الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات المقاومة والرأي العام وغزو العراق

بقلم| وليد الزبيدي

يضع منظرو الديمقراطية استبيانات الرأي العام التي تشارك فيها قطاعات وفئات مختلفة من المجتمعات في صدارة مخرجات ما يطلقون عليه بـ "الممارسات الديمقراطية"، مستندين إلى أن الزعماء يصلون إلى مواقعهم في مختلف السلطات من خلال اختيارات الجمهور، هذا يعني-حسب تنظيراتهم – أن رأي الشارع يتحكم في طبيعة القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية، لكن ما يدحض ذلك الطرح ما حصل في العديد من المناسبات، ولنتوقف عند واحدة من أكثر الأحداث بروزًا والتي أثارت جلبة واسعة في الشارع الدولي ونقاشات وجدل واسع، ونقصد بها "قضيّة غزو العراق" في العام 2003.

قبيل الحرب خرج ملايين المحتجين على ذلك الغزو بمشاركة ما يقارب الستمائة مدينة في العالم، وتوزعت تلك المظاهرات بين مطالبة بمنع حصول الغزو الذي قادته الحكومتان الأميركية والبريطانية وبمساندة العديد من الدول، وبين التحذير من كوارث ستحصل بسبب الغزو والاحتلال، وأخرى تؤكد أن قرار الغزو واحتلال العراق مخالف لقوانين الأمم المتحدة ومبادئها.

لكن تلك المواقف الواسعة وبزخمها المعروف في ذلك الوقت لم تؤثر قيد أنملة في قرار واشنطن ولندن، وكان حضور "كولن باول" إلى مجلس الأمن وطرحه لأكاذيبه المعروفة (5 –شباط – 2003) أي قبيل بداية الغزو بعدة أسابيع، هذا الحضور أثبت أنه أقوى من جميع المظاهرات التي شارك فيها الملايين في أميركا وأوروبا وبقية دول العالم.

وفي داخل الولايات المتحدة انقسم الرأي العام بين مؤيد للغزو ومعارض له، وكان موقف هؤلاء مستند إلى قناعة البعض بخطأ السلوك الأميركي العدائي وخشية البعض الآخر من تداعيات الغزو والاحتلال، لكن اللافت أن الغالبية من هؤلاء ركنوا إلى الصمت أو ما شابه ذلك بعد حصول الغزو، وتوزع هؤلاء بين فريقين، الأول اعتقد أن سرعة احتلال العراق (ثلاثة أسابع) تشير إلى دقة القرار السياسي الأميركي الذي يستند إلى دقة في التخطيط العسكري، والثاني فضّل مراقبة الوقائع على الأرض، فما الذي حصل؟

تأكد في وقت لاحق أن قادة البيت الأبيض قد وقعوا في مستنقع التفكير السطحي فيما يتعلق باحتمالات ظهور "رفض" للاحتلال، وأجمع غالبية هؤلاء أنهم قد استبعدوا تماما ظهور "تمرد" في العراق – هكذا يصفون المقاومة في المرحلة الأولى، لكن شجاعة المقاومين وسرعة انطلاقها في العراق وحجم الخسائر التي تتكبدها القوات الأميركية والبريطانية والقوات الدولية الأخرى قد ألقت بظلالها على قناعات البيت الأبيض من جانب وعلى الشارع الأميركي بصورة عامة من جانب آخر، وهكذا قلب المقاومون في العراق قناعات الشارع الأميركي والدولي.

وبسرعة وفي وقت قياسي انعكس ذلك على قناعات الشارع الأميركي والدولي، وانقلبت نسبة المؤيدين في الشارع الأميركي لغزو العراق بصورة سريعة، فقد وصلت نسبة المؤيدين للحرب على العراق قبل بداية الغزو في ربيع العام 2003 إلى نسبة ستين في المائة، وهذه النسبة عالية جدا في حسابات قياس الرأي العام ضمن الاستطلاعات التي تجريها المؤسسات المتخصصة الرصينة، ووفقا لاستطلاع الرأي نفسه وقد أعيد في أبريل-نيسان من العام 2007، ذكر 58% من المشاركين فيه أن الهجوم الأول كان خطأ. وقبل ذلك وفي مايو-مايس من العام 2007، نشرت صحيفة النيويورك تايمز وسي بي إس نيوز نتائج مماثلة للاستطلاع للرأي رأى فيه 61% من المشاركين أن الولايات المتحدة الأمريكية "كان ينبغي أن تبقى خارج" العراق.

ومن يتابع تصريحات قادة البيت الأبيض وغيرهم من المؤيدين والمساندين للغزو، يجد هؤلاء يعترفون بسذاجة تفكيرهم وحجم هزيمتهم، وبدون شك يقف خلف ذلك شجاعة المقاومين في العراق وتصديهم البطولي للغزو منذ بداية الاحتلال في العام 2003.

مقالات متعلقة