بقلم| د. صباح الناصري (خبير اقتصاد سياسي)
١. تشرين هي أول ثورة اجتماعية سلمية مدنية قبل ما تكون سياسية.
لا وجود لدولة قانون مدنية بدون بنى تحتية لمجتمع مدني يشكل خنادق ومتاريس وأعمدة الدولة.
تشرين نواة لبناء مجتمع مدني حقق في سنة ما لم يحققه العراق في عقود.
سوح التحرير في كل المحافظات كانت عبارة عن جهاز هيمنة يجذب، يصهر ويفرز علاقات اجتماعية تحررية تتجاوز الحدود الهوياتية التي هي العمود الفقري لمنظومة المحاصصة؛ بهذا المعنى تشرين تطرح مفاهيم وثقافة سياسية جديدة من مثل القيادة، التنظيم، التواصل، التمثيل، الممارسة الخ.
٢. هل تغيرت الظروف المصاحبة لانطلاق ثورة تشرين وكانت سببا في اندلاع شرارة الاحتجاج والتظاهرات؟
لمفردة الظروف ٣ دلائل: الأسباب، المسببات، والسياق. الأسباب هي تفكك الدولة، الفساد المقنن، الإرهاب السياسي والمجتمعي وتهميش أغلبية الشعب سياسيا واقتصاديا.
المسببات هي الوقائع الآنية التي شكلت شرارة اشتعال الثورة مثل إذلال حملة الشهادات العليا، تهديم مساكن الفقراء وقطع أرزاقهم، تسليم عبد المهدي مفاصل الدولة لكتائب حزب الله، أي بيع الوطن في المزاد الولائي.
الأسباب والمسببات لم تتغير، ما تغير هو السياق؛ بعد عجز وفشل المنظومة بقمع تشرين بشتى الوسائل، لجأت إلى ثورة سلبية من فوق للالتفاف على تشرين عن طريق إصلاحات ترقيعية، معظمها فضائية، والإيحاء بتنفيذ مطالب الثورة. هذا السياق يشكل خطورة من نوع آخر؛ تفريق صفوف الثورة، ربط البعض بالمنظومة وإفراز قوى من داخل المنظومة تلعب دور البديل لتشرين!
٣. تكتيك الحكومة
ماذا كان القصد من التملق لتشرين وسحب شباب لجانب الحكومة على اعتبار أنهم يمثلون تشرين. ما هي الرسالة ولمن معنونة وماذا كان رد فعل الثوار؟ الثوار مارسوا خطابات النفي والشجب والرفض لهكذا تكتيك، يعني اتبعوا أسلوب دفاعي سلبي اعتقادا منهم أن الرسالة كانت موجهة لهم، لكن الرسالة كانت معنونة لكل الناس التي تتعاطف مع الثورة، لكنها غير مشاركة ولاتفهم تشرين وأهميتها. إذن الإيحاء بأن الحكومة تتعاطف وتشرين ترفض يشوه صورة تشرين أمام أعين المتعاطفين وبذا تسحب الحكومة بساط الشرعية والدعم من تحت أقدام الثوار!
هذا التكتيك اتبعته ونجحت فيه حكومة الكاظمي نسبيا؛ لأنه ليست هنالك قيادة واضحة لتشرين معروفة لدى الشعب لذا من السهل تقديم وجوه على أنها ممثلة لتشرين.
٤. رد تشرين إذن كان سيكون الإعلان عن أسماء تتفق عليها الساحات المخولة بالحديث باسم تشرين، لكن من أجل سلامة الثورة والقيادة ولتفادي اعتقال، اختطاف، أو احتواء هذه الشخصيات، كان لا بد من الاتفاق مبدئيا على تسمية ممثلين خارج سيطرة المنظومة وإن كانوا خارج العراق.
٥. كيف اختلف شكل الثورة بعد تجربة الاصطدام بأحزاب السلطة؟
أولا: ما تسمى أحزاب المحاصصة هي ليست أحزابا بالمعنى السياسي، إنما مجاميع عصبوية مرتكزة على هويات عشائرية، طائفية، عرقية، فئوية وأتباعها عبارة عن حواشي نفعية تنظم من أجل مصالح شخصية ضيقة. الحزب المدني هو تنظيم طوعي ينتسب إليه من يتفق مع برنامجه، رؤيته، أهدافه الوطنية الخ. لذا نبذ تشرين لفكرة الأحزاب والتحزب باعتقادي مقصورة لأنها تعتقد أن الحزب السياسي هو عصبويات المحاصصة.
٦. هل نجحت ثورة تشرين في خلق إطار جامع يتجاوز مجموع الاختلافات والانقسامات التي عززتها الطبقة السياسية من محاصصة وطائفية؟
نعم ولا. نعم لأن نظريا جيل الشباب أكثر تفتحا وتواصلا وأقل أدلجة وعقائدية مقارنة بالقوى الحاكمة والسائدة، لذا تمكنوا جزئيا من تجاوز خنادق الهوية الضيقة.
لا، بحكم المجال الجغرافي والاجتماعي للثورة، تأثير العلاقات الدينية والمذهبية والمناطقية على بعض قوى الثورة مازال واضحا، أي لم تتمكن من نزع معطف الماضي وتتوشح بلباس المستقبل؛ مما أدى إلى بعض الشكوك من قوى أخرى وطنية في إمكانية الثورة بضم أطياف أخرى من المجتمع العراقي، أهمية المرجعية والمراسيم العاشورائية مثال على ذلك.
٧. التحديات التي تواجه الثوار والمحتجين حاليا؟
ثلاثة تحديات: تناقض اجتماعي بأشكاله المذهبية، الجندرية والطبقية.
تناقض سياسي يتمحور حول الشكل السياسي التنظيمي ورؤية الثورة.
تناقض جغرافي استراتيجي.
لكل هذه التناقضات إفرازات وتبعات تحتم حركة الثورة أو شل حركتها.
مثال: ليس بإمكانك أن تطلب من نفس المنظومة الفاسدة أن تصلح نفسها.
ليس بإمكانك أن تطلب من مجلس غير شرعي محاصصاتي أن يأتي بقوانين انتخاب وأحزاب عادلة.
ليس بإمكانك الانتظار من قضاء مسيس أن ينفذ مبادئ العدالة!
إن فعلت ذلك؛ سقطت في فخ الأيديولوجية!
٨. ماهي خيارات المتظاهرين لديمومة الثورة والحفاظ على إنجازاتها؟
توسيع دائرة الثورة محليا ودوليا، أخذ ساحات التحرير إلى كل زوايا الوطن، ربط تشرين بقوى وطنية ومثقفين داخل وخارج الوطن، أي عمليا يجب الاتفاق على مبادئ أساسية ورؤية للثورة تحدد شكل القيادة ونوعية القادة؛ وضع خارطة طريق بجدول زمني محدد؛ التركيز على أهداف محددة تنجز عمليا: لا بد الدفع بالثورة إلى نقطة اللا عودة، إلى نقطة مفصلية في عمر الثورة؛ ولابد بالالتزام وبتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه!