الإعدام بدافع الانتقام
بقلم| مكي النزال (عضو اللجنة العليا للميثاق)
عندما قتل الصهاينة شخصًا لبنانيًا انتفضت السلطات (العدلية) في العراق فأعدمت خمسة وأربعين رجلًا عراقيًا من السجناء المظلومين القابعين في سجن (الحوت) الرهيب الممتلئ بالأبرياء المدانين وفق قوانين إرهابية كتبها الأمريكان لينفذها أتباعهم بتفان وإصرار عجيب! عدو غريب معروف هو من قتل صاحبهم وهم ينتقمون ممن لا يمتون له بصلة، بل العكس فالمعدوم ابن بلد الذين يعدمونه.
يذهل المراقب لتنفيذ أحكام الإعدام في العراق المحتل كما ذهل من قبل لإصدارها وفق وشايات بعضها لأسباب العداء الشخصي وبعضها الآخر أن الواشي يقبض مبلغًا كبيرًا على كل (رأس) يتسبب في قطعه.
الذهول الأكبر يتأتى من هذه الرغبة المخيفة في القتل الجماعي المستمر لأكثر من عقدين من الزمان. لماذا كل هذا التعطش لقتل أبناء البلد بينما الأعداء يصولون ويجولون ويقتلون الأبرياء في أماكن أخرى من حدود العرب؟
كان الناس يسمعون بقوانين محلية وأخرى دولية تقضي بأن تقوم السلطات التحقيقية بأقصى متطلبات التقصي وأدق التحقيقات المدعمة بالأدلة القاطعة التي لا تقبل أي مجال للشك وترفقها بقرائن ومبرزات جرمية وشهود (عدول)؛ كل ذلك قبل أن تحيل المتهمين إلى القضاء لتبدأ جولة أخرى من التمحيص والأخذ ببعض ما جاء من المحققين ورفض بعضه الآخر وقد تأمر بإعادة التحقيق من جديد توخيًا لتحقيق العدالة وخشية من إنزال العقوبة الرهيبة بحق المشتبه به.
ثم تبدأ المحاكمات لتستمع إلى الجميع ومنهم المتهم ومحاموه ليطول السجال وتتعدد الجلسات والكل حريص على تحقيق تلك الكلمة المقدسة في الأرض والسماء، ألا وهي (العدل).
هنالك مرحلة أخرى هي الاستئناف والتمييز حيث كبار قضاة البلد وأكثرهم حكمة ودراية بالقوانين والأعلم بطرق تطبيقها.
بعد كل هذا يأتي دور رئيس البلاد المحاط بلجانه الاستشارية التي تدرس قضايا أحكام الإعدام بدقة قبل أن ترفعها إلى الرئيس لغرض المصادقة عليها.
وبعد كل هذا السرد الدقيق حق للعراقي أن يتساءل: كيف حل مخبر سري تافه وجشع وحاقد محل كل هؤلاء الجهابذة؟ عشرات الآلاف أعدموا أو هم الآن مصطفون في طابور الانتظار ليعدموا وهم يقبعون في أقسى سجون العالم حيث فساد السجانين وقسوتهم وحقدهم المتجذر في أرواحهم.
كيف يوقع رئيس بلد مصادقًا على هذه الأحكام وهو يعلم حق العلم أنها جائرة ولا تستند إلى دليل سوى الوشاية وانتزاع الاعترافات بالتعذيب؟
أللهم إنك تسمع وترى.