بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)
قرأت يومًا عن شاب روسي أهدى حبيبته تمثالًا قام بسرقته من إحدى الحدائق العامة، واعتقلته السلطات المحلية.. هذا الشاب ذكرني بالنواب والمسؤولين في العراق في فضائح الدولة العميقة التي لها أول وليس لها آخر. إصدار الجواز الدبلوماسي في العراق أصبح مثل توزيع هدايا بابا نؤيل وأعياد الميلاد الشخصية أو الحلوى على المقربين من السلطة الحاكمة يمارس تجارتها مراهقون وسماسرة، ويبدو أن الزمن القاتم المغطى بالسواد الذي حل على العراقيين لا يُريد أن يُفارق حياتهم إلا ويسجل له بصمة سوداء في كل تفاصيل تاريخهم المعاصر لِتصل الفوضى إلى الجواز الدبلوماسي بعد أسابيع قليلة من إثارة وزارة الداخلية جدلاً واسعاً بإعلانها إصدار أكثر من 4000 جواز سفر دبلوماسي خلال عام واحد، ليكون بابًا جديدًا للفساد، وتؤكد إحدى النائبات حصول عارضات أزياء وفنانات ومشاهير في تطبيق تيك توك على جواز سفر دبلوماسي عراقي، أما كيف ولماذا منح هؤلاء؟ لا يسمح لأحد أن يعرف!! وبذلك تتم إهانة الوثائق الرسمية العراقية، في الدول التي تحترم شعوبها وأوطانها يكون الجواز هو الوثيقة التي تعطي الهيبة لحامله، وفي هناك دول تخبرنا في جواز مواطنيها: أنها مُستعدة لِتجييش الجيوش وتحريك الأساطيل فيما لو تعرّض حامل جوازها إلى إهانة، لكن في العراق وما دامت السيادة ضائعة والوطن فاقد لِهيبته، فإن مرتبة الجواز في القاع.
في مشاهد حقيقية رويت في مطار عربي وقف شرطي عربي يصرخ بوجه وكيل وزير عراقي يحمل جواز دبلوماسي طالبا منه الوقوف بالدور مع المسافرين الآخرين وعندما أخبره سعادة الوكيل بكل خجل وحياء أنه مسؤول يحمل جوازا دبلوماسيا، أجابه الشرطي العربي، بأنه لا يعترف بحكومته أصلا فكيف يعترف به وبجوازه فما كان من الوكيل إلا أن يذعن لأمر الشرطي دون ردة فعل.
الجواز الدبلوماسي له دلالات ثابتة فهو وثيقة رسمية تمنح لفئات خاصة من المواطنين من بينهم الرؤساء والسُفراء وكِبار رِجال الدولة بقصد تسهيل أدائهم لمجموعة من الأعمال الهامّة التي تخدم مصالح الدولة، فأيُّ مصلحة ومنفعة تُستجدّى من منح الجواز الدبلوماسي لِعارضات أزياء وفنانات؟ وأيُّ حصانة دبلوماسية يتحصّن بها أولئك ولماذا وكيف وأين؟
القانون رقم (50) لسنة 2007 وتعديله المرقم 23 لسنة 2009 الذي عدل المادة (5) منه، حيث أصبح نص المادة المذكورة بعد التعديل كما يلي: تمنح هيئة الرئاسة وأعضاء مجلس النواب جوازات سفر دبلوماسية لهم ولأزواجهم وأولادهم أثناء الدورة التشريعية و(8) سنوات بعد انتهاء الدورة التشريعية. ليأتي تعديل آخر في القانون في زمن حكم المالكي نظام جوازات السفر رقم (2) لسنة2011 وكان ينص على تجاوزات عديدة خاصة فيما يتعلق بعوائل الممنوحين جوازات سفر دبلوماسية.
وقد شرّع مجلس النواب قانونًا يقضي بمعاملة نائب البرلمان كوزير خصوصًا في مجال المستحقات المالية ليرتفع بذلك عدد الوزراء من 40 إلى 329 والحبل على الجرار. هذا القانون وتعديله صدر في حقبة وتسلط نوري المالكي، وهي إضافة غير حميدة تضاف إلى سجل طويل من الاختلاسات القانونية التي تسمى امتيازات البرلمان.
أصبحت الجوازات الدبلوماسية العراقية نكتة مسخة وغير محترمة بسبب كثرة توزيعها فقد شملت أفراد الحمايات الخاصة بل ولاعبي الرياضة والوزراء ووكلائهم والمدراء المتنفذين في الوزارات وعوائلهم حتى تجاوز عدد من يحمل هذا الجواز عشرات الآلاف في بلد لا يملك أكثر من ستين سفارة عاملة بشكل رسمي حتى الآن، مع العلم أن العراق قبل الاحتلال كان يمتلك أقل من ألف جواز دبلوماسي، أما الآن فإن عدد الجوازات الدبلوماسية عشرات الآلاف وهو رقم مهول جدا وقابل للزيادة مع كل دورة برلمانية مما يعني إضعاف هيبة الدولة ونظامها السياسي.
ينص القانون العراقي على منح الجواز الدبلوماسي إلى رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان وأعضاء مجلس النواب إضافةً إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى ورؤساء إقليم كردستان ومجلس وزراء الإقليم، إضافة لأصحاب الدرجات الخاصة العاملين في الدولة، مع وجود استثناءات يقرها حصراً وزير الخارجية أو رئيس الوزراء.
الجواز العراقي الذي كان يشعِر صاحبه بالزهو والفخر وهو يتجول به بين مطارات العالم حين كان العراق بلدًا يفتخر مواطنيه بمواطنتهم التي تُغلّف صفحات هذا الجواز، لكن عراق اليوم جعلوه من الدول الهزيلة التي يحتضر جوازها عندما انتُهكت في هذا البلد كل الأعراف الدبلوماسية وتحولت السفارات في الخارج إلى إقطاعيات عائلية وحزبية لتقاسم النفوذ والمنافع لأنهم لا يُجيدون من فنون الدبلوماسية سوى العناوين الوظيفية والديكورات التي يعتقدون أنها ترفع من شأنهم.
لا يخجل هؤلاء عندما غابتْ عنهم قطرة الغيرة وسقطت من الجباه وهم يمنحون الجواز الدبلوماسي لفنانات وراقصات كل إبداعهم وإنجازاتهم وحتى مآثرهم تتمثّل بتقديم العُري والخلاعة بأرخص الأسعار للجسد الأنثوي؛ فأيُّ مصلحة ومنفعة تُستجدّى من منح جواز دبلوماسي لِعارضات أزياء وفنانات وراقصات!! وأيُّ حصانة دبلوماسية يتحصّن بها أولئك ولماذا وكيف وأين.
الذي يحمل جوازا دبلوماسيا ليس فرداً عادياً هذا ما تعارف عليه الناس والدول، ولذلك وضعت القوانين والبروتوكولات المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية بمعاملة الشخصية التي تحمل هذا الجواز معاملة خاصة.
في مُفارقة تبعث على الخيبة والأسى لِما وصل إليه حال العراق أن قرارات الأمم المتحدة تُلزم الأعضاء فيها بتحديد إصدار ألف جواز دبلوماسي لكل 100 مليون نسمة من عدد سكانها، ففي اليابان مثلاً التي يبلغ عدد سكانها ما يقارب 125 مليون نسمة أصدرت حكومته ألف جواز دبلوماسي فقط الذي هو أقل من استحقاقها، أمّا في العراق المنكوب الذي لا يتجاوز عدد سكانه الـ 40 مليون نسمة فقد أصدر لغاية عام 2021 ما يُقارب 15 ألف جواز حسب تقارير دولية مُعتمدة، وهو ما يُهدد سُمعة الجواز العراقي وعدم الاعتراف به مُستقبلاً.
رؤساء حكومات سابقة منحوا جوازات دبلوماسية لمن هب ودب، لتمرير وتهريب ما هو ممنوع وممارسة أعمال مزعزعة وضارة بالعراق والبلد المستهدف. فمثلا عوائل كاملة تحمل جوازات دبلوماسية ترفض عرض جوازاتها على الإداريين في المطار لأنه دبلوماسي من عائلة عضو البرلمان، مع أن هذه العائلة لا تعرف قيمة وقوانين الجواز الذي تحمله، ممارسات كثيرة سلبية وعدم الخضوع للقوانين جعلت جواز السفر العراقي في المرتبة 110 عالمياً من مجموع دول العالم، بحسب التقرير الأول لعام 2022 الصادر عن شركة الاستشارات العالمية للمواطنة والإقامة هينلي وشركاؤه. وحذرت تقارير محلية عراقية من أن بعض الدول تتجه إلى عدم اعتماد جوازات السفر الدبلوماسية العراقية، بسبب عددها المخيف ومنحها لمتهمين بالانتماء للميليشيات والجماعات الإرهابية في ظل النظام السياسي القائم في العراق.
ثم إن منح الجواز الدبلوماسي للمسؤول هو لتسهيل مهام عمله فما الحاجة له بعد انتهاء مدة عمله، ثم من يضمن سلامة موقفه اتجاه العراق خصوصًا أن كثيرًا من المسؤولين هم متهمون بالانتماء لميليشيات موالية لإيران وتعمل على تنفيذ مشروعها في المنطقة!.
ثم ألم تثبت تهمة الإرهاب والقتل والتزوير والسرقة لكثير ممن يحملون الجوازات الدبلوماسية أثناء مدة مسؤوليتهم وبعدها، وهربوا لامتلاكهم ميزات خاصة ومنها الجواز الدبلوماسي، وهناك مئات البرلمانيين وعشرات الوزراء والمسؤولين متهمون بالفساد لكنهم يتمتعون بالامتيازات الخاصة، كل ذلك يشير إلى أن ما يجري من عبث في العراق هو ممنهج ومخطط له في ظل النظام السياسي القائم. ومن يهرب لا تستطيع الحكومة إن صدقت وهي ليست كذلك، أن تأتي به لامتلاكهم جنسيات أجنبية.
إن عدم وجود قيمة للجواز الدبلوماسي العراقي هو بسبب منحه لمن هب ودب، وتصرفات حامله السيئة والفضائح التي أصبحت تنتشر بين الحين والآخر، الامتيازات التي هي خاصة بالمسؤولين من أجل القيام بمهام عملهم، أصبحت متاحة لمن لا يستحقها بل ولمن يسيء للعراق وشعبه.
صحيفة لو فيغارو Le Figaro الفرنسية، صرحت بأن النواب العراقيين ومن شتى الميول والإثنيات والطوائف أباحوا لأنفسهم خفية امتيازات كبيره مخيفة: سيارات مصفحة، ومكافآت خارقة، وجوازات سفر دبلوماسية لعائلاتهم، وقطع أراضي، ونقلت الصحيفة أن هؤلاء النواب صوتوا سابقًا خلف الأبواب المغلقة على نص يمنحهم لمدة عشر سنوات ابتداء من انتهاء ولايتهم مكافأة تساوي 80% من رواتبهم كنواب وجوازات سفر دبلوماسية لهم ولعائلاتهم، وقطعة أرض مساحتها 600 متر مربع وبالمكان الذي يختارونه أسوة بالوزراء”. علمًا أن النائب الواحد "يمنح 25 ألف دولار (نحو 30 مليون دينار) كراتب وبدل خطورة شهريًا، من غير الامتيازات الأخرى التي يحظى بها من خلال صفقات الفساد التي تقدر بملايين الدولارات، في حين أن متوسط دخل المواطن العراقي 300 دولار.
ولو رجعنا إلى تاريخ العراق في الدولة الحديثة لما وجدنا أبدا هذه الامتيازات منحت حتى لكبار المسؤولين لا في العهد الملكي، ولا الجمهوري ولا في الحكومات الوطنية قبل 2003، بل إن النظام قبل 2003 كان يعطي الجواز الدبلوماسي لرئيس المجلس الوطني ونائبيه فقط، وليس لعائلاتهم، أما بقية النواب فيمنحون جوازات سفر خدمة فقط، للعضو وليس لعائلته أيضاً، فكيف يمنح البرلمان الديموقراطي ما لم يمنحه برلمان النظام السابق وهل أن البرلمان العراقي أزاد في الطنبور نغمة ليثبت لنا حسن أدائه الجميل.
الجواز الدبلوماسي لم يكن يومًا معيارًا للتقدير والتكريم بقدر ما كان أداة ووسيلة لإنجاز وتسهيل مهمات الدبلوماسي عند السفر في مهمة رسمية خارج البلاد، وذلك وفقا لاتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961.
قرأت يوما أن رئيس الديوان في دولة استراليا قام بسحب الجواز من رئيس الوزراء الاسترالي في الأسبوع الثاني من انتهاء ولايته وأخبره أنه لم يعد رئيسا للوزراء والجواز يمنح لرئيس الوزراء. وأيضا قامت السودان بسحب الجواز الدبلوماسي للدكتور حسن الترابي رئيس البرلمان السوداني السابق؛ لانتهاء مدة رئاسته. كل هذه الأمور هي مشاهد واقعية تفرض على الشعب العراقي أن يعي حجم الكارثة التي ألمت بالعراق وشعبه.
أما المطالبة بحصر الجواز الدبلوماسي بمن يستحقه وحصرها بأصحاب الاختصاص والوظيفة؛ فهذه أمنيات لن تتحقق كمن يحاول جمع الماء في الغربال، فما دام النظام السياسي الحالي قائما فإنه سيمنح البرلمانيين وأفراد عائلاتهم والراقصات والفاسدين ومن لا يستحق الجوازات الدبلوماسية وهو ظلم كبير بحق الشعب العراقي واستهزاء بكل القيم التي يفترض الالتزام بها. والجرح العراقي لن يندمل طالما كانت الغلبة للمصالح السياسية والفئوية والحزبية بينما تأتي مصالح الوطن والشعب في آخر اهتمامات السياسيين والبرلمانيين؛ الذين لم يستطيعوا الوصول إلى مرحلة الإحساس بمعاناة المواطن والشعور بمشاكله لأنهم غارقون بملذاتهم وشهواتهم وامتيازاتهم التي تنوعت ما بين العمارات الشيقة والأبنية الفاخرة والرواتب الضخمة والسيارات المصفحة. وفي ظل كل هذا الفساد لم يبق للعراقيين إلا أن يتحملوا مسؤوليتهم دون خوف أو تردد فلا أمل يرتجى ممن تسببوا بضياع العراق وتدميره وسرقة ثرواته وانعدام سيادته؛ وهو ما يستوجب أن تكون الكلمة للشعب صاحب الحق الأول والأخير في إدارة بلده واسترجاع سيادته ومكانته بين الدول بعيدا عن الشعارات الكاذبة والخطابات الزائفة التي تمارسها أحزاب الفساد والتبعية.