الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات أقدم وأول ثورة إصلاحية في الكرة الأرضية

بقلم|| ياسر التركي (باحث في حضارة بلاد الرافدين)

ثورة لكش أول ثورة في التاريخ العالمي على المعابد والأمراء الفاسدين...

لكش واحدة من أهم وأعرق دولة في فجر السلالات السومرية 2900_2370 ق.م. كانت مركزا سياسيا واقتصاديا ودينيا وثقافيا مهما. بلغ عدد سكانها حوالي 100,000 نسمة يتوزعون على ثلاثة مدن رئيسية هي. (لكش/العاصمة) تل (الهِبة)، (جيرسو) تلول، (نينا) زرغل. ويتبع هذه المدن عدد كبير من القرى الصغيرة والمتوسطة ليغطي حجم هذه الدويلة مساحة كبيرة من الأرض تقدر بحوالي 3000 كم2، كانت هذه المدن تمتد بخط واحد على بُعد عشرة أميال من مدينة (الشطرة) في محافظة (ذي قار). تأسست في هذه الدولة سلالة حاكمة قوية في عصر فجر السلالات الثاني 2800_2550 ق.م أسسها الأمير (أورنانشة) استمرت بالقوة والتعاظم حتى آخر حاكم قوي فيها هو الأمير(أنتيمينا)... كانت مؤسسة المعبد في هذه الدويلة تمثل سلطة قوية مستقلة تضاهي السلطة السياسية حيث امتلكت لحسابها الكثير من الأراضي الزراعية، كما وقع تحت إدارتها أكثر من عشرين معبداً لمختلف الآلهة الكبار مثل (آنو) و(أنكي) و(أنانا) و(أوتو) وغيرهم. كانت الزراعة المصدر الرئيس للاقتصاد أضافة للتجارة مع البلدان البعيدة مثل (دلمون) و(مكان) وحتى (وادي السند) وبمختلف البضائع ... لعل ما ميز تاريخ هذه الدولة هو صراعها الطويل مع دويلة (أوما) المجاورة لها، الذي استمر لأكثر من مائة عام من أجل السيطرة على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، الذي انتهى (بشكلٍ مؤقت) بإبرام معاهدة سياسية لتقاسم المصالح الاقتصادية ومصادر الإرواء بين الطرفين بوساطة وتحكيم الملك (مَيسلم) ملك دولة (كيش)، وتعتبر أقدم معاهدة سياسية في التاريخ.

لقد حتمّ صراع بهذا الحجم أن يكون للدويلة جيش قوي ومنظم تفاخر به أمراءها، وقدر تعداده بحوالي 9000_10,000 محارب بين قائد وجندي. وقد اعتبر قادة هذا الجيش من الطبقات العليا في المجتمع ولهم حقوق وامتيازات خاصة. أما بقية رتب الجنود فكانوا من البسطاء من عامة الشعب.

أوضاع الدويلة قبيل الثورة

في حدود عام 2400 ق.م أي في أواخر عصر فجر السلالات الثالث، ونتيجة الحروب الطويلة مع دويلة (أوما) والدويلات الأخرى. ونتيجة سوء الإدارة التي تمثلت بخلفاء الأمير (لوكّالندا) الذين انشغلوا بحياة البذخ والإسراف والاهتمام فقط بالجانب العسكري، مهملين أسس اقتصاد الدويلة المتمثل بالزراعة وما تحتاجه من استصلاح للأراضي وإقامة مشاريع الري، كذلك إهمال التجارة الخارجية وما كانت توفره من احتياجات مختلفة لعموم المجتمع. كل ذلك أصاب الاقتصاد العام بالشلل والركود. وتذكر بعض النصوص أن السلطة الحاكمة حاولت معالجة هذه الأوضاع السيئة بمساندة من مؤسسة المعبد عن طريق فرض ضرائب كبيرة على الشعب شملت جميع العاملين في مرافق ونشاطات الحياة المهنية كالحرفيين ومربي المواشي والصيادين والفلاحين. كانت تذهب هذه الضرائب إلى الحكام وحاشيتهم والطبقة المترفة لتأمين استمرارية ترف حياتهم. كما فرض المعبد هو الآخر ضرائب فاحشة على قضايا الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والإرث وتسجيل الولادات ورسوم الدفن. بل ومن أجل الحصول على المزيد من الموارد المالية. في ضوء ذلك أصبح جباة الضرائب المعّينين من قبل السلطة الحاكمة يجوبون كل أنحاء البلاد للاستيلاء على كل ما يمكن الحصول عليه. ومن لا يتمكن من الدفع كانت تتم مصادرة أملاكه أو إيداعه في السجن لحين السداد. أما طبقة العمال البسطاء فقد فرضت عليهم بدلا من ذلك أعمال السخرة القسرية التي شملت حتى فاقدي البصر منهم، وبلغت القسوة من الحكام أنهم لم يكونوا يجهزونهم بما يحتاجونه من قوت. فأصبحت هذه الطبقة تعاني البؤس والحرمان وتذكر النصوص (أن العمال والشغيلة صاروا يستجدون من البيوت ويأكلون فضلات الطعام من أبواب المدينة بينما مخازن الحكام وحاشيتهم مليئة بالحبوب). كما قامت السلطة الحاكمة بإطلاق سراح المجرمين واللصوص من السجون لتوفير طعامهم. فانتشرت الجريمة والسرقات بشكل كبير ... كل هذه التراكمات جعلت البلد في حالة غليان عنيف توّج بشكل ثورة فيما بعد.

الثورة

كانت بدايات الثورة عبارة عن بضع حالات عفوية من التمرد بعدم دفع المستحقات الضريبية ورفض الكثير من البسطاء الذهاب إلى أعمال السخرة القسرية وإعلان حالة العصيان. ثم تطور الأمر بعد ذلك ليتم تشكيل مجموعات من الشباب الجَوعى أخذت تهاجم مخازن وقصور الأثرياء للحصول على الطعام. وتذكر بعض النصوص (أن الثوار كانوا يهاجمون الأثرياء وأتباع الطبقة الحاكمة ويستولون على ممتلكاتهم وما بحوزتهم من مؤونة)، أخذت الهجمات بالازدياد يوما بعد يوم، تحولت فيما بعد الى هياج شعبي كبير ثم فوضى عارمة في عموم الدويلة بالأخص العاصمة (لكش)، حتى تفجرت الأوضاع بشكل ثورة جماهيرية كبيرة أطاحت بالسلطة الحاكمة لتأتي بسلطة جديدة من الشعب. وبالرغم من كثرة النصوص التي أوضحت الحال قبل وبعد الثورة إلا أنها لم تتناول كيفية تنفيذها إلا من بعض إشارات مثل (ضُربت السلطة من قبل الجنود) و(سيطرة الجنود على القصور والمعابد). وما يمكن استنتاجه من سير الأحداث، هو أن الطبقات الصغيرة من الجنود الذين كانوا يعانون بما يعاني شعبهم قد استعانوا بالجماهير الغاضبة للهجوم على قصور الأمراء والمعابد والاستحواذ على مخازن الطعام لتوزيعها على الناس... بعدها ظهر اسم (أوروانمكينا) الذي يقرأ في بعض المصادر بشكل مخطوء (أوركاجينا)، كقائد للثورة وأميراً جديداً لدويلة (لكش). أشارت بعض النصوص أنه كان من صنف الكهنة الكتّاب الذين كانت تناط بهم مهمة التدوين داخل المعابد، وتعتبر هذه الشريحة من الطبقة الوسطى في المجتمع. لذلك فإن (أوروانمكينا) جمع بين خلفيته الثقافية العالية وانتمائه الطبقي لعامة الناس الذي جعله يحس بما يعانيه أبناء شعبه. لكن لم تذكر أو تشير النصوص فيما إذا كان الأمير الجديد متواطئ مع قوة الجنود التي أطاحت بالحكم السابق أو أنه تم اختياره لتولي الحكم من قبل الجماهير والجيش بعد نجاح الثورة... ومن المرجح أن يكون الاحتمال الأول.... بعد توليه الحكم ضمن مباشرة تأييد الطبقات المُتعبة وعموم الجماهير التي كانت تنتظر رفع الظلم والاضطهاد عنها.

بدأت انجازات (أوروأنمكينا) مباشرة بعد الثورة تصب في مجملها لخدمة الطبقات الفقيرة والمُعدمة من الشعب توزعت بين أعمال آنية عاجلة تمثلت بأطلاق سراح المسجونين بسبب الديون أو الضرائب، وإلغاء أعمال السخرة القسرية، محاربة الجريمة ومعاقبة المجرمين بعقوبات قاسية تصل إلى حد الرجم، وقف عمليات الاستيلاء على أراضي الناس وممتلكاتهم ومواشي الرعاة ومراكب الصيادين، فتح كافة المشاغل والحوانيت دونما قيود. كما قام بتحسين الأوضاع الاقتصادية بحملة كبيرة لإصلاح الأراضي الزراعية وتحسين وتطوير مشاريع الري وتشغيل الكثير من الفقراء للعمل فيها لقاء أجور مستحقة. وكذلك حاول تنشيط التجارة الخارجية بإرسال مبعوثين له للدويلات الأخرى القريبة والبعيدة لفتح أبواب جديدة للتجارة. ومن جانب آخر قام هذا المصلح العظيم ولضمان عدم استغلال الشعب مجدداً بوضع إصلاحات قانونية واجتماعية تنظم حياة المجتمع آنذاك، وتعتبر أولى محاولات تشريع القوانين في التاريخ. دونت على مسلة كبيرة وضعت في وسط مدينة (لكش)، للأسف لم تصلنا لكن ما وصل منها عبارة عن بعض الألواح المسمارية المقتبسة لبعض من نصوصها، يذكر (أوروأنمكينا) في مقدمة تشريعاته ((أنه منذ اليوم سيكون سلطان الآله (ننكرسو) إله (لكش) فوق سلطان الحكام)) ... و(سيضع العدل والمساواة بين أفراد الشعب) كما عاهد شعبه (أنه لن يسلم الأرملة واليتيم والضعيف إلى القوي، والفقير إلى الغني) و(سيكون بيت الفقير بجانب بيت الغني).

كما ذكر هذا المصلح لأول مرة في التاريخ كلمة (الحرية) التي تقرأ باللغة السومرية (أماركي) حيث ورد (أن الحرية ستكون لكل فرد في لكش)... لقد تناولت تشريعات (أوروأنمكينا) مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... حيث قام بإلغاء العديد من الضرائب المفروضة على حالات الزواج والطلاق وضرائب العمل والمشاغل وغيرها من الأعمال البسيطة الأخرى، كما خفض بعضها إلى حد معقول. وأيضاً منع وحرم زواج المرأة برجلين وعاقب متعاطيه بعقوبات قاسية. كذلك حارب الجريمة وعالج أسبابها مع تنظيم عقوبات خاصة لكل منها، ولم يغفل أيضا الجانب السياسي فقام بتقييد سلطات طبقة الأمراء وتحديد تدرجهم بما فيها هو نفسه... حيث بقى بمنصبه (أينسي) أي أمير لعدة سنوات، ثم بعد أن حصل على تأييد بقية المدن مُنح لقب (لوكال) أي ملك.

النهاية

استمرت فترة حكم (أوروأنمكينا) ثماني سنوات، وبالرغم من التأييد الشعبي الكبير التي حظيت به سلطة (الثورة) وإصلاحاتها من قبل عموم الشعب لكنها بنفس الوقت جابهت مقاومة عنيفة من قبل الطبقات المترفة والثرية التي ضُربت مصالحها وفقدت امتيازاتها نتيجة هذا التحول الكبير. لذلك أخذت تخلق البلبلة والفوضى بغية زرع حالة من عدم الاستقرار في عموم الدويلة وإحداث المؤامرات بين الحين والآخر، ساعدها في ذلك الإمكانيات المالية الكبيرة التي تمتلكها التي وفرتها لرشوة المرتزقة والمجرمين الذين سبق وأطلقتهم من السجون للقيام بهذه الأعمال. وقد لاقت هذه الهجمة أيضا دعما من بقية الدويلات الأخرى التي أرادت خنق هذه الثورة في مهدها بأي شكل من الأشكال بعد أن أحست بالخوف من انتقال تلك التجربة إليها، خاصة عدو (لكش) القديم المتمثل بدويلة (أوما). لقد زادت هذه المؤامرات من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدويلة المتعبة أصلا منذ الفترة السابقة، لاسيما أن اصطلاحات (أوروأنمكينا) لم يمنح لها الوقت الكافي لتأتي ثمارها في استقرار الأوضاع العامة.

فاستغلت دويلة (أوما) التي كانت قوتها العسكرية في تعاظم مستمر تحت حكم ملكها (لوكال زاكيزي) الحالم ببسط نفوذه على باقي الدويلات السومرية، منتهزة فرصة سوء تلك الأوضاع المضطربة لتشن هجوما كبيرا مباغتا بمعاونة المناوئين للثورة من الطبقات الثرية ليقوم بتدمير وحرق مدينة (لكش) بالكامل وقتل ملكها المصلح الحكيم (أوروأنمكينا)

وقد رثى الأدباء السومريون تلك الفاجعة التي أصابت (لكش) بمرثية رائعة، تعتبر واحدة من أروع نصوص الأدب السومري.... لتنتهي هذه الثورة العظيمة تلك النهاية المفجعة وتطوى معها إحدى الصفحات المشرقة من تاريخ الشعب العراقي العظيم.

مقالات متعلقة