التاسع من نيسان الأسود كما عشت تفاصيله عام 2003
- المقاومة العراقية تسجل سبق التصدي للاحتلال بعد يوم من حدوثه
- الاحتلال أنتج عملية سياسية فاشله أدخلت العراق في نفق مظلم
- الرفض الشعبي للعملية السياسية ينزع شرعيتها
- شاهد عيان يكشف عن صفحات غير معروفة من الاحتلال الأمريكي للعراق
بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
من المناسب ونحن نستذكر تداعيات غزو العراق واحتلاله أن نتوقف عند صفحاته التي أدخلت العراق في الخانق الذي يتخبط به منذ 21 عاما من دون أن تلوح بالأفق بارقة أمل تخرج العراق من حال الفوضى والانقسام السياسي وتغول الفساد وهدر المال العام وتصدر الميليشيات وأنيابها الطائفية في المشهد السياسي والأمني.
وعندما نستذكر التاسع من نيسان كل عام فإن العراق يسجل تراجعا من عام إلى آخر من فرط ما أحدثته تداعيات الاحتلال على حياتهم إلى حد وصف ذلك اليوم باليوم الأسود.
ونحن نستحضر ما جري في ذلك اليوم فإننا نحاول أن نرصد مسار الأحداث واتجاهاتها في ذلك اليوم. من شاهد واكب مجريات الحدث الذي وصف صباح التاسع من نيسان بأنه حزينا وكئيبا بفعل تداعيات الحرب والأخبار المتناقضة حول مسارها، وتحولت بغداد إلى مدينة أشباح يصول ويجول فيها اللصوص الذين دهموا المصارف الحكومية والأهلية، فيما استباح آخرون مؤسسات الدولة لإفراغها من محتوياتها، فيما لزم السكان بيوتهم بانتظار انجلاء الموقف.
وبدأت تتسارع الأحداث، فقد اضطر الصحفيون الذين كانوا يقيمون في فندقي الشيراتون والمريديان إلى رفع الرايات البيضاء من على شرفات غرفهم تحسبا لتعرضهم للقصف الأميركي بعد أن أطلقت هذه القوات قذيفة أصابت الطابق السابع بفندق المريديان أدت إلى مقتل صحفية أجنبية.
ولم يدر بخلد القائمين على المركز الصحفي أن إصرار وسائل الإعلام الأميركية والغربية وبعض وسائل الإعلام العربية على نقل أماكن عملهم من المركز الصحفي الكائن في منطقة الصالحية إلى فندقي عشتار شيراتون وفلسطين ميرديان الواقعين قبالة ساحة الفردوس لم يكن بدافع الخوف من تعرض هذا المكان إلى القصف، وإنما كانت أهداف هذا الإصرار الذي تكشف فيما بعد ـ إن قامت وسائل الإعلام بنصب الكاميرات فوق أسطح الفندقين وباتجاه ساحة الفردوس وكأن حدثا تاريخيا سيقع عند هذه الساحة.
في هذه الأثناء كنت مراسل راديو (مونتي كارلو) وبعض المراسلين في شقة خلف فندق المريديان نتابع ما يجري، وإذ بالهاتف الدولي يرن ويبلغ أن الدبابات الأميركية وصلت ساحة الفردوس.
وحتى نصل إلى قلب الحدث (ساحة الفردوس) وهي لا تبعد قليلا عن مكاننا تطلب منا رفع الرايات البيضاء بأمر من القوات الأميركية، وعند وصولنا لاحظت أن العديد من مراسلي الوكالات الأجنبية يستخدمون هاتف الثريا الذي منعت السلطات العراقية استخدامه.
وحاول العشرات إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس إلا أنهم فشلوا في ذلك، ما دفع رافعة أميركية إلى اختراق الساحة باتجاه التمثال الضخم، وعند وصول الرافعة إلى رأس صدام قام أحد الجنود الأمريكان بتغطية رأس صدام بالعلم الأميركي ما أثار احتجاج الحاضرين، ودفع بعضهم إلى استبداله بالعلم العراقي.
وكان إسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس الذي سوقته قوات الاحتلال بداية النهاية لاحتلال العراق، غير أن الحقائق في تلك اللحظات كانت تشير إلى أن القوات الأميركية في ذلك اليوم لم تصل إلى نصف أحياء بغداد، وأن محافظات نينوى وديالى والأنبار وصلاح الدين وكركوك لم تدخلها القوات الأميركية وكانت في قبضة القوات العراقية.
من هنا كانت الرمزية في إسقاط تمثال صدام في وسط ساحة في قلب بغداد كرسالة للجميع مفادها أن بغداد والعراق كله أصبح تحت السيطرة.
وأمام هذا المشهد والفوضى التي عمت ساحة كان آخر مؤتمر صحفي لوزير الإعلام محمد سعيد الصحاف كان على سطح فندق الشيراتون في الثامن من نيسان بعدها توجه إلى المقر البديل للفضائية العراقية في الأعظمية .
وأثناء ما كان الصحافيون متجمعين في ساحة الفردوس اقترب شخص مني وقدم لي بيانا مطبوعا صادرا عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية يدعو لمقاومة المحتل وطلب حامل البيان استخدامه في الرسالة اليومية الى إذاعة مونتي كارلو التي كنت مراسلا معتمدا لها بالعراق " وعلى الفور أعددت تقريرا عاجلا أشرت فيه الى أن المقاومة ضد الاحتلال بدأت بعد يوم من احتلال العراق كأول رد فعل على احتلاله.
وما أثار استغراب الصحافيين أن جيشا عبر المحيطات وقطع آلاف الكيلومترات لغزو العراق مدعوما بالطائرات والدبابات والبوارج والصواريخ يزاحموننا على رغيف الخبز ووجبة الفطور التي كانت تقدمها ادارة فندق الميريديان للنزلاء. وقد استأجرت مع زميل لي غرفة في فندق الميريديان وبعد الاحتلال توزع بعض جنود المارينز على الغرف الفارغة في الفندق وقد حل أثنان منهم في الغرفة المقابلة لغرفتي في الطابق الخامس ولاحظنا أنهم يستيقظون مبكرا ويحدثون ضجيجا مزعجا عرفنا فيما بعد أنهم يستعجلون ليتناولون الفطور قبل مجيء النزلاء ما أحدث نقصا في المواد التموينية وأوقع إدارة الفندق في حرج كبير خصوصا وأن الجنود احتلوا الفندقين ونصبوا خياما في ممراته وباحته الخارجية والتهموا الطعام الشحيح من مطابخ الفندقين وسط استغراب الصحافيين الذين تساءلوا عن السبب في عدم تأمين الأرزاق لجيش دولة كبرى تمتلك افتك الأسلحة من دون أن توفر لقواتها قوتهم اليومي.
وكعادة الجيوش حولوا منطقة الفنادق إلى معسكر سوروها بالأسلاك الشائكة وحددوا حركة الدخول والخروج منها تحسبا لأي طارئ ما أزعج وسائل الإعلام التي بدأت تشعر بخطورة تواجدها في هذا المعسكر الذي سيصبح هدفا فيما بعد ما دفع العديد من الصحافيين إلى مغادرة المكان والبحث عن مكان أكثر أمنا.
ونخلص إلى القول: إن جريمة احتلال العراق رغم مرور 21 عاما على ارتكابها أنتجت عملية سياسية فاشلة وسط رفض شعبي متصاعد من فرط ما أحدثته من كوراث ونكبات للعراقيين الذين ضاقوا ذرعا من فسادها وفشلها.
ويقابل هذا المشهد الذي رسمه الاحتلال ومشروعه الفاشل وعمليته السياسية اللاشرعية مشهدا مشرقا آخرا رسمته المقاومة العراقية في تصديها البطولي لمشروع الاحتلال عبرت عن إيمانها المطلق بتخليص العراق من حال التبعية والاستقطاب الطائفي إلى رحاب الأمل بعودة العراق آمنا موحدا وخال من موجبات الاحتلال وعدم شرعية عمليته السياسية.