بقلم| سارة جميل (كاتبة وناشطة عراقية)
جهل الشعوب لحقوقها المستحقة يجعل منها شعوبا ضعيفة تطأطئ لكل من يعطيها الجزء البسيط جدًا من حقوقها؛ لأنهم يعتبرون هذا الحق إنجاز كبير للمسؤول الفلاني الفاسد، ويمجد لأنه ساهم في إعطاء جزء من الحقوق لأصحابها.
غالبًا ما تكون شعوب تلك المجتمعات شعوب مشتتة ضعيفة يمكن أن يضحك عليهم المسؤول بكلام ووعود فارغة، وممكن أن يعدهم بأوهام ويكررها؛ ورغم ذلك يصدقها الشعب من جديد..
وقع العراق بين فكي الحيتان منذ عشرين عاما، تشتت شعب العراق وأصبح أفراده ضائعين بلا هوية وطنية ولا روح ثورية، الغالبية منتفع يبحث عن مصالحه الشخصية، كل واحد منهم يردد "أني شعليه!"، و"الآني شعلية" حرقت الوطن وأخرجت أجيالا تفتقر للروح الوطنية..
اعتاشت الحكومات المتعاقبة على الفتن والإجرام لتشتت الشعب ولذلك أي قضية مهمة أو سرقة كبيرة أو فضيحة مدوية ترتكبها الحكومة وأحزابها الفاسدة فإن التستر عليها يكون بإحداث مشكلة شعبية لإبعاد الأنظار عن جرائم الحكومة وأحزابها الفاسدة والطائفية؛ ولذلك تستخدم إثارة الطائفية لإشغال الشعب فيما بينهم وينشغل عن الأهم.
فكرة الطائفية لحد الآن المشروع الأنجح لإشعال الشارع لصالح الأحزاب، بأي لحظة فكرة المظلومية لفئة دون الأخرى، حتى لو كانوا هم أنفسهم يحكمون لكن سيقنعون أتباعهم أنهم مظلومون وإن هناك مؤامرة ضدهم حتى لا يحكمون..
نعم هي نكتة سوداء لا يصدقها أصحاب العقول الناضجة، وللأسف سيصدقها أصحاب العقول المغيبة والذين يحتكمون بعواطفهم بدل عقولهم، هؤلاء المغيبون فكريًا يساهمون بضاع الوطن سواء علموا بذلك أم لم يعلموا، وبسببهم سيبقى أبناء الوطن يدفعون الثمن غاليًا
أي شخص جاهل لحقوقه لا يمكنه أن يكون مؤهلا لأي حركة احتجاجية أو موقف وطني، فصاحب هذا العقل سيتأرجح بين هذا وذاك، سيأخذه الحماس لاقتلاعهم ويرجعه الخوف من تسلط غيرهم، نعم هو يعلم أنه مسروق ومظلوم لكن بنظره القاصر وجودهم خير من غيرهم!!
هذا المنطق الأعوج خلق أجيالا ضعيفة تقبل بالذل ولا تأبه لحقوقها ولا تطالب بوطنها.. التفكك والازدواجية التي يعاني منها الغالبية جعل من أبناء البيت الواحد بينهم يتقاتلون وكأنهم أعداء، استطاع السياسيون النجاح بزعزعة العراقيين وهذا يحسب إنجاز لهم لأن الشعوب إن تشتت ضاعت وإن توحدت بنيت وتعمرت
فبدل أن يخرجوا متوحدين ضد النظام بأكمله ويطالبون بإزاحة كل من جاءنا على ظهر الدبابة، أصبحوا يخرجون من أجل قانون انتخابات تافه لا يقدم ولا يؤخر، فهم بقانون وبدونه يحكمون وإن تغيرت أشكالهم فالنظام هو نفسه لن يتغير، والمؤسسة هي نفسها، الذي يحصل بعد الانتخابات دومًا هو إعادة تدوير النفايات وتوظيف نفس الأشخاص بوظائف غير التي كانوا يشغلونها!
ينقص الكثير من الشباب الذين يكون عماد البلدان دائما، ينقصهم الفهم لما يحتاجونه من أجل إعادة بلدهم، والإدراك أن الخلل ليس بقانون، الوعي بأن لا يسيطر عليهم رجل دين ويحركهم كيفما يشاء، ويحول مطالبهم من إزاحة النظام الفاسد إلى قوانين لا تقدم ولا تأخر، ينقص شبابانا أن يعلموا أن الانتخابات لن تغيير واقعهم ولن تزيح الفاسدين، فالذي يملك المال والسلاح والمسيطر على كل مفاصل الدولة هل سيعطيها بقانون!؟
العقل والمنطق يقول لن يعطيها وسيقاتل من أجل بقائه بهذا الموقع ولن يتزحزح بانتخابات لو انطبقت السماء على الأرض!
اليد الواحدة هي الحل الوحيد للخلاص، حتى التظاهرات والخيم لم تعد تجدي نفعا وحدها؛ لأننا جربناها سابقًا وشبه فشلت بعد أن اخترقت الميليشيات المتظاهرين وشتتهم، فإذن ليس أمامنا إلا التثقيف لحقوق الشعب، ووحدتنا، وإنشاء مجالس شعبية من الشباب الواعين وثورة عارمة لا تترك لهم أثرا؛ وممكن أن يقول قائل إن هذه فكرة انتحارية لكن بعد كل الدماء التي خسرناها هي الفكرة الوحيدة التي ستزيحهم، هم يملكون كل مقومات البقاء من قبول دولي ومن مال وسلاح ومن جمهور مغيب فكريًا، لكن العراق ليس عقيما على ولادة أجيال وطنية، ولن يخلوا من المثقفين الوطنيين، وبالتأكيد لن تؤثر الأصوات البشعة على من يريد وطن..