حروب الجيل الخامس القتال عن بُعد
بقلم| عمر الحلبوسي
لم تعد الحرب تقتصر على المواجهات العسكرية كما كانت سائدة من قبل، بل أحدث التطور التكنلوجي والاقتصادي تغييرات كبيرة شملت كافة المجالات منها الحروب التي تشهد تطوراً هائلاً وتسابقا كبيرا أحدث انقلابا هائلاً في موازين القوى الحالية والمستقبلية التي ستكون فيها البندقية مُعطلة وجندي غد سيكون مدججاً بسلاح يختلف عن سلاح اليوم وساحة معركته لن تكون على الحدود أو الخنادق، بل ستكون مواجهات عن بُعد تتطلب قوة تكنلوجية واقتصادية والسياسية ورأس مال بشري تجاوز حدود التفكير الحالي واخترق عباب المستقبل وهو من يسمى بمرحلة ما بعد التفكير التي يُنَظّر لها بشكل سري مع التعتيم على أهم جوانبها وما يفصح عنها هو مجرد معلومات بسيطة تهدف لاستطلاع الآراء والتهيئة لحروب المستقبل الغير تقليدية.
فما طرأ من تغييرات في مجالات الحروب والصراعات الدولية أصبح أكثر خطورة من المواجهات العسكرية التي كانت تنحصر في إطار المواجهات على الحدود أو القصف المتبادل أو الاقتحام وحرب العصابات التي لم تكن أكثر خطورة وأشد وقعا من حروب الجيل الخامس التي تجاوزت حدود التقليدية لتدخل ميدان المواجهة الأقذر على الإطلاق، سنتطرق في هذا المقال إلى واحدة من حروب المستقبل وهي كما يلي:
الجزء الأول: حرب السيبرانية
أو حرب السايبر الإلكترونية التي تتضمن نمط حروب جديدة تستخدمها الدول العظمى لمواجهة منافسيها واختراق أنظمتها والتلاعب بها أو إيقاف محطات الطاقة ومحطات المترو التي تعمل بأنظمة إلكترونية يمكن اختراقها من قبل القراصنة التابعين لدول معينة، كما شهد العالم اختراق محطات تلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي ومواقع ذات تأثير كان الهدف منها زعزعت أمن واستقرار بلدان معينة أو زرع العداوة بينهم وهو ما حدث في اختراق موقع وكالة قنا القطرية الذي أشعل صراعاً خليجياً كبيراً, لكن الأشد خطورة في هذا العالم هو اختراق الأنظمة المخابراتية وبريد المراسلات الدولية للسفارات ووزارة الخارجية وهو ما حدث في اختراق البريد الإلكترونية لمرشحة الرئاسة الأمريكية ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلنتون الذي كشف عن مراسلات خطيرة جداً, ثم تلا ذلك اتهام روسيا بقرصنة نظام الانتخابات الأمريكية التي نتج عنها فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وفي آخر حرب سيبرانية كبيرة هو ما حدث في عملية قرصنة جميع متاجر "Coop" للسلع الاستهلاكية في السويدية التي تتكون من 800 فرع تم إغلاقها بعد قرصنة نظامها من قبل قراصنة محترفين عجزت إدارة المجموعة عن تشغيل ماكينات تسجيل المدفوعات النقدية بعد ما اخترق قراصنة "ريفيل" المعروفين "بدفع المفدى "لشركة التكنولوجيا الأمريكية "كاسيا" التي تقدم خدمات للعديد من الشركات حول العالم والذي تسبب بخسائر مالية كبيرة جداً وهو ما تطلب تدخل الرئيس الأمريكي الذي وجه CIA لفتح تحقيق حول هذا العملية التي أحدثت أضرارا مالية كبيرة لعدة شركات, وكانت مجموعة صيدليات Apoteket" "Hjartat من بين المتضررين من هذا الاختراق الذي أغلق أنظمتها وجعلها عرضة للابتزاز، وتعد مجموعات الفدية "ريفيل" التي تستخدم تطبيقات ابتزازية يمكنها إغلاق جهاز الكمبيوتر المشغل للنظام ثم تطلب فدية مالية مقابل فتح القفل وتنتشر هذه الحروب منذ سنين تخللها إصدار مجموعة فيروسات اختراقية أشهرها "حصان طروادة" الذي غزا العالم، ويعود تاريخ فكرة الريفيل إلى عام 1989م عندما استخدمت طرق بدائية للقرصنة، لكن الإبلاغ عن أول حالة فدية حدثت عام 2005 في روسيا ثم انتشرت في العالم، وشهد عام 2017 واحدة من أكبر الهجمات السيبرانية الفدية والتي عرفت باسم "WannaCry" و التي تضرر منها 200 ألف ضحية في 150 بلد.
كما أن مخاطر الحرب السيبرانية تهدد أنظمة المصارف والبنوك المركزية وشركات الصيرفة وشركات الأنظمة المحاسبية التي يمكنها أن تحدث عمليات سرقة بمليارات الدولارات بضغطة زر وهو ما حصل عام 2015 من اختراق أنظمة نحو 100 مصرف حول العالم أغلبها كانت روسية وتزامن الهجوم أيضا على مصارف في أمريكا واليابان وهولندا وسويسرا الذي تسبب بخسائر تجاوزت المليار دولار وقد تبين فيما بعد أن مجموعة "Carbanak Cybergang" هي من تقف خلف هذه الهجمات السيبرانية والتي كانت تخطط لها منذ عام 2013 عندما زرعوا ملفات تجسس عن بُعد مستخدمين عدة وسائل في هذه العملية.
وفي فضيحة كبيرة شهدها مصرف "كابيتال وان" الأمريكي الذي يعد أحد أكبر المصارف في أمريكا الذي تعرض للقرصنة عام 2019 تسببت في سرقة حسابات ومعلومات شخصية لأكثر من 100 مليون من عملاء المصرف والذي تبين أن من تقف خلفه هي المهندسة "بيغ تومسون" التي تعمل مهندسة برمجيات في سياتل وسبق لها أن عملت في عملات التجارة الإلكترونية العالمية "أمازون"، وكان عام 2019 قد شهد وقوع 3494 عملية هجوم سيبراني استهداف المؤسسات المالية بحسب تقارير وزارة الخزانة الأمريكية، كما تشير تقارير غرفة المقاصة وحقوق الخصوصية أن أكثر من 11 مليار اختراق حدث في الفترة الواقعة بين عامي (2005_2019) تمت من خلالها سرقة ملفات شخصية مهمة من شركة "أنثيم" للرعاية الصحية وشركة "إيكويفاكس" للائتمان ووثائق الرهن العقاري التي تحتفظ بها شركة "فيرست أمركان" وحسابات شركة "ياهو" والأخطر من ذلك سجلات التوظيف الفيدرالية.
إن الحرب السيبرانية التي تشهد ضراوة بين الدول أصبحت تشكل خطورة كبيرة بعدما شكلت هذه الدول وحدات مختصة في هذا المجال تضم أبرع القراصنة ليكنوا جيشها الغير تقليدي المستخدم في اختراق أنظمة الدول والكشف عن معلومات تخص أمن البلدان ومراسلات مهمة ومعلومات شخصية تخص أمن مواطني البلدان المستهدفة، كما يمكن أن تشهد عملية اختراق حسابات السيادية لسنوات لكي يتم اكتشافها وقد تبعث برسائل دون علم صاحب هذا الحساب بعدما تطورت الوسائل الإلكترونية التي ابدعت في مجالات الحرب السيبرانية، وتأتي في مقدمة أخطر وحدات الحرب السبيرانية هي "الوحدة 8200" التابعة لجهاز الاستخبارات الصهيونية العسكرية "أمان" التي استطاعت التجسس على مكالمات رؤساء الدول واختراق الأنظمة وتدميرها وإن أغلب العمليات التي تنفذها الاستخبارات العسكرية الصهيونية تأتي من هذه الوحدة، كما تبعت روسيا وأمريكا والصين وبريطانيا وإيران وفرنسا ودول عديدة نفس نهج الكيان الصهيوني التي أسست وحدات وجيوش مختصة بالحروب السبيرانية التي تتنوع مهماتها بين الأمنية والسياسية والاستخباراتية والمالية والإعلامية والوحدات المزعزعة التي تتنوع أنشطتها.
إن تصاعد حمى الحرب السيبرانية لم يعد يقتصر على الحكومات، بل هناك تشكيلات من مجاميع هكرية منتشرة حول العالم تستغل خبرتها في اختراق الأنظمة وسرقة البيانات وسرقة الأموال وهو ما جعل المواطن العالمي متعرٍ في هذه الحرب التي كانت أفلام هوليوود قد روجت لها كثيراً في أفلامها التي شهدت انتاجات ضخمة جداً كانت تهيئ العالم لمثل هذه الحرب التي أصبحت تدار على المكشوف لتنقلنا إلى ساحات صراع كبيرة لا يمكن أن نتفادى الأضرار فيها، فإذا كانت المفاعلات النووية ومصانع الأسلحة وحسابات الرئاسية ووكالات أنباء ومصانع وشركات ومصارف وبنوك مركزية ترصد ملايين الدولارات لتوفير الأمن السيبراني لها، ولكنها في النهاية تخترق ليفضح الكثير من أسرارها أو تبتز سراً من أجل تقديم التنازلات والخضوع، فكيف بالمواطنين الذين لا يملكون أدنى درجات الحماية في هذه الحرب التي تقتحمنا فجأة بلا استئذان أو قد نكون الآن تحت انظارها دون علمنا.