبر – تشرين ثاني 2003 حتى اقراره في الثامن من اب 2004، وتواصل موقفهم الرافض لكل ما تناسل من ذلك بما فيه دستور 2005 والحكومات المتلاحقة واتفاقية "الإذعان" مع المحتل الأميركي في نوفمبر 2008، و يمكن القول أن هناك من بدأ يدرك سلامة المشروع الوطني في العراق وصدق نوايا القائمين عليه في وقت مبكر، واخذت دائرة التأييد المباشر وغير المباشر تتسع، وقد كانت اعداد الملتحقين والمؤيدين لهذا المشروع تزداد ببطء، حتى تحول الشارع العراقي برمته مؤيدا لكل ما قاله المناهضون للاحتلال والعملية السياسية ورافضين لجميع الاسماء والعناوين والشخصيات التي سارت في ركب المحتل منذ البداية وتلك التي التحقت بمشروع المحتل في مراحل اخرى.
من الذي التحق بركب الحق والرؤية الصادقة المخلصة للعراق وشعبه؟ وما هي قناعات الشارع العراقي بالفاسدين واللصوص والكذّابين وبائعي العراق في سوق النخاسة؟ وما هو الميزان الذي يمكن الاعتماد عليه في كشف حجم التأييد للقلة القليلة التي أشّرت حجم الاخطار واهوال المستقبل من جراء "ديمقراطية " أولئك وهؤلاء. إن صوت العراقيين في ساحات التظاهر والاحتجاج وكتابات الكثيرين وشهادات البسطاء في البيوت والقرى والمدن وفي البادية والمنافي تردد في كل لحظة وفي كل ثانية ما كنّا نقوله علنا وفي التحليلات والتصريحات والبيانات، وهنا، وللأمانة التاريخية لابد من الاشارة إلى أن القلة من الذين وقفوا مع المخلصين للعراق والذين أعلنوا تصديهم ومناهضتهم للاحتلال و مشروعه في العراق لم يصمدوا جميعا امام موجات الترغيب، وفي فترات خطيرة تصور البعض أن الجدار المناهض لأعداء العراق الخارجيين والداخليين قد ينهار لينتصر الباطل –لا سمح الله- فقد انزلق البعض في وقت مبكر جدا وترجلوا عن ركب العراق ليلتحقوا بصفوف تسونامي تخريب العراق، وشهدت سنوات اواخر العقد الاول من القرن الحادي والعشرين تساقطات وانهيارات ليست بالقليلة، لكن ذلك لم يفت في عضد المخلصين الثابتين الاوفياء لمبادئهم .
ما يؤسف له مرة اخرى، أن ثمة من التحق بأولئك بعد أن بانت وبكل وضوح عورات وخطورة القائمين على مشروع تخريب وتدمير وسرقة العراق وتسليمه لدول اخرى، وتساقط البعض دون أن يقدموا تفسيرا مقنعا حتى ولو واحد في الالف لما أقدموا عليه، لماذا انزلق هؤلاء وهم يرون كل شيء بوضوح تام؟ .
المعيار الذي نعتمده في تقييم الذي حصل والذي يحصل، يتمثل في الرؤية المبكرة للقوى والشخصيات المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية، وما يردده العراقيون اليوم في ساحات الاحتجاج والتظاهر وفي كل مكان من شعارات وهتافات مناهضة للسياسيين الفاشلين والفاسدين والسرّاق، مطابقة مئة بالمئة لما بدأه المخلصون للعراق منذ بداية الاحتلال، وهكذا تطابقت وتوحدت اصوات العراق، وبينما ذهب البعض للسير في ركب العملية السياسية من الذين كانوا يحسبون على التوجه الوطني، وهم قلة قليلة جدا، فقد التحق تسعة وتسعون في المائة من الشارع العراقي بركب العراق الذي قاده المخلصون مبكرا ورفضوا كل اساليب القمع والتخويف والترهيب والترغيب، وهذا امل العراق في تسونامي مضاد لتسونامي تخريب و تدمير العراق.
شهادة للعراق فيها غصة كبيرة وامل أكبر.