الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات إفلاس المصارف الأمريكية والأوروبية: الأزمة المالية العالمية تطل برأسها

بقلم| عمر الحلبوسي (كاتب وباحث سياسي)

لم يعد يخفى على أحد حجم الانهيار الذي يتعرض له القطاع المالي والمصرفي الأمريكي على وقع رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم وسوء الإدارة ونقص الدولار جراء السياسات الخاطئة التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة والتي تلقي بظلالها اليوم لتشكل عثرة كبيرة في القطاع المالي والمصرفي الأمريكي الذي بدأ يتهاوى واحدا بعد الآخر كأحجار الدومينو مما تسببت بذعر كبير للمودعين الذين سحبوا ودائعهم من المصارف للمحافظة عليها أو إيداعها في مصارف أخرى أكثر أمان على وقع التخبط والتناقض الكبير بين بنك الاحتياطي الفيدرالي وبين وزارة الخزانة الأمريكية اللذين يطلقان تصريحات متناقضة تسببت في إرباك القطاع المصرفي مما عزز من خسائر هذه المصارف.

إن الانهيار الحاصل في القطاع المصرفي سبق وأن تنبأنا به في مقالات سابقة بناءً على مجموعة من المعطيات وسوء القرارات التي اتخذتها المؤسسات الأمريكية التي فاقمت من الأزمة وجعلت الأزمة المالية العالمية تطل برأسها لتشكل الخطر القادم الذي سيغير شكل العالم وتراجع مكانة الدولار في الأسواق وفقدان الثقة به مع ترشيح صعود عملات أخرى (الروبل الروسي, واليوان الصيني, الريال السعودي, الدولار الاسترالي) ويأتي هذا التراجع للدولار ليخفي معه عقوداً من الهيمنة وسط تفاقم الصراعات الجيوسياسية في العالم وصعود التنين الصيني برفقة الدب الروسي مع مزاحمة عربية ليست بالقليلة تقودها المملكة العربية السعودية.

لقد جاء انهيار بنك سيلكون فالي ليكشف حقيقة هشاشة القطاع المالي والمصرفي الأمريكي ليخسر خلال أسبوع واحد ما بناه البنك منذ عام 1983 رغم أن الأصول التي يديرها المصرف (212 مليار دولار )وجاءت أسباب خسائر بنك سيلكون فالي بسبب تطرفه في الاستثمار في سندات الخزينة والتي تراجعت قيمتها مع كل رفعة لأسعار الفائدة يضاف لها سوء إدارة المصرف التي لم تحسن إدارة الأزمة, فضلا عن أن البنك في آخر ثمانية شهور كان بلا مدير إدارة المخاطر وهذه واحد من الكوارث التي ارتكبها البنك, ثم توالت عمليات السقوط البنوك الأمريكية ليأتي الدور على بنك سيغنتشر الذي انهار بنفس الأسبوع مع بنك السيلكون فالي رغم أن بنك سيغنتشر يمتلك أصول تحت الإدارة قيمتها (110 مليار دولار), ثم تبعهم بنك سيلفرغيت الذي هو الآخر سقط رغم أنه يدير أصولا بقيمة (11,4 مليار دولار )ليكون الأسبوع الأعنف على القطاع المالي والمصرفي الأمريكي الذي أفلست به ثلاثة مصارف.

ثم أخذت هذه العدوى بالانتقال إلى بنوك أخرى لتقع ستة بنوك على خط الإفلاس وفي طليعتها بنك فيرست ريبابليك الذي يعاني من خسائر كبيرة في اسهمه رغم ضخ مبلغ (30 مليار دولار) من قبل البنوك الأخرى والفيدرالي الأمريكي, لكنها لم تنجح بل ما زال المصرف يأخذ بالانحدار التدريجي على وقع اشتداد الأزمة المالية والمصرفية في الولايات المتحدة الأمريكية, ثم جاء الدولار على مجموعة بنوك أخرى تعاني من خسائر وتراجع في أسهمها وهروب المودعين منها وهي (ComericA, UMB, INTRUST Bank, ZIONS BANCRPRATION, Western Alliance Bank) التي منيت بخسائر كبيرة في أسهمها وسط عدم الإفصاح عن الحقيقة من قبل الفيدرالي الأمريكي, ثم تلاها بعد ذلك خسائر أخرى كبيرة بالأسهم أصابت مجموعة بنوك أمريكية وهي ( U.S. BANCORP, FIFTH THIRD BANCORP, CUSTOMERS BANCORP, PACWEST BANCORP) لتشكل خسائرهم مليارات الدولارات خلال أسبوع واحد مع تعاظم مشكلة هشاشة القطاع المالي والمصرفي الأمريكي.

إن خسائر في القطاع المالي والمصرفي الأمريكي لم تقتصر على الصغار, بل إن كبار بنوك الولايات المتحدة الأمريكية أصيبت بهذه العدوى جراء المخاوف الكبيرة التي تعصف في القطاع المصرفي الأمريكي وتفاقم أزمة إفلاس بنك سيلكون فالي, فقد سجل القطاع المصرفي الأمريكي أكبر خمسة خسائر شكلت مجتمعة اجمالي الخسارة (99 مليار دولار ) خلال أسبوع واحد توزعت على (بنك تشارلز سواب 35 مليار, وبنك اوف أمريكا 30 مليار, وبنك ويلز فارجو 14 مليار, وبنك جي بي مورجان 10 مليار, وبنك مورجان ستانلي 10 مليار) لتعظم من خسائر القطاع المالي والمصرفي الأمريكي الذي تعصف به أزمات الإفلاس والتضخم وأسعار الفائدة وسوء الإدارة لتتكامل هذه الرباعية لتشكل عماد الأزمة المالية العالمية.

إن عدوى إفلاس المصارف لم تقتصر على الولايات المتحدة الامريكية فحسب, بل نفذت الى أوروبا لتطل بأحد أكثر لبلدان استقرارا وهي سويسرا التي شهد إفلاس واحد من أعرق البنوك وهو كريدي سويس الذي مني بخسائر كبير عجز عن تداركها مما جعل البنك المركزي السويسري يدفع ببنك UBS لشراء البنك بصفقة تجاوزت 3 مليار دولار بعدما فقد بنك كريدي سويس أكثر من 60% من قيمة أسهمه مما جعل السلطات السويسرية تسابق الزمن لإنقاذ البنك الذي تأسس قبل 167 عام, إن خطوة الاستحواذ هذه ستبوء بالفشل وسيكون انعكاسها سلبي يفاقم الأزمة المالية العالمية والنظام المالي العالمي على كف عفريت وصناع القرار يتخبطون, إذ أنه من الصعب جدا تدارك الأزمة واحتوائها, بل سوف تهوي بالاثنين معا وإن هذه الخطوة ليست احتواء إنما محاولة تأجيل موعد الكارثة وهذا التأجيل سيكون وقعه أشد مما لو حدثت الازمة المالية العالمية الآن.

إن الأزمة المالية العالمية التي أطلت برأسها من الولايات المتحدة الأمريكية سبق وإن حذرنا منها مع بروز المعطيات التي كانت تنبؤ بذلك وتفاقم الازمات المعقدة التي عجلت بحدوث هذه الأزمة التي أصبحت واقعا لا محال وستتأثر بها القطاعات المالية التي ارتبطت بشكل كبير مع الولايات المتحدة الامريكية لتحكم بعد ذلك هذه الازمة على العالم الذي سيكون لها ما بعدها والعالم بهذه الأزمة ليس كما هو الآن, فإني أرجح تراجع كبير للدولار على وقع انعدام ثقة المستثمرين به, فضلا عن صعود عملات أخرى اشرنا لها سابقا مع تنامي قوة التنين الصيني الذي بدأ يتحرك بذكاء حاذق وخطط استراتيجية سوف تنهي سياسة القطب الأوحد لتفرض الصين نفسها شريكا في قيادة العالم لا يمكن تجاوزه.

مقالات متعلقة