افتتاحية الميثاق
أنظمة الحكم في دول العالم تتبنى قانون العفو العام مسارا مهما في طريقة حكمها؛ لأنها تعمل على صناعة الاستقرار وإعطاء فرص ثانية ليكون الأفراد مندمجون في المجتمع وفق برامج معدة سلفا، وهذه القرارات الجوهرية في بناء الدولة تشمل المدانين، هذه السياقات الطبيعية نجد عكسها تماما في العراق بعد احتلاله عام 2003، ضمن ما يسمى العملية الديمقراطية التي فرضتها أمريكا وإيران على الشعب العراقي رغما عن إرادته واختياراته.
حيث يقر الجميع بما فيهم أحزاب السلطة أن الأبرياء من المعتقلين والمعتقلات العراقيين يقبعون في السجون الحكومية ظلما وجورا وأغلبهم من دون محاكمات أو محاكمات صورية غير عادلة، كما أصبح بالدليل القاطع لجميع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية أن جميع المعتقلين انتزعت اعترافاتهم تحت التعذيب المميت والتهديد باعتقال الزوجة أو البنت أو الأم، فضلا عن توقيعهم أوراقا بيضاء يكتب فيها المحققين الجرائم التي يريدونها وينسبونها للمعتقل؛ وهذه الانتهاكات في كفة وما يفعله المخبر السري بحق العراقيين الأبرياء في كفة أخرى ظالمة لم يسجلها التاريخ سوى في هذه الحقبة من تاريخ العراق؛ حيث يتهم المخبر السري إنسانا عراقيا بعدد من التهم؛ والقضاء يصدر قراره بناءً على اتهامات المخبر السري المقدس عندهم، والضحية هو المعتقل الذي لا يعرف من هو المخبر السري، فالكثير منهم تجده من النجف والمعتقل من الأنبار أو الموصل أو تجده من بغداد والمعتقل من شمال بابل، وهكذا هي الوقائع الميدانية الحقيقة، وبالرغم من هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلا أن أحزاب السلطة الموالية لإيران وبمرجعية النجف التي يصفها الساسة بأنها صمام أمان العملية السياسية لم تحرك ساكنا تجاه ملف المعتقلين والانتهاكات ضدهم، وانحصر دور المرجعية بدعم الطائفية المذهبية لحكم العراق مما تسبب بانهيار العراق وتراجعه يشكل كبير وخطير جدا.
ولذلك انتقد الناشطون العراقيون صمت المرجع السيستاني على الاغتيالات التي تنال العراقيين ولاسيما متظاهري تشرين، وكذلك استقباله واهتمامه بأصحاب أراضي الجادرية وصمته عن الاستيلاء على أوقاف السنة وأراضي جرف الصخر وقرى نهر الإمام وغيرها؛ مما اعتبروه انحياز للظلم الذي تمارسه أحزاب السلطة بحق العراقيين، واليوم نجد الإطار التنسيقي يقف ضد إصدار قانون العفو العام الذي هو استحقاق للأبرياء وإنصاف للمظلومين وباب لإخراجهم من سجون الموت وإنقاذ أسرهم وأولادهم وإعادة بناء المجتمع في إطار التعايش السلمي والوئام الاجتماعي.
إلا إن الأحزاب الطائفية مازالت تمارس الغدر في كل اتفاقاتها السياسية مع الآخرين ومع الشعب العراقي، وما يحدث في كركوك من أحداث دامية هي نتاج لغدر الإطار التنسيقي وتغليب المصلحة الإيرانية على العراقية، وإيجاد ذرائع للتهجير القسري، ومن يتمعن جيدا يرى إنجازات حكومة الإطار تمثلت بإفراغ قانون العفو العام من محتواه وعدم إرجاع نازحي المدن المحتلة من الميليشيات كجرف الصخر، وبيع أم قصر وميناء الفاو والموانئ الأخرى بالربط السككي وبيع 32 كيلو من منفذ الشلامجة لإيران، في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر، والخوف الحقيقي الآن على وحدة العراق التي تسعى هذه الحكومة لتقسيم المناطق تماشيا مع مشروع الفدراليات التي كتبها المحتل ووافق عليه التحالف الشيعي بمباركة مرجعية النجف وإيران، وتمرير الدستور بمسرحية الاستفتاء الباطلة، وهي حقائق تاريخية لا يمكن تجاوزها لأننا نعيش نتائجها السلبية؛ مما يجعلنا نحذر الجميع بأن العراق يمر بمنعطف خطير من تاريخه الحالي وفق معطيات ما يحدث في سوريا ومشروع عدم الاستقرار للمنطقة المعمول فيه.