افتتاحية صحيفة الميثاق| العدد (17)
ثورة العشرين تاريخ الأجداد وأمانة الأحفاد في استعادة البلاد
التاريخ بحد ذاته هو أمانة؛ وعندما يكون التاريخ مجيدًا وأفعاله محمودة وصنّاعه رجالًا يفتدون أوطانهم بأعمارهم، وآمالهم بدمائهم؛ فحينئذ تكبر الأمانة، وتعظم المهمة، وتصغر نوازع الأثرة والخوف على النفس؛ فتبذل رخيصة في سبيل القضايا المصيرية: أفكارًا أو معتقدات.
وهكذا كانت ثورة العشرين في العراق فخرًا ومجدًا وإرثًا وأمانة تعاقب على المحافظة عليها أبناؤها الثوار وأبناؤهم، وأبطالها المجاهدون وأحفادهم، وبما يجعل من هذه الثورة وتأريخها معينًا مستمرًا لا ينضب لاستلهام المواقف والعبر، والدروس والسير في كيفية استعادة البلاد وبناء الأوطان ومدافعة الشرور.
ومازالت هذه الثورة تمدنا بشواهد الواقع المتكررة في زماننا؛ فقد تعرض عدد من قادة العشرين ورجالها، الذين بذلوا ما يستطيعون وقدموا ما يطيقون؛ إلى شتى أنواح الإبعاد والإزاحة، وتشويه الصورة وتغيب الدور وغمط الحقوق، ودارت عليهم دوائر الشر التي جاءت مع الاحتلال كما تدور دوائر الشر علينا منذ ساعة الاحتلال عام (2003) وحتى اللحظة.
ولعل سعي هذه الدوائر الشريرة (الحديثة) ظاهر للعيان من خلال سعيها المحموم؛ لإبعاد أخبار الثورة الحقيقية ووقائعها التفصيلية وعلائقها الوطنية، عن جيلنا الشاب المعاصر؛ خشية أن توقد فيهم روح الثورة وتعيد فيهم نخوة الوطن التي يعرضها الآن (باعة الوطن) بأسعار بخسة، ويقايضون بلادهم وما فيها مقابل كراسٍ هزيلة أو دريهمات -مهما كثرت فهي قليلة- أمام قيمة الوطن والوفاء له والولاء له لا لغيره.
إن تاريخ ثورة العشرين حافل بكم كبير من المواقف الأصيلة والقصص النبيلة، التي لها صلة وثيقة بما نعانيه في أيامنا الصعبة، ونعيشه في سنوات الاحتلال العصيبة والمتطاولة. وفيها أيضا من المعلومات الكثير مما يمكن أن يكون خير رادع ومانع لفذلكات المتساهلين والمتخاذلين والمتهاونين والمبررين، وما أكثرهم.
ولعل استعلاء (أهل الولاء لغير أهلهم) هذه الأيام، وفشو مظاهر استفزازهم لمشاعر العراقيين؛ تعيد إلى الأذهان عجرفة المحتل البريطاني واستطالته على أرواح العراقيين وأعراضهم وأموالهم؛ وهي العوامل التي سرعت في اشتعال ثورة العشرين واندفاع العراقيين للدفاع عن عزيز ما يعتقدون، وكريم ما يملكون. وهذه سنة كونية وعادة تاريخية لا تتخلف؛ وإن هي تأخرت أو طال انتظارها؛ فإن قادم الأيام كفيل بإعادتها، وقمينٌ ببث روح ثورة العراقيين الكبرى (ثورة العشرين)، من خلال ثورة كبرى أخرى تقتلع باطل النظام السياسي القائم من الجذور.