العراق الى أين..؟
بقلم| نور العبيدي
مذكرات عراقية
سلسلة من المقالات تتحدث عن تجربة عراقية عاشت الحرب والاحتلال والتهجير
لم يكن يخطر في بالي يوما أن العراق سينهار تحت حكم عصابات قتلة متعطشة للدماء يحولون الوطن على امتداد أرضه إلى بقعة دماء حوافها جثث أبنائه الذين ذبحوا على الهوية ذنبهم أنهم ولدوا على أرض العراق ويحملون جنسيته, فقد صعقت من هول الأحداث وأنا أكتوي بنار اشعلت في وطني لم تبق شارعا ولا بيتا ولا مدرسة إلا دخلته من النوافذ قبل الأبواب لتحرقني وأنا أمسك بأحلامي التي كنت أمني نفسي بأن أحققها وأنا في ريعان شبابي, مع تسارع الأحدث ومضي الوقت آثرت على نفسي أن أسطر مذكراتي التي يصطليني وإيها لهيب نار أوقدت لتحرق وطن وبجيلٍ كان حلمه أن يملك وطن مستقلا...
الجزء الخامس: (مسرحية داعش لإبادة الانتفاضة)
لم تكتف حكومة المنطقة الخضراء التابعة لـ إيران بالقتل والتغييب والتهجير وتكميم الأفواه والمجازر والاعتقالات العشوائية التي طالت حتى النساء منذ تسلطها على العراقيين بعد 2003، وإنما ارتكبت مجازر متعددة ضد المحافظات الست المنتفضة لقمع تظاهراتها التي تطالب برفع الظلم وإطلاق سراح الأبرياء من سجون التعذيب والهلاك، وعندما عجزت حكومة المالكي عن قمع هذه الانتفاضة؛ هيأت الظروف والأجواء لدخول الجماعات المتشددة إلى هذه المحافظات لتحقق أهدافها الخبيثة، فارتكبت القوات الحكومية بأمر من المالكي مجزرة مروعة في الحويجة في محافظة كركوك بتأريخ 23/4/2013 عندما هجمت على المعتصمين بكل وحشية مستخدمة الرصاص الحي والمباشر ضد المعتصمين مما أسفر عن مقتل 54 شخصاً وجرحى أكثر من 220 آخرين، وفي 22/8/2014 هجمت عناصر من ميلشيا الحشد الشعبي على مسجد مصعب بن عمير في قرية إمام ويس في محافظة ديالى وارتكبت مجزرة مروعة بقتلها أكثر من 73 مصليا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد، ثم تلتها أحداث ومجازر دامية أخرى ارتكبتها القوات الحكومية وميليشياتها الإجرامية لقمع انتفاضة ما عرف بالمحافظات الست، الرافضة للظلم والاضطهاد ثم هجمت القوات الحكومية على ساحة اعتصام الرمادي مستخدمة الأسلحة الحية لإنهاء الاعتصامات والمظاهرات؛ فأعقبها ثورة شعبية واسعة بدأت في مدينة الرمادي ثم امتدت إلى المحافظات الست أسقطت الحكومات المحلية بعد هروب الجيش والأجهزة الأمنية، وبعد عجز حكومة بغداد عن الوقوف أمام هذه الانتفاضة الشعبية الكبيرة أدخلت الجماعات المسلحة المتشددة إلى هذه المحافظات وفتحت الحدود أمامها وساهمت في إدخالها إلى هذه المناطق ثم شنت حربها الواسعة على هذه المحافظات بحجة طرد الجماعات الإرهابية المتشددة، مستخدمة سياسة الأرض المحروقة في قصف المدن بالصواريخ والمدافع والبراميل المتفجرة بالتعاون مع إيران والقوات الأمريكية وما سمي في وقتها بقوات التحالف التي ضمت ما يقرب من 60 دولة كلها اجتمعت لإبادة هذه المحافظات وأهلها؛ وبحسب الإحصائيات والتصريحات لمسؤولين حكوميين ومنظمات إنسانية أن هذه الأعوام هي الأكثر دموية في العراق وقد أكدت ذلك قنوات وصحف عربية وأجنبية منها الـ BBC الأمريكية، وفي الموصل وحدها وقع أكثر من 50 ألف قتيل بين طفل وامرأة وشاب بسبب القصف الذي شنته قوات التحالف والقوات الحكومية كما صرح بذلك هوشيار زيباري أحد وزراء حكومة العبادي والمالكي
وقد توجهت الشكوك إلى أن انسحاب القوات الحكومية من بعض المحافظات كان بتوجيه من رئيس الحكومة حينها نوري المالكي الذي فرض حصارا خانقا على هذه المناطق بعد أن أدخل الجماعات المتشددة وما عرف بتنظيم الدولة (داعش) ليعاقب أهلها ويتآمر عليهم ومارست هذه الجماعات المتشددة أنواع الإجراءات التعسفية والانتهاكات بحق أبناء هذه المحافظات التي أصبحت بين المطرقة والسندان بين تسلط داعش عليهم وبين القوات الحكومية التي تقصفهم بالصواريخ وتعتقل وتغيب من يخرج من هذه المناطق، وفُرض حصار خانق على أهلها، مما أدى إلى هروب آلاف العائلات من بطش داعش ليقعوا في كماشة ميليشيا الحشد التي غيبت أكثر من 25 ألف مواطن لا يعرف مصيرهم إلى يومنا، ومن كتب لهم النجاة فقد عاشوا في مخيمات النزوح المؤلمة التي لا تقيهم من حر الصيف ولا برد الشتاء، وعلى الرغم من سيطرة الحكومة على هذه المحافظات وانسحاب عناصر داعش منها إلا أن عشرات المدن العراقية تخضع لسيطرة الميليشيات الموالية لإيران وتمنع عودة أهلها إليها ومنها ناحية جرف الصخر وعزيز بلد وغيرها من المناطق التي أصبحت منزوعة السكان على مرأى ومسمع من حكومات بغداد التي تقف متفرجة أمام هذه الانتهاكات وحملة التطهير الطائفي والعرقي الذي لم يتوقف، ففي 27/10/2021 شنت ميليشيا الحشد الشعبي هجوما على قرية نهر الإمام في محافظة ديالى وقتلت وأصابت العشرات من أبناء القرية وهجرت جميع أبنائها وسيطرة على المنطقة كلها ومنعت أهلها من العودة إليها على الرغم من مرور ما يقرب من أربعة شهور على هذه الجريمة والحكومة لم تحرك ساكنا أمام هذه الجرائم وحملة التطهير الطائفي الذي تمارسه ميليشيا الحشد الشعبي الموالية لإيران؛ وما زالت معاناة النازحين والمهجرين مستمرة وما زال مصير عشرات الآلاف من المغيبين من أبناء هذه المناطق مجهول، وهذا جزء بسيط من معاناة العراقيين الذين انتفضوا ضد الخوف والجوع والقتل والتشريد إلا أن العالم يصمت عن إبادة شعب لطالما قدم الكثير للعالم وحضاراته وشعوبه، إلا أن انتفاضة الحق ضد الباطل الذي فتك بالعراق أرضًا وشعبًا لن تتوقف لأن الكلمة الأخيرة ستكون للشعب العراقي الحر الذي لا يقبل الضيم ولا يصمت على الظلم فقد قالوا قديما لا يضيع حق وراءه مطالب.