الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حرب الظل إيران.. ولعبة الشيطان ..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (باحثة وكاتبة)

يبدو أن اغتيال كبار أعضاء حزب الله لم يعد يتم انطلاقا من مبدأ تغيير التوازن الاستراتيجي بين إسرائيل والحزب، بل أصبح بديلا عن الإنجازات الاستراتيجية..

المأزق الذي يعيشه (حزب الله) في جنوب لبنان على المستوى العسكري، وعلى صعيد القاعدة الشعبية بفعل حملة الضربات الإسرائيلية، أطلق خلال الساعات الماضية تساؤلات ارتبطت على وجه محدد بالموقف الذي تتخذه إيران إزاء ما يجري الآن، وما ستتبعه لاحقا في حال تدحرجت كرة النار على نحو أكبر.

وتعد الضربات استثنائية في المقابل من زاوية الأهداف التي تستهدفها وحصيلة القتلى، إذ وفقا لوزارة الصحة اللبنانية خلفت الضربات الجوية الإسرائيلية حتى الآن أكثر من 750 قتيلا. عشرات منهم قياديين في الحزب

توقع الكثيرون بعد الهجمات الإسرائيلية غير المسبوقة، والتي عطلت بنية قيادة حزب الله إلى حد واضح ووضعت ما يطلق عليه أقوى جيش غير حكومي في العالم في منعطف حرج، أن تؤدي إلى رد فعل أكثر حزماً وحسماً.

لم تُظهر إيران أي بادرة على رد عملي أو انتقامي، على الرغم من أنها تصرح بأن حزب الله هو (خطها الأحمر) وحتى بعد أن أعلن زعيم حزب الله حسن نصر الله مؤخراً أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء.

ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي قال إن المقاومة لا تعتمد على الأفراد وأن (حماس) و(حزب الله) لم يضعفا باغتيال قادتهما بل واصلا طريقهما بشكل أقوى.

في إشارة سابقة لـ أحمد وحيدي، وزير الداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي والقائد السابق لـفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في رده على الشائعات حول احتمال مقتل حسن نصر الله قائد حزب الله اللبناني إلى أن (حزب الله) قام بـ(تدريب العديد من القادة خلال فترة الكفاح بحيث إذا سقط سلاح من يد قائد، هناك العديد من القادة الآخرين ليحلوا محله.

إن خروج المواجهة بين إسرائيل وحزب الله عن السياق الذي راهنت إيران عليه في السابق يزيد من مأزقها. إيران والتي ليست لديها نية الانخراط في الحرب التي تتسع شيئا فشيئا بين إسرائيل وحزب الله رغم كل الدعم المعلن في وسائل الإعلام، حيث رفضت مؤخرا توجيه ضربة لإسرائيل.

إن الحزب حث إيران على شن هجوم ضد إسرائيل مع تصاعد ضرواة القتال، إلا أن طهران تحفظت على تنفيذ الطلب.

وكما جاءت التصريحات الرسمية الإيرانية متوافقة مع هذا الطرح حيث قال الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان إن بلاده لا تريد الوقوع في الفخ الإسرائيلي الساعي إلى توسيع نطاع الصراع، ما يوحي بأن إيران قد تخلت عن الحزب في وقت حساس للغاية.

وها هي إيران قد بدأت تأخذ حذرها.. تريد إيران تنظيف بيتها الداخلي وهي في طريقها إلى التفاوض مع... الولايات المتحدة الأميركية.

تحضرني في الذهن قصة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي كان لديه فائض من الثقة بدعم الاتحاد السوفياتي له في مواجهته مع إسرائيل، وقد أقدم على مناورة في بداية شهر مايو 1967 عندما طلب انسحاب قوات الأمم المتحدة من سيناء، وذلك لرفع الضغط عن الجيش السوري الذي كان يتعرض لاعتداءات إسرائيلية، وأقفل مضائق تيران لمزيد من الضغط، وكان هذا بمثابة إعلان حرب على إسرائيل. وعندما أراد تنفيس الأزمة بعودة قوات الأمم المتحدة إلى سيناء، وذلك بتدخل من حليفه القوي في مجلس الأمن الاتحاد السوفياتي، أصبح القادة الروس خارج السمع وفي 4 يونيو (حزيران) لم يستطع التكلم هاتفياً مع أليكسي كوسيجين وليونيد بريجينيف؛ وفق محمد حسنين هيكل، وكانت حرب الأيام الاولى الكارثية. إنها لعبة المصالح التي تعلو ولا تُعْلَى، وهذا ما لم يحسبه نصر الله، وهو خطأ آخر له، مع العلم بأن إيران قد تكون الدولة الوحيدة التي تتبع قرارات مجلس تشخيص مصلحة النظام فهل نسي دور هذا المجلس..

من المستبعد الآن أن تتوقف إسرائيل في عملياتها ضد لبنان وهي ترمي إلى جعل المنطقة من حدودها الشمالية حتى نهر الليطاني أرضاً خالية ليس من السلاح فقط، بل من السكان أيضاً لاعتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أن عودة المستوطنين الإسرائيليين ستصبح حينها آمنة. وإذا تحقق لهم هذا، فسيختبر حسن نصر الله بعض ما خبره الراحل جمال عبد الناصر.

هناك تباعدا في المواقف بين إيران وحزب الله منذ اندلاع حرب غزة وقياسا بغيره من الوكلاء، لطالما وصفت مراكز أبحاث غربية الحزب اللبناني بـ(درة التاج الإيرانية). ورغم أن لطهران أذرع أخرى في المنطقة، لم تصل إلى المرتبة التي وصل إليها (حزب الله)، وزعيمه حسن نصر الله، خلال السنوات الماضية.

حماس حاولت إدخال إيران في معادلة الحرب لكن طهران حافظت على نوع من الاستقلالية في صنع القرار. التحفظ الإيراني قد يكون نتيجة رسائل تلقتها من البيت الأبيض برفع العقوبات عن طهران مقابل ضمان كون برنامجها النووي غير عسكري وعدم سعيها لامتلاك سلاح نووي.

عدم قدرة إيران على الضغط على حزب الله معناه إطالة الحرب. إيران تستطيع تحقيق مكاسب سواء في ظل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس أو حتى حال انتخاب دونالد ترامب بعد ذلك.

وتدرك إيران الآن من جانب أن حربا واسعة على حزب الله تُشكل تهديدا وجوديا له، ويُمكن أن تنزلق إلى حرب إقليمية تتورط فيها. أن إيران سعت خلال الأشهر الماضية إلى تجنب مثل هذه المواجهة المفتوحة، انطلاقا من لعب لعبة الردع مع الجانب الإسرائيلي، حيث تشير المواقف الصادرة من إيران إلى ان هناك وجود شهية أقل من جانب طهران لحرب إقليمية تضعها مباشرة في مواجهة إسرائيل.

إن لطهران أولويتين رئيسيتين: الأولى تجنب التورط في حرب والثانية خروج حزب الله من الحرب القائمة بأقل الأضرار. وبناء على التطورات الحاصلة، إن مخاطر الحرب الشاملة بين إسرائيل وحزب الله تُبقي على هذه المخاطر مرتفعة للغاية، مما يدفع الإيرانيين إلى إظهار مرونة في تهدئة الاضطراب الإقليمي.

إن شأن أي تصعيد إيراني أن يقوي شوكة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويساعد حتى على إعادة ترامب إلى السلطة. وأفاد بأن ذلك سيضر كثيرا بالمصالح الإيرانية، وأن إيران لا تزال غير راغبة أو تنوي الانخراط بحرب شاملة وأوسع نطاقا، في سلوك انعكس في أكثر من محطة مؤخرا. وكانت أبرز تلك المحطات حادثة اغتيال زعيم حركة حماس السياسي، إسماعيل هنية، وسط طهران.

إيران ستظل تزيد من دعمها المادي لحزب الله، وتضمن حصوله على الترسانة التي يحتاجها لخوض حرب طويلة مع إسرائيل وما لم تتحول هذه الحرب إلى وجودية ضد حزب الله أو تبدأ في التأثير بشكل مباشر على المصالح الإيرانية فإن إيران ستظل مجرد مورد وليس مشاركا أو منخرطا مباشر .

إيران والتي ستستخدم زيادة الضغط على إسرائيل في المرحلة المقبلة من خلال استخدام الميليشيات الموالية لها من العراق وسوريا واليمن أكباش الفداء لكن من المشكوك فيه للغاية أن تغير منطقها. ورغم تصاعد المواجهة، تبدو إيران عازمة على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة،

لإيران أدوار إقليمية تتناقض مع مصالح الشعوب العربية، ان في لبنان حيث تدعم وجود حزب الله كدولة فوق الدولة، أو في سوريا حيث تتورط مع الديكتاتور الحاكم في مقتلة بشعة، أو في العراق حيث تسيطر القوى الطائفية المتحالفة مع طهران على مفاصل الدولة. تغير إيران تقييمها لقدرتها على الاحتفاظ بـحزب الله كذراع استراتيجي لها لردع إسرائيل والرد على أي هجوم على منشآتها النووية، وهو ما قد يؤدي إلى تورط إيراني مباشر في الحملة يتوقع حصول سيناريو آخر.

ولا يزال الإسرائيليون يصرون على ضرب حزب الله بقوة، ويواصلون الإعلان عن ضربات جوية يتم تنفيذها بالتدريج ضمن إطار عملية أطلقوا عليها اسم (سهام الشمال) إلى أن ما لا يُدركه الإيرانيون أو أدركوه مؤخرا من أن بنيامين نتانياهو عازم على تحقيق هدفه بتغيير الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر..

اليوم إسرائيل مهتمة وبشكل كبير بشن حملة جوية مكثفة لتدمير البنية الأساسية لحزب الله في تلك المنطقة وتهيئة المنطقة لغزو بري محتمل. وتعد خطوة الغزو البري إجراء أخيرا لن يتم اللجوء إليه، إلا إذا تمكن حزب الله من مقاومة هذه الحملة الجوية ضده.

إسرائيل بعد تلك المحطة لم تُصمم استراتيجيتها في الحرب من أجل استعادة الردع الذي كان قائما بل من منظور الفرص التي أوجدتها لنفسها لإحداث تحول عميق في صراعها المباشر مع حماس في غزة وحزب الله في لبنان وصراع الوكالة مع إيران.

من الممكن أن نفترض أنه في هذه المرحلة الخطيرة سوف تكون الضغوط الداخلية (في لبنان وإسرائيل)، والخارجية (من جانب المجتمع الدولي) كبيرة إلى الحد الذي قد يجعل من الممكن فرض وقف إطلاق النار على الطرفين بصرف النظر عن سلوك إيران...

مقالات متعلقة