بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
الاحتفالات التي تناقلتها القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل لمجاميع مسلحة تحرق المساجد وتدمرها بحجة أنها مساجد ضرار! حصلت بتواطؤ من السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، وهذه المشاهد تنذر بخطر عظيم ونتائج سلبية وكارثية على الشعب العراقي؛ لأنها سمحت لمجاميع مسلحة لا تخضع للقوانين ولا الضوابط الشرعية أو العرفية أن تتصرف كما يحلوا لها، إذ كيف يسمح لمجاميع مسلحة أن تأخذ زمام المبادرة في تنفيذ القانون بحجة الدفاع عن الدين والمذهب، مما يجعل الشعب رهينة بيد هؤلاء؛ وقد تكررت هذه الأفعال الهمجية فرأينا هذه المجاميع مرة تحرق مقر جريدة ومرة قناة تلفزيونية، ومتنزه ترفيهي ومرة مهرجان فني وثقافي، ومرة تهدد كاتبا وصحفيا لطرح وجهة نظره في فضاء الحرية التي يتنفس بها الجميع والمفترض أن يكون محميا دستوريا وقانونيا! وإذا حصل تجاوز فالقانون هو الذي يحتكم الجميع إليه والآليات المعروفة لدى الجميع تأخذ مجراها؛ إلا أن ما يجري في العراق يظهر حجم التناقض الذي يمارسه أرباب السلطة والمتنفذون فيها؛ ففي الوقت الذي كانوا يستنكر فيه حرق مقرات الميليشيات الولائية المتهمة بارتكاب مجازر ضد المتظاهرين، وإغلاق المدراس في تظاهرات تشرين؛ رأيناهم يحرضون ويساهمون في حرق وإغلاق مساجد الصرخيين؛ مع أنهم مواطنون لهم الحق في ممارسة عبادتهم والتعبير عن آرائهم، وإذا كانت لديهم شبهات فإنها ترد بالحجج والبراهين لا بالهدم والحرق والاعتقالات التعسفية؛ لأن الفكر يقارع بالفكر، وإلا فإن الانتهاكات التي مورست ضد هذه الفئة من العراقيين تنذر بتحويلهم إلى قنبلة موقوته وإلى عدو محتمل بسبب الممارسات الهمجية والإقصائية التي تنتهجها أحزاب السلطة وميليشياتها التي تسبب بتمزيق النسيج المجتمعي في الوسط والجنوب أكثر مما هو ممزق الآن في ظل الانقسام الحاصل. ثم إن المساجد حُرِّم الاعتداء عليها في كتاب الله تعالى ووصفهم الله بالظالمين لسعيهم في خرابها وتدميرها ووعدهم بالذل والهوان في الحياة الدنيا، وفي الآخرة عذاب عظيم.
ثم إن هذه الانتهاكات تظهر ثقافة مرتكبي هذه الجريمة فهم لا يمتلكون من الثقافة شيء ولا يعرفون من اللغة إلا الحرق والقتل والتدمير؛ وما يثير الاستهجان هو غياب دور القوات الأمنية أمام هذه الأعمال الوحشية! مع أن دورها هو حفظ حياة الناس وحفظ دور العبادة بكل أنواعها! والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا هذا التحول ولماذا الموازين انقلبت رأسا على عقب؟ وما هو موقف من يوصفون بالزعماء السياسيين والمراجع الدينية من هذه الأفعال؟ هل صمتهم يعني قبولهم بحرق المساجد وانتصارا لهم؛ لبقائهم على كراسي الحكم بما فعلوا ويفعلون؟! وكأن الكوارث التي تصيب العراقيين لن تنتهي إلا أن ما يميز جريمة حرق المساجد هذه هي أن الزعامات التي تدعي الإسلام، هي تطعنه علنا وأمام الملأ؛ لكن بسبب التخلف الذي أصبح واسع الأرجاء عميق الجذور، وسياسة التجهيل المشكلة الكبيرة التي حرصت الزعامات الدينية والسياسية على إشاعتها في المجتمع العراقي؛ ترى الناس يحجمون عن استنكار مثل هذه الجرائم وينكفئون على أنفسهم في محاربة التهام الفقر والجوع لهم؛ ليتصدر المتحزبون والمشاركون في تدمير العراق المشهد ويقلبوا الموازين ويجمعوا بين المتناقضات، ففي الوقت الذي ينادي فيه الصدريون بالإصلاح وفرض سلطة القانون، يقومون بحرق المساجد وسرقة الممتلكات وترويع العوائل فهل تأتي هذه الأفعال بدافع التخلف، أم في إطار سياسة التجهيل؛ لجعل الشعب العراقي أكثر طائفية لينخدع باسم الطائفة ويكون مستعدا لقبول الذل والمهانة والتبعية العمياء ليستمر حكم المعممين له لأنهم من طائفته بعيدا عن كفاءة هذا الشخص وأمانته، فهل نجح الفاسدون في فرض هذه المعادلة؟
الإجابة تكمن في مواقف الشعب من استمرار ظلم المساكين وإفقار الشعب وتخلفه، وعدم استنكار الجرائم والانتهاكات التي ترتكب بحق العراقيين، وعدم سعي الشعب لتغيير اتجاه البلاد من الانحدار إلى عمق الهاوية إلى عزة البلد واستقلاله واحترام الإنسان العراقي وحفظ كرامته واستعادة حقوقه؛ لأن السنن الاجتماعية أكدت على مفهوم أنه (كيفما تكونوا يسلط عليكم) وقاعدة (أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
أما استمرار تسخير الأحزاب السياسية الفاسدة للدين كي تكتسب صفة القداسة، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضا على الله. فهذا يعني أن الشعب تحت وطأة هذه الأفكار وأنه أداة للجم الشعب وحصر المال بيد الطغاة؛ وإذا أردنا معرفة تأثير الطغاة على الشارع العراقي علينا أن ننظر إلى تفاعل الشارع مع حرق المساجد وهدمها بحجة أو أخرى؛ هروبا من حل مشاكل العراق والعراقيين وإشغالهم لاستمرار تسلطهم.
الصرخيون هم تحدي للمرجعيات الدينية الكلاسيكية وتحدي للصدريين أنفسهم، فهم أول حركة تيارية انبثقت بعد محمد الصدر، وتمسكت بصلاة الجمعة وتعرض الصرخي للاعتقال بفعل نشاطه، لذلك يعتبرون أنفسهم وارثين للتيارية التابعة لمحمد الصدر، خصوصًا وأن بحوث اجتهادات الصرخي أشاد بها محمد باقر الصدر، وهذا أعطاه حظوة بين أتباعه، فالصرخيون إذن هم جزء من التيار الصدري العقائدي وليس الميليشياوي، ولكن لماذا هذا الاستهداف والإقصاء الجائر؟
مقتدى الصدر يحاول استثمار القضية سياسيًا لتوجيه بعض الرسائل: أحدها إلى المجتمع الشيعي: بأنه مدافع عن الواقع الشيعي وثوابته وليس كما يروج الإطار التنسيقي ضده بأنه يريد كسر إجماع الشيعة. والرسالة الثانية إلى الإطار التنسيقي وأجنحته، وذلك عبر ضرب الطرف الأضعف ليشاهد الأقوى، أما الرسالة الثالثة فهي الدفاع عن مرجعية النجف وتقويتها على حساب المرجعيات الأخرى للحصول على مقبولية أكبر لديها. إلا أن هذه الأفعال لن تنتهي طالما هناك من يتبع هذه العصابات الدينية ويعتقد بأفكارها إلى درجة التقديس
العراق اليوم أسير بقبضة الطبقة الكهنوتية التي تعاونت مع المحتل بشكل مباشر وغير مباشر لترسيخ احتلال العراق ثم دعمت الاحتلال ومشاريعه في العراق بمواقفها الواضحة والمعلومة لدى الشعب العراقي، ولذلك لم تتصدى للاحتلال ولم تدع إلى مقاومته، وأكثر الذين قاوموا الاحتلال واستشهدوا في سبيل الله كانوا بعيدين عن توجيهات المرجعيات الدينية ممن آمنوا أن الإنسان مخلوق لله تعالى وعليه أن يبيع نفسه لمرضاة الله تعالى وتتلاشى قيمة الروح أمام عظمة الخالق. وهنا ننبه على أن من أهم عناوين هويتنا أننا عباد لله وحده. ولعلّ كارثة انسلاخنا عن هذه الهوية تجعلنا بلا وجود ولا قيمة ولا اعتبار إنساني، الإسلام حررنا من عبودية الطغاة ومن جاهلية السفالة والانحطاط وحقق إنسانيتنا بمكارم الأخلاق ونبذ الانحراف والدناءة والسقوط في حضيض البهيمية، وبدين الإسلام تشكلت سيكولوجيتنا الذاتية والموضوعية في توازن المجتمع الإسلامي الذي ننتمي إليه.
ومن هنا نفهم بأن دجل الطائفية هو صفحة من صفحات الحرب التي تستهدف تدميرنا نهائيا بعد أن تم احتلال أرضنا واستباحة دمائنا، النظام السياسية الحالي يسخر الدين كي يلبس هذه السياسة صفة القداسة، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضا على الله. حينها تبقى الشعوب ترزح تحط وطأة هذه النظام
إذا كانت الحرب التي هي نتيجة الصراع المحتدم, والتنافس المبتذل أحيانا حول السلطة والنفوذ بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية تسمّى حربا شيعية شيعية كما يزعمون, فماذا نسمّي الحرب لو نشبت ولنفس الأسباب بين أطراف أخرى مماثلة حرب كرديّة كرديّة مثلا, وحرب سُنية سُنية! ما لكم كيف تحكمون. مثل هذه الحروب وإن تعددت تسمياتها فهي بحد ذاتها مؤشرات خطيرة تنذر بصراع دموي محتمل ليكون العدو الجديد الذي ينهك العراق شعبا ومقدرات.
نسمع وكما هي العادة في كل أزمة تضرب البلد وتهزّ جل الأحزاب داخل العملية السياسية أن هناك أجندات تدفع إلى حرب بين الأحزاب المتنافسة فيما بينها حول السلطة والنفوذ والمصالح؟ ماذا لو كانت هذه إشاعة وكذبة أطلقتها الأحزاب ذاتها لتتخندق وتتمترس بالمذهب والطائفية حفاظا عن مصالحها ومكاسبها الحزبية والسياسية وتسقيطا لمنافسيها. وهل يمكن أن نتصور حينها انقسام المراجع الدينية الى خندقين أو معسكرين متحاربين هذا يفتي بقتل ذاك وذاك يفتي بقتل هذا. أم هي إشاعات برعت بها الكيانات السياسية لامتلاكها الآلة الإعلامية والوسائل الأخرى لغسل أدمغة من يمكن أن يغرر بهم، كل ما يمكن أن يفعله المواطن العراقي أمام هذه الأحزاب ومخططاتها هو ألّا يكون حطبا لنار كان المفترض أن تستهدف أعداء العراق. أما حرمة المساجد فهي متأصلة في عقيدة المسلم والإسلام براء ممن يسيء إلى كرامة المسلمين بحرق بيوت الله تعالى.