بقلم| د. عبد الرزاق محمد الدليمي
تزداد تعقيدات الأوضاع بالغة السوء في العراق منذ احتلاله حتى أصبحت أكبر من أن يستوعبها مفهوم تغيير النظام، حيث تضرب سلسلة النكبات والانتكاسات رؤوس العراقيين منذ احتلال بلدهم وفرض هذه المجاميع من شذاذ الآفاق والمرتزقة الملوّثة أياديهم بجراثيم الفساد والفشل والفوضى على رقابهم، وإلى الآن؛ لذا فحديث البعض عن التغيير يجب ألّا يكون مجرد عملية تدوير لنفايات السلطة من العملاء الحاليين إلى أشباههم ، بل يجب أن تكون عملية تغيير جذري تشمل جميع الآليات بما فيها وضوح كامل وجلي لعلاقة الدولة بالمجتمع، وأن يكون في مقدمة أهدافها توسيع نطاق المشاركة لتشمل المواطنين كلّهم، بعيدا عن انتماءاتهم وهوياتهم الدينية والإثنية واللغوية والطائفية...
كان منهج جميع الحكومات والطبقة السياسية في العميلة الفاسدة استخدام العنف غير المبرر في مواجهة الاحتجاجات الشعبية وعندما تخسر في الانتخابات، وتزداد هذه الظواهر وتبرز بشكل أكثر وضوحا في كل حالات فشلهم ليبرروه بالحديث عن المؤامرات الخارجية، وهذا يعني بوضوح أن علاقتهم انتهت مع الشعب، كما يعني أنَّ النظام قد مات سريرياً، ورغم كل ما زوقوا به حكمهم فقد أثبتت تجربة 19 عاما قاتمة السواد زيف ديمقراطية الاحتلال الصفوي – الأمريكي - الصهيوني وعجز وتخلف عملائهم رغم شعارات الثناء والمديح التي يصبغون أنفسهم بها عبر ذبابهم وجيوشهم الإلكترونية، التي باتت هي الأخرى عاجزة عن مواجهة إرادة الشعب ورفضه لكل ما أنتجته مرحلة ما بعد الاحتلال، فالانتفاضات والاحتجاجات وحملات السخرية السياسية أصبحت سياق يمارسه العراقيون، ضاربين عرض الحائط كل ما كان يتشدق به العملاء من الاتكاء على الخلفيات الدينية الطائفية أو السياسية أو المناطقية أو العائلية، التي فشلت جميعها فشلا ذريعا في مواجهة عنفوان الشعب العراقي وثورته المستمرة، لقد أدرك كل العراقيين أن كل تلك الفئات قد تواطأت في صنع رمزية لزعامات منسلخة عن مجتمعنا وبيئتنا الثقافية والاجتماعية، وبعيدة عن نمط تفكير العراقيين وثقافتهم وأن هؤلاء مصرون على مناهضة كل دعوات العراقيين لإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الّتي تحافظ وتحمي المجتمع بأكملهِ، بغض النظر عن انتماءات أبنائه القومية أو الدينية أو الفكرية .
سقوط الأقنعة
خطط الاحتلال وذيوله منذ احتلال العراق في نيسان 2003 وبشكل منظم غير مسبوق على تحقيق فرز طائفي وعرقي وسياسي بين مكونات الشعب العراقي وصل ذروته في الآونة الأخيرة عندما دبت الخلافات الحادة بين المستحوذين على السلطة، فأخذت شكل أزمات متعددة الأبعاد ماديا وسياسياً واجتماعياً وأمنياً يغذيها إرث عشرين عاما من النهب والسلب والقتل والتغييب لكل مناطق العراق، ولهذه الأزمات تداعيات كبيرة على الشعب العراقي وتشكل عقبة أساسية أمام مسعى بناء دولة المؤسسات والمواطنة في العراق، فتأتي الحاجة للتغيير الحاسم بكل أشكاله وألوانه كمطلب أساسي وكأحد أهم السياسات المناسبة لمعالجة الصراعات السياسية والعنف والتدهور بكل أبعاده الذي يعانيه العراقيون، منذ ابتلائهم بالاحتلال وذيوله.
ماذا يحدث في العراق؟
قبل فترة قريبة خرج أحد السياسيين بلقاء تلفزيوني وتحدث عن معلومات بالغة الأهمية وكأنه أوقد شمعة في نهاية النفق المظلم الذي بات يعيش فيه العراقيون منذ 2003 وكالعادة خرجت مجموعة الانتهازيين والعملاء ينعقون فيما بينهم بالتحليلات البعيدة عن الواقع والحقيقة والتي تدل على مستوى عمالتهم وضحالتهم ورخص أثمانهم التي باعوا بها أنفسهم للاحتلال وعملائه، وبدؤوا يتهمون فائق الشيخ بشتى أنواع التهم الجاهزة تحت ألسنتهم الخبيثة، وهم بذلك تجاهلوا جملة من الحقائق أولها أن العراقيين ماعاد فيهم صبر وقد بلغ السيل الزبى؛ مما فعلته هذه الطغمة العميلة بهم وببلدهم طيلة قرابة عقدين مظلمين من الزمن؛ فلم يعد أمام الشعب العراقي إلا أن ينفجر ضدهم ويحقق كامل ثورته الوطنية... ولأن العميل الرخيص على نفسه وأرخص لدى الآخرين لا يستطيع أن يعمل شيئا سليما واحدا لأنه مجبول في الأخطاء؛ وعليها انتشرت سلسلة من البصمات الصوتية التي قال مروجيها أنها للمجرم القاتل اللص نوري الهالكي، ورغم أن أغلبنا لم يتفاجأ مما تضمنته من عبارات عدائية ضد خصومه، وهجومه عليهم الذي لم ولن يكن من أجل مصلحة العراق وشعبه المظلوم، بل لأنهم يتقاتلون على ما تبقى من الكعكة.
من أين جاءت هذه التسريبات؟
سألني كثير من الأصدقاء والمعارف عن مرجعية هذه التسجيلات ومدى صحتها؟ أقول إن هذه التسجيلات عمل استخباري على مستوى عال من الخبرات والتكنلوجيا، ولذلك فإن مصدرها أحد أجهزة المخابرات الكبرى التي تسرح وتمرح في العراق منذ نيسان 2003 وستبقى كذلك، وهذه التسريبات (وغيرها القادم الكثير) هي جزء من عمليات التمهيد للتغييرات المرسومة القريبة في العراق، ويبدو أنها ستشمل كل الرؤوس العفنة التي عبثت بالعراق وأهله ضمن ما سمي بالعملية السياسية سيئة الصيت والمحتوى، وستشكل هذه التسريبات وغيرها مما سينشر الأرضية القانونية لمحاكمتهم جميعا عاجلا أم أجلا، ويبدو أن تلك الجهات المخابراتية الكبيرة هي التي خططت لنشرها على أجزاء، لمعرفتها بردود أفعال المالكي وأنه سيفتعل أحداثا تعتم صورة هذه الحقائق وتبعد الأنظار عنه كما حدث قبل أيام قليلة من جريمة استهداف منتجع سياحي في أحدى مناطق دهوك شمال العراق، واتهموا بها تركيا بشكل غبي، إلا أن الحقائق اللاحقة أشرت أن الجريمة تدبير بين أطراف العملية السياسية وطرف كردي تركي معارض لحكومة أنقرة، علما أن الحكومة التركية أعلنت عن شجبها لهذه الجريمة.
إنهم مخترقون
في عام 2006 حضرت بصفتي الأكاديمية إلى مؤتمر لمنظمة بحثية أمريكية عقد في مدينة إستنبول التركية، واكتشفت لاحقا وجود مجموعة من المشاركين بالعملية السياسية، ومنهم بهاء الأعرجي، ولأني أعرف أحد أشقائه استشهد بالحرب العراقية الإيرانية وعائلة زوجته، تبادلنا بعض الأحاديث وأذكر منها أن بهاء وآخرين كانوا يتندرون على نوري المالكي الذي كان يأخذ زوجته إلى خارج المنطقة الخضراء في بعض الأيام (!!؟؟) لأنهم يعلمون أن البيوت التي استحوذوا عليها بدون وجه قانوني وأخلاقي؛ مزروعة بأجهزة التنصت والتسجيلات...، بمعنى أن جميع العملاء تحت رحمة تكنلوجيا الدول المتقدمة التي احتلت العراق، ولعلم القارئ اللبيب أن الأقمار الصناعية مصممة، لالتقاط الصور والأصوات وغيرهما بشكل فريد من نوعه، وأيضا عمليات تسجيل الأصوات تتم بحرفية عالية مع إمكانية تزويرها، في حين يمكن إجراء عمليات فنية للتلاعب بالصور.
المؤتمرات الأخيرة في المنطقة
شكل حضور الرئيس الامريكي إلى المنطقة ومباحثاته مع المسؤولين لعدد من الدول العربية، إشارة إلى أن هناك عمليات إعادة تقييم لسياسات أمريكا وحلفائها في المنطقة سيما مع تزايد نشاط روسيا والصين فيها، واستمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وانعكاساتها على أزمة الطاقة، ونتيجة لكل هذه الظروف وغيرها شكلت نتائج الزيارة والحوارات انعطافات، قد تأتي أوكلها وتتوضح في فترة ليست بعيدة وتحديدا بالنسبة للعراق، وما يمكن أن يستجد فيه من متغيرات لابد وأنها قادمة وحاسمة.
في المقابل توقعنا أن تكون هناك ردود أفعال لابد وأنها ستحضر ومن هنا لاحظنا زيارة بوتن لإيران حيث يشاع أنه نقل لهم رسالة جوهرها أن هناك نظام عالمي جديد خصوصا بعد قمة جدة( ٦+٣ ) (مجلس التعاون الخليجي والعراق وأمريكا وإسرائيل) وأن العراق لن يبقي تحت جناح إيران وربما إن لم تتنازل إيران عن مشروعها النووي فقد تكون هناك ضربة استباقية لها. وأما تركيا فقد وافقت على ما جاء في قمة جدة وتحاول أن تستثمر المتغيرات لحسابها.