بقلم| عمر الحلبوسي (كاتب وباحث سياسي)
لم يعد يخفى على أحد حجم التضحيات التي قدمتها المقاومة العراقية التي تسير وفق خطط استراتيجية متميزة أعطت تكاملا تميزت به المقاومة العراقية عن غيرها من الحركات المقاومة الشعبية التحررية، لما أحدثته المقاومة العراقية من إنجازات وانتصارات عظيمة أوصلت المحتل الأمريكي وحلفائه إلى حافة الانهيار والهروب من العراق، لولا صحوات حلف الغادرين التي أعطت نفسًا جديدًا للمحتل، الذي استعاد تنظيم صفوفه وإعادة انتشاره تحت غطاء تدريب القوات العراقية فضلاً عن الاحتلال السياسي، لكن المطلع على عمل المقاومة وحتى العدو يشهد بنجاح تكاملية المقاومة العراقية التي انتصرت حتى الآن في كافة مواجهاتها التي دارت في كل الميادين لتقدم إنموذجًا مقاومًا تحرريًا، سار بخط متوازي ونما بشكل تصاعدي ليحافظ على مكتسباته الميدانية والسياسية والاقتصادية عبر استراتيجية إعادة التنظيم والانتشار واستخدام أساليب نوعية غير تقليدية في مجالات المقاومة الثلاثية وهو ما عزز من قوة المقاومة العراقية وحافظ على مكتسب التحول من أسلوب الدفاع إلى أسلوب الهجوم بفضل النجاح الاستراتيجي الذي جسد ميدانيًا.
عسكريا: فقد خاضت المقاومة العراقية معارك طاحنة في الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى والتأميم و حزام بغداد أوقعت في المحتل الأمريكي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات فضلا عن تدمير قواعد ومقار المحتل كان أبرزها قاعدة الصقر التي تم تدميرها بالكامل، ناهيك عن معارك الفلوجة الأولى والثانية، التي حققت المقاومة فيها انتصارات عظيمة تسببت في كسر شوكة المحتل، لكن ما شهد به المحتل الأمريكي على لسان قادته وجنوده أن مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار كانت الأشد مقاومة وضراوة إذ لم يمر يوم إلا وشهد عملية نوعية للمقاومة مخلفة خسائر كبيرة في صفوف المحتل الذي لم يحكم سيطرته على الرمادي إطلاقًا، إذ كانت أغلب مناطق الرمادي تشهد سيطرة للمقاومة حرمت على المحتل الأمريكي الدخول لمناطقها، وما زالت عالقة في أذهان سكان الرمادي وحتى العدو الأمريكي عبارات (ممنوع دخول الاحتلال الأمريكي بأمر المجاهدين) التي انتشرت على جدران مناطق الرمادي ومن درس تاريخ العراق يجد أن هذا العمل هو امتداد تاريخي في حضارة وادي الرافدين إذ وثق تاريخيًا في حضارة وادي الرافدين نقوش عراقية عبارة (آبوا شابوا) بمعنى الطريق الذي لا يمر منه العدو وهذا يعطي امتداد مقاوم من الأجداد مرورا بالآباء وصولًا إلى الأبناء لنثبت للعالم أننا خير خلف لخير سلف حملنا الأمانة بصدق العقيدة ونقاء السريرة وسلامة المنهج الذي حققنا من خلالها انتصارات عسكرية تكبد فيها العدو خسائر ما زال يأن من وقع ضرباتنا القاصمة، وبنفس الوقت حققنا انتصارًا اجتماعيًا ما زال شاخصًا بتأسيس حاضنة جماهيرية ما زالت تؤمن بالمقاومة طريقًا للتحرير.
سياسيا: قد يخفى على البعض موضوع المقاومة السياسية التي نخوضها منذ عام 2003 حتى اليوم لكن التاريخ سيذكر ما تحقق من انتصارات في ميادين السياسة التي خاضتها المقاومة جنبًا إلى جنب مع البندقية، إذ كان التخويل الذي منح للشيخ المجاهد (حارث الضاري) رحمه الله والذي التف حوله فرسان المقاومة انتصارًا كبيرًا جعل من المقاومة العراقية رقمًا صعبًا في ميزان القوى السياسية في الشرق الأوسط، وهو ما ثبت في تهافت الساسة الأمريكان والبريطانيون والأوروبيون والعرب والوسطاء، الذين ما زالوا يطرقون الأبواب للقاء بممثلي المقاومة بحثًا عن مخرج ينقذ ما بقي من سمعة أمريكا وحلفائها والهروب من العراق الذي وصفه كتاب وساسة غربيون بالمستنقع الذي وقعت فيه أمريكا وحلفائها والذين تكبدوا خسائر كبيرة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
إن مقاومتنا السياسية والتي أحدثت نقلات نوعية كبيرة في عملها وتسجل اليوم حضورًا دوليًا عظيمًا ينمو بين الفينة والأخرى ليعطي صورة مشرقة عن قيادة المقاومة التي نجحت في إثبات علو كعبها في ميدان السياسة وتحقيق مكاسب تجسدت ميدانيًا، جعل منها محط أنظار العالم والذي يتواصل بشكل مستمر طلبًا للرضا واستماعًا لشروط المقاومة التي لم ولن ولم تجلس على طاولة المفاوضات أو النقاشات إلا بشروطها كونها صاحبة الحق الشرعي والقانوني وكذلك صاحبة الانتصار الميداني الثابت في ساحات المعارك الخالدة.
اقتصاديا: قد يخفى حجم المقاومة الاقتصادية التي خاضتها المقاومة العراقية التي كبدت فيها العدو الأمريكي خسائر مالية واقتصادية هائلة قطعت أغلب طرق الإمداد ودمرت الآلاف من قوافل الدعم اللوجستي، التي كانت تتعرض للاستهداف بشكل يومي تسبب بإفلاس عدد الشركات التي كانت متعاقدة مع جيش الاحتلال الأمريكي لتقديم الدعم والمؤونة له، فضلا عن أسر المئات من قادة هذه القوافل والتي وثقت بإصدارات مرئية للمقاومة أجبر من خلالها الكثير من الشركات على الهروب من العراق لتحقق المقاومة العراقية انتصارًا اقتصاديًا قطع دابر العدو الذي تكبد خسائر بمليارات الدولارات جراء ضربات المقاومة العراقية التي كانت تخوض غمار ثلاثة معارك في آن واحد أعطاها تكاملا قوى من شوكتها وحقق لها انتصارات متواترة في ميدان العزة والكرامة التي ما زلنا إلى اليوم نستنشق غبار الكرامة.
إن ما تحقق على مدى أعوامنا السالفة من انتصارات عظيمة لم يكن هو كل ما لدينا بل ما زلنا نملك الكثير الذي لم نفصح عنه بالوقت الذي تراخت فيه كل القوى الإقليمية والدولية، إلا أننا ما زلنا في أوج قوتنا التي سنواصل بها المسيرة حتى النصر أو الشهادة في سبيل الله، كما نفصح من خلال هذه السطور عن شروعنا في عمل مقاوم جديد وأساليب جديدة لتنظم إلى الثلاثية السابقة لنحدث التكامل في الميادين المتعددة والتي ستفضي بالنهاية إلى انتصار عظيم متكامل على كافة الأصعدة التي نخوضها لتحرير الأرض والإنسان وإعادة بناء الإنسان ومن ثم تشييد العمران، "فبسمك الله نبدأ دربًا جديدًا عليك الاتكال وبك المستعان".