الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية بين الرياض وطهران.. تحركات مرحلية ومسارات مغايرة


بمجرد أن تلقّى “مصطفى الكاظمي” توجيهات بضرورة إجراء جولة في المحيط الإقليمي قبل أن يلبي نداء واشنطن؛ هرول وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” راكضًا صوب بغداد ليلتقي مسؤولي الحكومة وقادة الميليشيات والمتحكمين بمجريات القرارين السياسي والأمني، فضلاً عن الاقتصادي.

ولم تقف زيارة ظريف ـ التي تبعها بالتوجه إلى موسكو ـ عند هذا الحد، بل تمادى أكثر بلقائه مسؤولين في السلطة القضائية المتورطة أساسًا بملفات انتهاكات بدت تتزاحم في الحضور مؤخرًا بتزايد أعداد المتوفين داخل المعتقلات والسجون الحكومية جرّاء التعذيب الممنهج والإهمال الطبي وغير ذلك؛ ولاسيما أولئك الذين أنهوا مدة اعتقالاتهم ولم يُفرج عنهم لدوافع طائفية باتت سمة بارزة في المشهد السياسي العراقي؛ لتثار في ضوء ذلك تساؤلات عديدة معروفة إجاباتها سلفًا لكنها هذه المرة ظهرت بوضوح أكثر جلاءً وأبين دلالة؛ بشأن علاقة وزير الخارجية الإيراني بالسلطة القضائية في العراق، وما له صلة بطبيعة اللقاءات التي أجراها ظريف مع شخصيات وتشكيلات لا تسمح السياقات الدبلوماسية أو البروتوكولات المتعاف عليها في العلاقات بن الدول بإجرائها!

ولعل من المفارقات التي تبعث على السخرية أن يتزامن هذا اللقاء مع تفشي صور وثقها مواطنون عراقيون عابرون؛ تظهر العلم “العراقي” وهو مرتفع بصورة مقلوبة على مبنى “وزارة العدل” في بغداد؛ في مشهد يصف بنفسه واقع الحال بوضوح ولا تلزمه التعليقات الكثيرة التي اتخذت من هذه اللقطة سببًا للتأكيد على انتفاء العدل وتفشي الظلم في العراق، علاوة على الجهل والفساد الذي يغشى وزارات الحكومة كلّها بما فيها تلك الوزارة التي من المفترض أن تكون وسيلة تحقيق المساواة وتطبيق العدالة بين الناس، وهي أبعد ما تكون عن ذلك!

اضطر موجّهو الكاظمي إلى تغيير مسارات برنامجه الخارجي، فبعدما أجلت الريّاض لقاءه بالعاهل السعودي الذي دخل المشفى عشية الزيارة؛ يمم شطر طهران التي استقبلته بوزير خلافًا لما هو متعارف عليه في سلوكيات الحكومات والدول، على الرغم من بذل منابر الإعلام المطبل لإيران وسعها في تبرير ذلك بأنه “عرف إيراني خاص”؛ إلا انها تجاهلت الحقائق والاعتبارات المنطقية إذ لا يمكن بحال أن تتخذ دولة ما إجراءًا في هذا السياق وتفرضه على حكومة تمثل دولة تدعي السيادة؛ إلا في حالتين: إحداهما أن الضيف قليل القدر عندها وأن سيادة بلاده منتهكة، والآخر أنها سلطوية متجبرة لا تأبه بأحد؛ فكيف الحال إذن والصفتان كلتاهما متوفرة؟!

الحقيقة أن زيارة الكاظمي للرياض شكلية من حيث إجراءاتها؛ لأن الوفد الحكومي الذي سبقه إلى هناك حقق المقصود من التوجيهات الأميركية بشأن إعادة ترتيب العلاقات، وضبط جانب من الملفات الاقتصادية، والبحث عن أنماط جديدة داعمة للعملية السياسية، وهذا لا ينطبق على زيارة طهران؛ لأن الأخيرة شريك لواشنطن في إدارة منظومة الحكم في العراق ـ بصرف النظر عن حجم الشراكة ـ لذلك لم يكن للكاظمي أن يؤجلها أو ينتظر دورها المنوط بمخرجات زيارة السعودية؛ رغم أنه حديث عهد بلقاء ظريف؛ وهو ما يُلغي طروحات ظهرت منذ حين بأن ترتيب الرياض قبل طهران في الزيارة مقصود لتعلقه بنتائج وخطوات معينة، ولعل هذه الجزئية من المشهد صادقت مجددًا على حقيقة طالما فرضت نفسها بشأن العملية السياسية وطرق التحكم بها دوليًا وإقليميًا.

البيت الحكومي في العراق خرب من الداخل ومفعم بالوباء، والقوى التي تسيّر منظومته تريد تجميله خارجيًا بعمليات وتحركات تغطي سوآته؛ وتأتي في مقدمة ذلك المنهجية الأميركية المتبعة منذ 2003 في صناعة النجومية وتقليد دور البطل لشخصية المرحلة التي يُراد لها الحضور اللافت ومحاولات التأثير والتغيير الموهومين، حتى إذا انقضت جُلّ الخطوات بدأ الإعداد والتهيئة لمرحلة أخرى بمسالك مغايرة وأدوات جديدة.

مقالات متعلقة