الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات التراجع الأمريكي بعد عشرين عاما من احتلال العراق

بقلم| د. يحيى السنبل (عضو الميثاق الوطني العراقي)

تمر الذكرى العشرون على الغزو الأمريكي و٤٣ دولة للعراق تحت حجج مزيفة ومزاعم كاذبة بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وقد أفضى هذا الغزو الغاشم لاحتلال العراق واستباحة أرضه وسيادته وجعله مرتعا لكل شذاذ الآفاق المعادين للعراق والأمة ولعقيدتها ووجودها، وقد وضع المحتلين خططا ممنهجة لتدمير الدولة العراقية ومحو الهوية الوطنية وتمزيق الأواصر المجتمعية.

وقد اعتمد الاحتلال على أعداء العراق الحاقدين من الأنظمة وأدواته الخيانية إلى نشر الفوضى على أوسع نطاق بعد أن مارست القوات الغازية أعمال السطو المسلح على كل مؤسسات الدولة العراقية وعلى تراث وتاريخ العراق عبر نهب آثاره ومكتباته وخزائنه التاريخية التي لا تقدر بثمن والتي تدل على عمق إرثه الحضاري الضارب بعمق التاريخ، والسيطرة على موارده وثرواته ومقدراته وتسخيرها للاحتلال وأعوانه.

وقام الاحتلال بحل جيشه الوطني وأجهزته الأمنية المهنية المبنية منذ ثمانية عقود على الأسس والمبادئ الوطنية، لتحل محلها زمر مذهبية وطائفية تشكلت خلف الحدود ولا تؤمن بعقيدة الدفاع والحماية للوطن والشعب، ولتجعل منها الأداة الرخيصة في مواجهة المقاومة الوطنية لشعبنا، وقام بحل مؤسسات الإعلام ليفسح المجال للإعلام الفوضوي والعشوائي المبني على التدليس وتزوير الحقائق لتسويق مفاهيم الاحتلال السيئة.

إضافة إلى تدمير مراكز الطاقة وجعل العراق مظلما من أقصاه إلى أقصاه وأوقف عجلة الصناعة والزراعة، وجعل العراق سوقا لمواد الدول الأخرى.

كما ساهم المحتل وأعوانه بتدمير كل البنى الصحية والخدمية، وتخريب مؤسسات التربية والتعليم، مما جعل العراق بذيل قائمة الدول، برصانة التعليم بعد أن كان منافسا للتعليم في أوروبا بشهادة المؤسسات التابعة للأمم المتحدة.

وأصبح العراق مستنقعا لكل عصابات الجريمة المنظمة والمافيات العالمية.

ومع كل ما قام به المحتل وأدواته من إجرام وغدر وتنكيل واضطهاد، فقد تصدى شعبنا العظيم بمقاومته الأسطورية التي أذهلت المحتل قبل غيره وأوصلته رغم إمكانياته الجبارة إلى حالة الانهيار واليأس، فكانت معركة الفلوجة الأولى تاجا ونبراسا لكل معارك الشرف في ميادين المنازلة مع الاحتلال في محافظاتنا العزيزة والتي برهنت للعالم أجمع عظم المقاومة الوطنية العراقية التي جعلت المحتل يستنجد بالأنظمة الغادرة وبعمائم المجوس لإنقاذه مما حل به من عار سيبقى ملازما لتاريخه الأسود، فاستخدم اليورانيوم المنضب واتهم المقاومة العراقية بالإرهاب ومارس كل أنواع القتل والإجرام لعل ذلك يعيد بعضا من هيبته التي سلبها العراقيون أمام العالم أجمع، ثم جاءت فضيحة سجن (أبوغريب) لتكشف للعالم وحشية وسادية الإدارة والقوات الأمريكية المعادية لكل القيم الإنسانية.

إن غزو العراق واحتلاله بمبررات كاذبة قد أسقط القيمة المعنوية لأمريكا بنظر العالم حتى من ساهم بغزو العراق، وفقد العالم الثقة بسياساتها المبنية على الخداع وتزوير الحقائق

المقاومة العراقية أحرجت أمريكا وتسببت بتراجعها عالميا وبروز أقطاب أخرى تنافسها في قيادة العالم، فكانت هزيمتها المنكرة في أفغانستان خير دليل على همجيتها طوال عشرين عاما وهي تقتل بهذا الشعب الفقير وتنهب ثرواته، ثم جاءت هزيمتها وتراجعها في العراق منذ عام ٢٠٠٦ عندما فسحت المجال لتحالفها مع إيران لتمارس الثأر والانتقام من العراقيين تحت المظلة الأمريكية وعملائها من الأنظمة الحاقدة، فتراجع النفوذ الأمريكي في العراق ولم يعد يمتلك أكثر من ١٠٪؜ برغم كل ما قدمت للأحزاب المرتبطة بإيران وحرسها الثوري من خدمة لترسيخ سيطرتها على القرار العراقي ونهب مقدراته لصالح إيران وميليشياتها في المنطقة.

أمريكا في بداية أمرها جعلت إيران أداتها في احتلال العراق، لكن المعادلة تغيرت فأصبحت أمريكا هي المظلة لتمدد إيراني في العراق والمنطقة وتدميره فاستحوذت على أربعة عواصم عربية وامتلاك أوراق قضايا المنطقة لتساوم بها على مشروعها النووي الذي أصبح قريبا، وقدمت إيران خدماتها الكبرى للكيان المسخ برضوخ أنظمة للتطبيع والاحتماء بالكيان الصهيوني خشية المشروع الإيراني الذي يهدد عروشهم بعد أن تحالفوا مع إيران لتلعب دور التخريب والقتل بالعراق والمنطقة.

وبعد عشرين عاما من احتلال العراق، أضحى هذا البلد العظيم فاقدا للسيادة ومرتعا لعصابات الجريمة والإرهاب والتطرف والمخدرات، وفي ظل حكم الفاسدين الفاقدين لأي إرادة، حتى رهنوا القرار السياسي للعراق بيد أسيادهم في قم وطهران، وأصبحت إيران المهيمنة على مقدرات المنطقة برعاية الغرب وأمريكا رغم الخلاف المعلن بينهما حول الملف النووي، وأصبحت أنظمة الغادرين بالعراق مهددة من قبل المشروع الإيراني الذي لم يتوقف، وفقدوا بوصلة توجهاتهم مما اضطرهم خانعين للتذلل لإيران وعقد الاتفاقيات معها علما أن نظامها آيل للانهيار.

لكنهم بعد أن أدركوا أن الغدر بالعراق قد كشف ظهورهم، وأن أمريكا ستتخلى عن حماية عروشهم، وأن إيران التي سلموها أوراق المنطقة وقضاياها تعمل لمصالحها وأنهم ضمن دائرة الاستهداف لمشروعها، وفي ظل هذا التخبط فقد رموا طوق النجاة لعدوهم التاريخي أملا في أن يتركهم على كراسيهم لبعض الوقت رغم أن إيران حسمت أمرها إلى جانب القطبين الصاعدين روسيا والصين، وأن أمريكا مهما قدمت لها فهي في تراجع كبير لأنها لم تقدم للعالم سوى القتل والفوضى والدمار.

وأن المنطقة لم تشهد الأمن والسلام والاستقرار إلا بعودة العراق لشعبه وأهله الرافضين للاحتلال وعمليته السياسية الطائفية، وأن أي اتفاق مع طهران ما هو إلا كما شبهه الخميني الدجال بتجرع السم عندما وافق على وقف الحرب مع العراق، واتفاقيات خامنئي اليوم مع بعض الأنظمة ما هي إلا انحناء أمام العاصفة، لتسويق نفسها كنظام له دور في الخليج، ولحين السيطرة على التظاهرات التي تعصف بنظامه داخل إيران، فما أن تزول عنه تلك المخاطر حتى يعود لإكمال مشروعه باستهداف الأمة ووجودها.

مقالات متعلقة