بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
يتفق الجميع أن الذكاء الاصطناعي يشنّ حربا شرسة في مختلف مناحي الحياة، و لأن كل الحروب لا بد أن يدخل فيها السلاح بطريقة أو بأخرى، فإن السؤال الذي يبحث عن إجابة يتجه صوب التوصيف الصحيح للسلاح الذي يستخدم في الحروب الحالية، التي يقودها الذكاء الاصطناعي وتستهدف غالبية المهن في المجتمعات ويشمل ذلك جميع الدول والمجتمعات، إلا تلك التي بقيت تمارس حياتها بالطرق البدائية دون إدخال أدوات العصر الحديث بصورة عامة، و تحديدا التقنيات الجديدة في صلب حياتها وممارسات الناس في حياتهم اليومية.
يمكن تسمية السلاح المستخدم في حروب الذكاء الاصطناعي متعددة الأوجه والمجالات بسلاح "ما بعد القوة الناعمة "، وكما هو معروف، فإن متغيرات كثيرة قد حصلت في المجتمعات والدول ما أسهم في ظهور مصطلح " القوة الناعمة "، و أول من استخدم مصطلح " القوة الناعمة"، هو جوزيف ناي من الولايات المتحدة في جامعة هارفارد، وقصد به وصف القدرة على الجذب والتأثير بعيدا عن استخدام القوة التقليدية في ذلك، وأخذ المصطلح ينتشر في الحرب الباردة المعروفة، وفي حروب باردة صغيرة حصلت داخل دول وفي مجتمعات أيضا، ومع الانتشار الواسع لوسائل الإعلام والاتصال التي أخذت بالازدياد خلال العقود الأخيرة، اتسعت دوائر تأثير القوة الناعمة وشملت العديد من الميادين زاحفة نحو المفاهيم الاجتماعية وحقول الاقتصاد والتجارة وجوانب فكرية وحتى المعتقدات.
وقد يكون الإنفاق في بناء وإطلاق " القوة الناعمة " أقل بكثير من ذاك الذي يحصل في ميزانيات الدول الحربية والعسكرية، لكن يبقى المال فعالا ومؤثرا في هذا الحيز، وقد يكون تأثيره أقوى من السلاح الفتاك في تحقيق الأهداف المرجوة من ذلك، ويقع بعض الخبراء بخطأ جسيم عندما يقررون أن السلاح الناعم ليس بحاجة إلى الأموال للانطلاق في تنفيذ مهامه وواجباته، لكن قد تكون هناك مشاريع صغيرة وبذلك تكون نتائجها متواضعة أو غير ملموسة.
وإذا اقتصرت المبالغ المخصصة للقوة الناعمة على وسائل إعلام ومؤسسات تربوية ومنظمات غير ربحية وجامعات وأحزاب وغير ذلك، فإن الأموال المخصصة لبناء و إطلاق "القوة ما بعد الناعمة" ليست بالقليلة على الإطلاق، لكنها نشأت وتصاعدت بالتدريج، معتمدة على البنية التحتية الرئيسية المتمثلة بشبكة الإنترنت، والعقول العاملة في حقول الذكاء الاصطناعي، وقد أمضى هؤلاء فترات طويلة في الدراسة والبحث والتقصي في مختبرات الذكاء الاصطناعي قبل أن يمسكوا بالمقود الخاص بهذه القوة.
وتزداد المخاوف من اتساع رقعة القوة ما بعد الناعمة، وتشير جميع الدلائل على سرعة تمكنها وقدراتها على اكتساح من يقف بوجهها، وهنا يجري الحديث عن حروب واسعة تستهدف وظائف البشر الحالية في مختلف الميادين.
كما أن الخبراء يقررون أن سرعة تقدم هذا السلاح لن تنتظر مثل الأسلحة السابقة، كما أن ثمة من يتحدث عن قوة جديدة قد تظهر وتختلف عن هذه القوة الحالية أو تكون بمثابة الجيل الجديد لها.