بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
رغم المنجز النوعي الكبير الذي حققته المقاومة العراقية التي تعرضت للحصار الدولي والإقليمي والداخلي، إلا أن قلة قليلة من الباحثين والكتاّب تناول هذا المنجز سواء في مقالات ودراسات أو كتب، وجاء الجهد المتميز الذي بذله الباحث في شؤون المقاومة العراقية العميد الركن حاتم كريم الفلاحي المعروف بمتابعاته ورصده للفعل المقاوم في وقت مبكر من عمر المقاومة، وعبّر عن ذلك في دراسات كثيرة وتحليل عميق في العديد من الفضائيات الشهيرة وتوج جهوده في كتاب صدر مؤخرا بعنوان ("المقاومة العراقية – تاريخ لا يسرق ولا يزور" والصادر عن مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية).
والحديث عن جوانب هذا الكتاب الغني بالمعلومات والزاخر بالتحليل العلمي، يؤكد لنا، أن الشعوب غالبا ما تنقسم إلى ثلاث فئات عند تعرضها للاحتلال من قبل قوة أو قوات أجنبية غازية، الفئة التي تعمل مع تلك القوات وتحاول التقرب منها والحصول على المكاسب بمختلف تصنيفاتها وأشكالها، ويقدم هؤلاء الولاء والطاعة للقوات المحتلة، وقد تسير خطواتهم دون ضجيج وبعيدا عن الأضواء في حال لم تظهر مقاومة حقيقية توجه الضربات للقوات المحتلة، كما حصل عند تعرض اليابان للاحتلال الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1945، ومثل ذلك حصل في ألمانيا بعد الحرب الثانية أيضا حيث تقاسم أراضيها وشعبها الأمريكان والاتحاد السوفيتي، وتكون محنة هؤلاء المتعاونين أشد وطأة عندما تنهض مقاومة ضد القوات المحتلة، وثمة أمثلة كثيرة على ذلك، المقاومة الفيتنامية (الشمالية) ضد القوات الأميركية خلال ستينات القرن العشرين حتى هزيمة تلك القوات على أيدي المقاومين الفيتناميين بقيادة هوشي منه منتصف سبعينات القرن العشرين، مقابل ذلك خنوع فيتنام الجنوبي وعملهم مع قوات الغزو وتعاونهم مع المحتلين، وبعد هروب القوات الأميركية حاول بعض الجنوبيين لصق أنفسهم بالمقاومين الحقيقين لكن وكما يقال الحقيقة لا تغطى بغربال، لهذا سرعان ما تراجعت محاولات "الالتصاق تلك" وبقيت الحقيقة الثابتة التي يعرفها المحتل قبل غيره وتحتفظ بها الذاكرة الشعبية الفيتنامية، فالذي لا يعمل نجارا يستحيل أن يعترف الناس به (نجارا) ولا يضعونه في هذه الخانة إطلاقا، ووقع هؤلاء وهم قلة بين مطرقة الذاكرة الشعبية والرؤية البحثية العلمية، وعانى هؤلاء "المدعون" طويلا من ذلك الانزلاق، فهم لم يتمكنوا من إقناع أقرب الناس إليهم لسبب بسيط وهو أن الذي يعمل مع المحتل لا يمكن أن يقاومه على الإطلاق.
الفئة الثانية في البلدان التي تتعرض للغزو والاحتلال تلك التي تكون متفرجة على ما يدور، وهؤلاء يدركون في النهاية أن موقفهم سلبيا، وهؤلاء يعرفون بدقة من يعمل مع المحتلين ومن يقاومهم، ويحاول هؤلاء التقرب من المقاومين خاصة عندما يدركون بدء ترنح المحتل تحت ضربات المقاومين.
أما الفئة الثالثة فهم المقاومون أنفسهم، وهؤلاء يمثلون النقاء الذي لا يستطيع أحد التشويش عليه، ويعرف المقاومين العدو المحتل قبل غيرهم والمتعاونون مع المحتلين والمشاركون معهم في العمل السياسي والأمني وفي الميادين الأخرى.
وفي جهده الكبير وثّق العميد الركن حاتم كريم الفلاحي المحلل السياسي والاستراتيجي للجهود الجبارة للمقاومين في العراق، وأسس لقاعدة بيانات هامة لمن يريد أن يعرف بالدقة المتناهية الذين قاوموا المحتلين والذين وقفوا إلى جانب المحتل وتعاونوا معه، وفي الأخير أرادوا لصق أنفسهم بهؤلاء المقاومين رغم أن النظرية تقول لا يمكن أن يمزج الماء بالزيت.