الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات تدوير النفايات من جديد

بقلم| أ . د. عبد الرزاق محمد الدليمي
هناك تعبير جميل ومعبر للمناضل الثائر تشي جيفار قال فيه" إذا استطعت أن تقنع ذبابة بأن الزهور أفضل من القمامة، حينها تستطيع أن تقنع الخونة بأن الوطن أغلى من المال"..

عندما كنا نتحدث عن إعادة استخدام المواد المستهلكة المرفوعة من الأزبال وإعادة انتاجها نتذكر أن رائحتها تبقى تزكم الأنوف.. ورغم أن الغرب المتطور طور أساليب لإعادة تدوير النفايات وتصنيعها بشكل متطور وإنتاج سلع وبضائع نوعية مفيدة جدا وغالية الثمن!! ..بعكس الذين ابتلينا بهم في العراق بعد الاحتلال فلاتزال تنطبق عليهم عمليات تدوير النفايات، وكلما أعيد تدويرهم وفرضهم على الشعب زادت رائحتهم الكريهة، وزاد طيشهم وسرقاتهم وجرائمهم، فكل يوم يمر يدونون في تاريخهم الأسود من الفضائح ما أن المواطن من شدة دهشته من الفضيحة الجديدة القديمة ينسى أنه تفاجأ من جريمة الأمس، وهذا يحصل للعراقيين منذ عشرين سنة ملؤوها بالكوارث والجرائم التي أنهكت الشعب العراقي منذ الاحتلال الأمريكي البريطاني الإيراني الصهيوني، هذه الكوارث نفذها أناس حُسبوا على العراق؛ وهو وشعبه بريئ منهم إلى ما شاء الله تعالى.

رغم أن دُعاة الحلّ الأمريكي، اعترفوا أن المشروع الأنكلو - أمريكي الإيراني للعراق فشل فشلا ذريعا، وهذا ما كانت بعض القوى العراقية المُـخلصَة تحذر منه قبل الاحتلال، يبدو أن عجلة الزمن توقّـفت في العراق المحتل منذ أمد بعيد، وتحوّلت إلى الشعارات المتصارعة والمتناقضة بين الأطراف المستفيدة من الاحتلال، والتي حوّلت البلد إلى كانتونات انعزالية في أغلب الأحيان.

وما شهده العراق على مدى عام من الآن يؤكد أن الاحتلال يصر على نفس السياسات السابقة التي أهلكت البلاد والعباد، وبعد صراعات دموية بين أجنحة العملية السياسية الفاشلة، عاد إلى واجهة السلطة نفس الوجوه الكالحة التي نفذت بحقارة وقذارة أكثر مما ارتجاه المحتلون، ورغم أنهم اعترفوا صراحة بأنهم أناس جهلة بالحكم ومخربون ومدمرون بالفطرة لا يحبون العراق ولا شعبه ويتنكرون لتاريخه وحضاراته العظيمة، إلا أن الاحتلال الأمريكي البريطاني الإيراني مايزال يجد فيهم ضالته في إنهاء وجود بلد وشعب عظيمين... إن إصرار المالكي على ترشيح محمد شياع السوداني الذي تمتلئ صفحات حياته بكم كبير من الشبهات والسرقات والفشل...وهذا يعني أن جميع من رشحوه، يشاركونه نفس الخصائص والصفات والجرائم.

ليس بخافٍ على أحد أن أحد أهم أهداف المشروع البريطاني الأمريكي في العراق، هو ضمان أمن (إسرائيل)، والذي تحقق منه الكثير بتصريح رئيس الوزراء (الإسرائيلي) الأسبق إيهود أولمرت، إن العالم أفضل بغياب نظام صدام، وهو يقصد طبعا حال العراق الذي لا يسُـر الصديق! فتدمير الجيش العراقي وتفكيك الدولة وتقسيم العراق إلى أقاليم ومناطق غير متوازنة، يساعد في تحقيق الحُـلم الإسرائيلي القديم، من النّيل إلى الفُـرات! وفي خط مواز لقتل الأدمغة وسرقة الآثار، والاغتيالات والتفجيرات التي لا تميز بين دم وآخر، انتشرت في العراق عشرات المنظمات المشبوهة تحت غطاء "منظمات المجتمع المدني"، وخصوصا النسوية، التي أخذت تروّج بشكل علني للإلحاد والإباحية والعلاقات بين المثليين والكفر بالأديان والتشكيك بها وبالكتب السماوية، وتدعو إلى كره الحجاب الإسلامي. فما بين قتل التاريخ ومسخ الحاضر، يبدو أنه يُـراد للعراقي أن ينفتح على مستقبل جديد، خال تماما من القيَـم الإنسانية.

نسمع ونقرأ بين حين وآخر عن محاولات خجولة باهتة لإدارة الشر في الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، لإيجاد مخرج من المأزق العراقي باستمرار ارتكاب الأخطاء القاتلة، ونشر الفوضى "البنّـاءة"، التي حصدت أرواح أكثر مليوني عراقي، وهجّرت مليونين داخل العراق وحده، وخمسة ملايين خارجه ودمرت البنية التحية للدولة والإنسان، وتحول العراق إلى ساحة لتسوية الحسابات الإقليمية والدولية، وقبل ذلك، إلى غابة تتصارع فيها الوحوش.

إيران إحد مصادر الشر وأهله

لأن صور الموت والرائحة المنتشرة في كل مكان، وسياسة الاغتيال وأجواء الرُّعب هذه، ليست إلا جزءا من الكل في سياسة عامة، بدأت من عمليات النَّـهب وفتح الحدود على مصراعيها لكلِّ من يبغي سوءا بالعراق من التسلل إليه في وضح النهار للانتقام! في السياسة أيضا إيران أصبحت قبْـلة مُـهمة للسياسيين العراقيين، لأنها اليوم لاعب مُـهم ومستفيد أكبر مما يجري في العراق، ويجب أن لا تستدعيها الحكومات المتعاقبة! بعض الجهات العراقية لم تُـخف رغبتها في القيام بدور الوسيط بين إيران وخصومها وهي محاولة لكي لا يتحوّل العراق إلى ساحة منازلة إيرانية مع الآخرين، ورغبة في تخفيف الاحتقان الدبلوماسي بين طهران وواشنطن، على خلفية البرنامج النووي الإيراني. إيران اليوم قادرة على قلب الطاولة على الأمريكيين والبريطانيين، وهي تتوسع في دائرة تحالفاتها، للقوى المشاركة في العملية السياسية من السُـنة والشيعة، وتنفتح في وقت واحد على الشيعة والسُـنة والعلمانيين والإسلاميين، وعلى القوميات المختلفة، ويتّـهمها أكثر من طرف بإيواء (أو اعتقال) عناصر بارزة من تنظيم القاعدة، كانوا لجأوا إلى إيران.

ابن خلدون يبكي على حالنا:

كلما أريد أن أكتب عما حصل ويحصل بالعراق تستهويني تنبؤات وتوقعات .. ابن خلدون رائد علم الاجتماع العربي، وكأنه يعيش معنا هذه الظروف العصيبة ويشخصها بطريقة علمية نافذة، فمما ورد من مفاهيم ابن خل، أنه:

عنـدمــا تـكثــر الجبــايـة تشرف الدولة على النهـايــة، وعندما تنهار الدول ويكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون..والكتبة والقوّالون..والمغنون النشاز والشعراء النظّامون..والمتصعلكون وضاربوا المندل..وقارعوا الطبول والمتفيهقون (أدعياء المعرفة) ..وقارئوا الكفّ والطالع والنازل..والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون..تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط..يضيع التقدير ويسوء التدبير..وتختلط المعاني والكلام..ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل..

عندما تنهار الدول يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف..وتظهر العجائب وتعم الإشاعة..ويتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق..ويعلو صوت الباطل..ويخفق صوت الحق..وتظهر على السطح وجوه مريبة..وتختفي وجوه مؤنسة..وتشح الأحلام ويموت الأمل..وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه..ويصبح الانتماء إلى القبيلة أشد التصاقا..وإلى الأوطان ضربا من ضروب الهذيان..يضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء.. والمزايدات على الانتماء. ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين..ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة..

وتسري الشائعات عن هروب كبير..وتحاك الدسائس والمؤامرات..وتكثر النصائح من القاصي والداني..وتطرح المبادرات من القريب والبعيد..ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته..ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار..ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين.. ويتحول الوطن إلى محطة سفر..والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب..والبيوت إلى ذكريات والذكريات إلى حكايا. رغم أن بيننا وبين ابن خلدون مئات من السنين إلا أن ما كتبه ينعكس على واقعنا سيما تجربة ما أصابنا من كوارث طيلة العقدين الماضين من عمر الاحتلال البغيض لبلدنا، حيث علمتنا أن المحتل وذيوله كلما أغلقت الأبواب بوجه استمرار مهزلتهم السياسية يلجؤون إلى ذات الأساليب فتعود ذات الوجوه إلى الواجهه وهذا طبعا ما تستفيد منه كل الجهات التي ارتبطت مصالحها ووجودها بالاحتلال وفي المقدمة منهم المليسشيات التابعة لنظام طهران علما أن وجودها، سيزيد المشهد في العراق دموية وتخبطا على صعيد استقرار العراق، والمضحك المبكي أن كل الأطراف المسلحة المناهضة للقانون ترفع لواء الإسلام، والإسلام براء منهم، هذه الممارسات التي وجد لها البعض تبريرات تحت دوافع مختلفة، لكن النتيجة هي زيادة هشاشة الدول المتهالكة أصلا، وتحطيمها من الداخل.

إنهم فاسدون وملحدون بالفطرة

كل الساسة الذين حكموا و تبوّؤا مناصب سيادية هم فاسدون مع سبق الأصرار .. و يكفي عرض رواتبهم ومخصصاتهم المليونية والمليارية ليثبت ذلك .. ولا نخوض في السرقات والخيانات والمقاولات الخفية والتعيينات المضمونة بالواسطات والرواتب الفضائية الخفية وغيرها؛ ناهيك عن رواتب المسؤولين وحماياتهم ومواكب عجلاتهم المصفّحة .. تكفي لأدانتهم بعد امتلاء كروشهم وعوائلهم وذويهم بدم الفقراء وبالمال السحت الحرام! وما الفضائح المالية الآخيرة وسرقة المليارين ونيف؛ إلا واحدة من سطور وصفحات مشينة تملأ كتاب الاحتلال الأسود ...بعد كل هذا الواقع المأساوي نرى مجدداً؛ إعادة الفاسدين الكبار الذين تسببوا بسرقة وهدر ألفا مليار دولار إلى إدارة البلد ((رغم اعترافاتهم بكل وسائل الاتصال بأنهم فاشلون وأخفقوا بإدارة البلاد وطلبوا من الشعب الصفح عنهم؟!)) ،ولا ننسى هنا التأكيد أن أحد أهم أسباب التخبط هو توظيف الفاسدين والعملاء الدّين (وهو بريئ منهم)، واستغلاله من بعض دعاة الدين والطائفية المقيتة لتحقيق أهدافهم واستمرار هيمنتهم على مقدرات البلاد والعباد، فهم يفسرون ويحللون ويحرمون على قدر حاجاتهم، ولا يعبهون بنشر غسيلهم القذر وثقافة الوهم والجهل والغباء الذي أحاط بالعراق والعراقيين بسبب نشر المفاهيم الخاطئة عن العشائرية والطائفية واستغلالها.

أسئلة تبحث عن إجابات

يتساءل كثيرون ألا يُحرّك مقتل الأعداد المتزايدة من العراقيين يوميا في بغداد وباقي مدن العراق ضمير الإنسانية، الذي ذهب في إجازة مدفوعة الأجر منذ دخول قوات الاحتلال إلى البلاد باسم "التحرير ونشر ديمقراطية نموذجية" في العراق، ومتى يتوقف نزف الدماء، وهي تجري أنهارا في عراق الرافدين الخالدين، دجلة والفرات، بدلا من أنهار العسل واللبن التي بشر بها المحتل الأمريكي شعب العراق؟!

الموت يلاحق العراقيين لأنهم وُعدوا بوجبة غداء مع الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، أو هكذا تقول أدبياتهم، لقد تفنن الاحتلال وعملاؤه بأساليب قتل العراقيين، لأن هدفهم كان وسيبقى إغراق العراق في بحر الحرب الأهلية والطائفية، ثم تأتي الميليشيات المنفلتة لتزيد الطين بله عندما لجأت إلى شن حربها بهجمات، يجري تنفيذها بمدافع الهاون وبصواريخ الكاتيوشا، التي عادة ما توقع خسائرها بالمواطنين العراقيين المستضعفين لتكريس حقيقة تقسيم العراق إلى كانتونات، والذي دمّـرت أحداثه القاسية الإنسان العراقي من الداخل، وحوّلته إلى كومة لحم سريع الاشتعال والانفجار، حتى على أهله.

إذن الموت والخطف ثم القتل الجماعي مازال سيد الموقف، ينتشر هذه الأيام برُعب يملأ ضجيجه كل أركان العراق، هل هو هذا قدَر العراق أن يصبح الدّم العراقي رخيصا جدا، بعد كل عملية قتل للعراقيين، يخرج الساسة ببيانات استنكار وإدانة ودعوات لضبط النفس، خطابات متشنّـجة ومتوترة، واحتقان يغلّـف حقيقة الأطماع السياسية لرجالات العملية السياسية، وأهداف إقليمية ودولية ينفذها عراقيون بكفائة، بعضهم يضحك على نفسه وعلى الناس بأنه يعمل لوجه الله، وآخرون للوطن، والأكثرية يتحركون بأجندة غيرهم... ويحسبون أنهم مهتدون.اليوم، وبعد عقدين من عمر الاحتلال البغيض فإن العراقيين مازالوا يتبادلون الاتّـهام بأصل "عراقيتهمّ"، أما الدّين، فقد كثرت المرجعيات والفتاوى وهذا ما ينتشر علنا في البيانات والخطابات ولا يخفي الترويج له من رجالات القوم، والحبل على الجرار، كما يقول المثل العراقي، وليس الأمر داخل الطائفة الواحدة أو حتى بين مُـكونات القومية الواحدة بأفضل منه خارجها.

الفشل هو العنوان الأكبر

في هذا السياق، لابد من التوقّـف عند الأساليب التي اتـبعها نظام طهران في الملف العراقي وآثاره على طبيعة الاصطفافات السياسية، حيث لا تركّـز إيران اهتمامها على الشيعة الإسلاميين، وربما تعتمد عليهم فقط في تمرير برنامجها النووي، وتتخلّـى عنهم، إذا دخلت في صفقة جدّية مع الولايات المتحدة، خصوصا عندما يتعلّـق الأمر بحماية كيانها السياسي من التفكّـك والانهيار، على غرار ما حصل للاتحاد السوفيتي السابق عام 1991،إن السّجال السياسي في إيران، بين الإصلاحيين والمحافظين، وبين أقطاب الحكم وأركان النظام، يترك تداعيات مباشرة على الملف العراقي، بل إن العراق هو واحد من أهم الموضوعات، التي يحتدم حولها النقاش داخل إيران.

إن واقع الحال الذي سينتهي عنده العراق بعد مسرحية الانتخابات الآخيرة ومهازلها، هو أن المستفيدين منها سيفسرون الماء بعد الجهد بالماء وسيبقى الحال على ما هو عليه إلى أجل غير مسمى، فكل ماقيل عن الثورة الشعبية والاحتجاجات والمظاهرات والتضحيات والاعتقالات لم تؤد أوكلها في تغيير الواقع المأساوي الكارثي الذي خلقه الاحتلال البريطاني الأمريكي الإيراني للعراق، ويبدو أن هذه الأساليب لم ولن تجدي نفعا للعراقيين، وهذا يعني أن عليهم أن يفكروا بأساليب أخرى علها تنفعهم!!

مقالات متعلقة