بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
لم يعد خافيا على أحدٍ حجم خطورة العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية على المصارف الخاصة والتي تشكل خطورة بالغة على القطاع المصرفي وانعكاسها على الاقتصاد العراقي فضلاً عن تأثر البلد بهذه العقوبات التي صدرت بحق (32 مصرفاً) مُثبت عليها ارتكابها جرائم مالية (غسيل الأموال، وتمويل الإرهاب والتحايل على العقوبات الأمريكية, فضلا عن تهريب الدولار نحو إيران ودول محورها) والتي تعد نافذة لإيران للاستحواذ على الدولار لدعم استثمارات الحرس الثوري الإيراني المنتشرة في أكثر من دولة إقليمية و أوروبية.
وتكمن خطورة العقوبات الأمريكية بأنها في النهاية سوف تطال البنك المركزي العراقي الذي يقوده لوبي ولائي لإيراني وأصبح أداة تتحكم بها المصارف الخاصة وتستصدر منه قرارات لصالحها حتى أصبح ملاك المصارف من (الأردنيين والكويتيين والإيرانيين واللبنانيين) يتخادمون فيما بينهم ويتحكمون في البنك المركزي مما جعلهم يغامرون ويقامرون بالقطاع المصرفي من خلال استفرادهم بنافذة بيع العملة وتغاضي السلطة النقدية عنهم, فقد تعزز الشرخ ما بين البنك المركزي العراقي و الجانب الأمريكي خصوصاً بعدما قدم الأمريكان كافة الإثباتات على المصارف بأنها ترتكب جرائم مالية خطيرة تؤثر على العراق حالياً ومستقبلاً, لكن البنك المركزي لم يتحرك لمعاقبة هذه المصارف بسبب سطوة وقوة المصارف الخاصة المرتبطة بفصائل مسلحة وتدعمها دول إقليمية لها نفوذ في العراق, فضلاً عن أن اللوبي الفاعل في البنك المركزي هو جزء من تدمير المنظومة المصرفية كونه أداة تنفيذية لصالح هذه المصارف والدول الإقليمية.
وبعد أن فقد الجانب الأمريكي الأمل بتحرك البنك المركزي العراقي لضبط العمل المصرفي ومحاسبة المصارف, اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات بحق (32 مصرفاً) ومنعتهم من التعامل بالدولار, في الوقت الذي كان يجب على البنك المركزي أن يقوم هو بإصدار العقوبات على المصارف كونه صاحب السلطة العليا المسؤولة عن ضبط العمل المصرفي وحماية العملة العراقية من التلاعب كونها جزأ من سيادة البلد
وهنا نشخص نقطة بالغة الخطورة هو أن تحذيرات وزارة الخزانة الأمريكية للبنك المركزي والحكومة العراقية من عمل المصارف ولم يستجب البنك المركزي لهذه التحذيرات سوف تفضي بالنهاية إلى فرض عقوبات على البنك المركزي العراقي بسبب تعاونه مع المصارف الخاصة في جرائمها المالية, فضلاً عن تسهيله عملية الاستحواذ على الدولار لغرض تهريبه أو وصوله الى الجهات المصنفة ارهابية, وكان الجانب الامريكي قد حذر البنك المركزي والحكومة العراقية من أن هناك ثلاث مؤسسات حكومية بارزة مرجح أن تفرض عليها عقوبات بسبب تعاونها بوصول الدولار إلى إيران ومن أبرز المؤسسات المرجح معاقبتها البنك المركزي وأنه لا توجد خطوط حمر والقائمة مفتوحة تسع الجميع.
وزارة الخزانة الأمريكية تعد الآن بعقوبات على حزمة من المصارف الخاصة وأفرع بنوك أجنبية سوف ترفع عدد المعاقبين إلى (42 مصرفاً) والباقي سوف تأتي تباعا كون المصارف العاملة في العراق جميعها ومن دون استثناء ترتكب جرائم مالية ومتواطئة مع الميليشيات وإيران, وإن الجانب الأمريكي كان قد طلب من الجانب العراقي ضرورة الاتفاق مع مصارف أجنبية لها سمعة قوية ورصينة للعمل في العراق لكي تستلم العمل المصرفي ويكون من خلالها وهو ما كشفناه منذ نهاية العام الماضي وتحدث عنه السوداني قبل أيام لأن المصارف العاملة حاليا في العراق لا تصلح أن يطلق عليها مصارفا بل دكاكين تدعي العمل المصرفي وأنه لا يمكن إصلاحها فقد وصل التغلغل الإيراني والميليشياوي فيها حتى بات من الصعب معالجتها, وإن المرحلة القادمة سوف تجهز على القطاع المصرفي وسيكون عام 2025 عام انهيار القطاع المصرفي العراقي وبالتالي الانهيار الاقتصادي ما لم تكن هناك معالجات حقيقية للقطاع المصرفي.
إن الاقتصاد العراقي الريعي المترنح على وقع تقلبات أسعار النفط وتراجع واردات النفطية العراقية بسبب استمرار توقف تصدير نفط كردستان عبر خط جيهان التركي وهو ما كبد العراق خسائر بأكثر من 7 مليار دولار يضاف لذلك اتفاق أوبك بلس الذي خفض إنتاج النفط لمحاولة رفع أسعار النفط وهو ما لم تصل الى المستوى المطلوب حتى الآن والذي تسبب بتراجع الواردات النفطية للعراق لعام 2023 بنسبة (19% )بالقياس مع عام 2022, وكان العراق قد حقق إجمالي الواردات النفطية لعام 2023 (124 ترليون دينار) منخفضة عن عام 2022 الذي حقق فيه العراق إجمالي واردات النفطية (153 تريليون دينار), يضاف لذلك انعدام الصناعة والزراعة وتعطيل القطاع الخاص مع تنامي العقوبات الأمريكية على القطاع المصرفي كل ذلك ينذر بانهيار مالي واقتصادي كبير سيطال العراقي عام 2025 مع غياب المعالجات المالية والاقتصادية يضاف لها ارتفاع الإنفاق الحكومية واستنفاد الرصيد المدور من عام 2022 خلال العام الماضي مما يعني تفاقم العجز في الموازنة لعام 2024 مما يتطلب اقتراض داخلي وخارجي لسد العجز, علما أن ديون العراق الداخلية والخارجية تبلغ اكثر من (152 مليار دولار), ولذلك أرجح عدم قدرة الحكومة على تنفيذ الموازنة لعام 2024 وعدم قدرتها على إقرار سلم جديد للرواتب في ظل غياب القدرة المالية بسبب سوء التصرف والإدارة المالية للعراق.
كما أن الكتلة النقدية الدينارية المتوافرة في المصارف لا تؤهل الحكومة لتنفيذ الموازنة كونها كتلة نقدية منخفضة لا تتلاءم مع تضخيم الإنفاق الحكومي الغير المبرر, وإن حجم الكتلة النقدية التي صدرها البنك المركزي لغاية نهاية عام 2023 ( 102 تريليون دينار) وحجم الكتلة النقدية داخل المصارف تبلغ (9 تريليون دينار )وحجم الكتلة النقدي خارج القطاع المصرفي تبلغ (93 تريليون دينار) بسبب غياب ثقة المواطن العراقي بالجهاز المصرفي وغياب القانون الذي يحمي أموال المواطن العراقي في الجهاز المصرفي وعدم استطاعت الدولة خلق النظام المالي المغلق للنظام المالي الخاص بها بحيث إعادة تدوير هذه الأموال وهو ما تسبب في تأخير تسليم رواتب الموظفين وعدم قدرة الحكومة على تنفيذ الموازنة وبالتالي استمرار تراجع العجلة الاقتصادية والمصرفية والتي ستكون نهايتها انهيار اقتصادي ومصرفي على وقع العقوبات الأمريكية وغياب السياسة النقدية والمالية للعراق وعدم معالجة الخفاقات ومكامن الخلل في كل نظم البلد.