الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التأريخ الأسود.. الذكرى 21 .. الغزو الأمريكي للعراق ..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

التاريخ الموجع المشؤم أسوأ يوم في حياتي فكل شيء تحول إلى رماد و دخان، ضربات وحشية تنم عن حقد دفين تجاه الأرض والشعب، لم أر سوى دموع تنهمر من عيون الرجال والنساء على حدٍ سواء وهم يرون آلية الاحتلال العسكرية بدأت تتسكع في شوارع العصمة بغداد وانتقلت لباقي المحافظات مع شرذمة من المرتزقة ممن جاؤوا بصحبة المحتلين يرتدون ملابس مدنية ويتحدثون بلكنة غريبة لم نعتد عليها إلا في القنوات الفضائية ويدعون أنهم من أهل العراق. منذ ذلك اليوم بدأت رحلة الدمار التي قادتها أمريكا الشر ومرتزقتها، كان أول أهدافها سيطرة قواتها على المتحف العراقي ودار المخطوطات ووزارة النفط العراقية (21) عاما ونحن نبحث عن أرضٍ وعن هوية، حولونا إلى مذاهب وقوميات وعشائر متناحرة بعد أن كنا عراقيين هويتنا رافدينية، رغم اختلاف عراقنا، انقضوا كوحوش مفترسة على مؤسسات دولتنا العتيدة فهدموها ونشروا الجهل والخرافة والانحلال، نعم فهذا دين الاحتلال فلا تطور ولا تنمية ولا إنتاج طالما البلد يرزح تحت نير الاحتلال.

في ذلك اليوم كل عراقي مخلص بكى بحرقة عندما رأى مشهد الدبابات الأمريكية تتجول في شوارع بغداد، هذا اليوم كان أشد وأقسى مشاهد الحرب الظالمة التي شنها بوش الصغير وتحالفه على العراق بحجة كذبة أسلحة الدمار الشامل، حيث قام طيران التحالف الذي قادته الولايات المتحدة بتكثيف قصفها على جميع المواقع العسكرية والمدنية والحيوية في كل محافظات العراق مما تسبب بسقوط الشهداء من المدنيين الأطفال والنساء والمسنين..

التاسع من نيسان (أبريل) ليس مجرد موعد لذكرى سقوط بغداد، بل هو تأريخ لحقبة الانهيار العربي الكبير الذي بدأ في مثل هذا الأيام من عام 2003 ومازال مستمراً بأيدي الغزاة مرة، وبأيدي الخونة مرات ومرات..‎ غزو العراق

‏عن الكذبة الأميركية البريطانية التي بُني عليها الغزو، عن المجازر الكثيرة المنسية عن التعذيب الذي سمعنا والذي لم نسمع عنه، عن جرائم الحرب التي طُمست، عن تخريب أقدم إرث حضاري للبشرية، عن حلفاء الغزاة وشركائهم لم يحاسب أحد لم يعاقب أحد.

وأثبت تاريخ الغزو وتداعياته أن الحرية التي تحققت في العراق تمثلت في فك القبضة الحديدية لنظام استبد طويلا بالسلطة ومارس كل أصناف البطش بمواطنيه لعقود. ولا يزال العراقيون، رغم مرور عقدين على إزاحة نظام صدام حسين، غير آمنين على أرواحهم. ويرى معظمهم أن بلدهم، في أحسن الأحوال، خرج من حالة حرب وسقط في حالة فوضى لم ينهض منها بعد.

في كل الأحوال فإن العراق ظل بعيدا عن الديمقراطية بأي من أشكالها، عدا ديمقراطية هجينة اعتمدت مبدأ التفاهم بين رؤساء الأحزاب المتنفذة تحت مسمى التوافقية في توزيع السلطات والموارد بعيدا عن أي معايير تستند إليها سواء ما يتعلق بالتمثيل السكاني للمكونات أو الواقع الجغرافي أو حاجات المناطق أو المحافظات وسكانها للخدمات.

هذه التي يعتبرها البعض عملية حرية العراق تكلفة عالية لقرار خاطئ خلال سنوات الغزو وما بعدها أكثر من تريليوني دولار أمريكي. وسجلت هذه الفترة فضائح كثيرة منها القتل بدم بارد لمواطنين عراقيين على يد جنود بريطانيين وعمليات تعذيب وإهانة لسجناء عراقيين في سجن أبو غريب على يد جنود أمريكيين. وبعد مرور سنوات، أدرك الرأي العام الدولي أن تلك الحرب كانت خطأ جسيما.

من هؤلاء جون ماكين، السيناتور الجمهوري الراحل، الذي كان من أشد المدافعين عن غزو العراق لسنوات. وفي مذكراته التي نشرها قبل وفاته عام 2018 تراجع ماكين عن موقفه وكتب قائلا: لا يمكن الحكم على تلك الحرب، بتكلفتها العسكرية والإنسانية، سوى أنها خطأ... خطأ خطير للغاية، وعلي أن أتحمل نصيبي من اللوم على ذلك .

إن التخطيط لتدمير العراق بدأ منذ العام 1972 بتأمين النفط وأيضا عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية ووفقا للعديد من الشهادات الدولية كانت أمريكا وإسرائيل تمد طهران بالكثير من القنابل والصور الجوية والمعلومات الاستخبارية عن العراق، بعد انتهاء تلك الحرب وخروج العراق منتصرا، هذا الأمر أثار الأمريكان والإسرائيليين وبدأوا التخطيط لإيقاع العراق في الفخ وتحقيق ما تم الترتيب له، فلا يمكن تصديق الشعارات التي تقول أن الأمريكان جاءوا لنشر الديمقراطية، بل جاءوا من أجل الهيمنة والسيطرة على منابع النفط والطاقة والتقليل من هيمنة وسيطرة إيران في المنطقة، مع الإبقاء عليها كشرطي للمنطقة، وما يحدث من تخبط اليوم ليس عشوائي، بل مخطط له منذ عقود.

أمريكا وفور وصلها للعراق والسيطرة عليه احتلت قواتها الغازية الآبار والعيون وفرضت علينا اتفاقيات وعقود لعشرات السنين ضمنت من خلالها الهيمنة على مواردنا الطبيعية وحرمتنا من كل إمكانية على التحكم بها وتوظيفها للتنمية الوطنية، ولقد تداخل هذان الهدفان، فجاءت سيطرتهم على النفط العراقي تحقيقا لإضعاف العراق وإرهاقه بالديون والالتزامات، الأمر الذي سينعكس على قدرته في التصدي يوما ما لأعدائه وعلى رأسهم إسرائيل.

من المهم التأكيد على أن واشنطن عمدت إلى تفكيك مؤسسات العراق الأمنية والعسكرية، مما أدى إلى إدخال البلاد في فوضى أمنية وشيوع ظاهرة الميليشيات والسلاح خارج سيطرة الدولة.

ولا يزال العراق يعاني من تبعات قرار سلطة الائتلاف المدني، بقيادة السفير الأمريكي بول بريمر، بتشكيل نواة وزارتي الدفاع والداخلية من عناصر الميليشيات، سواء التي تأسست في إيران أو التي تشكلت بعد الغزو مباشرة.

في المحصلة النهائية فإن الغزو الأمريكي حتى بعد 21 عاما، ترك العراق غارقا في فساد مالي وإداري وفقدان الدولة الجزء الأهم من قرارها الأمني والاقتصادي والسياسي لصالح قوى وفصائل متنفذة تحتكم إلى قوة السلاح لفرض إرادتها.

كما حوّل العراق إلى محطة صراع قوى إقليمية ودولية أبرزها الولايات المتحدة وإيران اللتان تقتسمان النفوذ، بينما تتوزع القوى العراقية في الولاء أو التبعية أحيانا لطرف منهما على حساب الآخر، وفي حالات قليلة الموازنة بين الولاء للطرفين.

كانت أهداف واشنطن هو تحويل العراق إلى بلد مصدر للإرهاب يضم أخطر الجماعات الإرهابية والميليشيات الموالية للنظام الإيراني ووضعته على قوائم الإرهاب الدولي وأصبح العراق النفطي الغني من أكثر البلدان فسادا في العالم، يعاني عجزا دائما في ميزانياته و يستورد الكهرباء والغاز من إيران، وتحول إلى بلد بلا سيادة أو ديمقراطية.

وقد نجحت القوى الحليفة لطهران في تحويل العراق إلى حاجز صد للعقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على إيران في 2018، ومتنفسا لإنقاذ اقتصاد إيران المتراجع عبر توريد الغاز والكهرباء والسلع الاستهلاكية إلى العراق بأكثر من 10 مليارات دولار سنويا.

لقد أدى الغزو الأمريكي للعراق إلى عدة كوارث مازالت مستمدة ليومنا هذا كوارث لم تتوقف آثارها عند حدود العراق كما لم تنته تلك الآثار مع انتهاء الحرب، وأبرز نتائجها نزوح ملايين البشر من مناطقهم وتحولهم إلى لاجئين. أعداد هائلة من القتلى.

ازدهار التنظيمات الإرهابية في العراق ودول أخرى خاصة سوريا.

تدمير حياة ملايين البشر في المناطق التي يعاني بعضها من آثار غزو العراق حتى الآن..

واحد وعشرون عاما على الاحتلال الأمريكي للعراق ولا تزال الجراح تنزف، قضى الأمريكيون على كل مفاصل الدولة وحوّلوها إلى دولة فاشلة، بعد أن ارتكبوا فيها كل جرائم الحرب القذرة التي لن يطمس معالمها الزمن..

مقالات متعلقة