الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع الدكتور محمد بشار الفيضي

الدكتور الفيضي يقترح على الشعب العراقي الطامح إلى التغيير حلا سلميا قليل الكلفة

نص الحوار:

الميثاق: الحركة التحررية في العراق تعاني من الانقسام فبماذا تنصحون؟

الفيضي: المتخصصون يُعرِّفون حركات التحرر بانها تنظيمات وطنية تضم تيارات فكرية وسياسية وعسكرية واجتماعية تمارس الكفاح السياسي والعسكري بهدف تحرير الاراضي الوطنية المحتلة لتحقيق السيادة والاستقلال، وفي مطلع القرن العشرين سارع انتشار الافكار التحررية التي تدعو الى مقاومة الظلم والاستعمار على نشوء حركات التحرر والاستقلال في وطننا العربي وعلى نمو الوعي الوطني بين شعوبه؛ لكن ما جرى في العراق أمر مختلف فالظروف التي أحاطت بالغزو الأمريكي له أعاقت انجاز التحرير بالعمل الشعبي الموحد.

ولإيضاح ذلك أنبه على أمرين.

الأول: المقاومة لدى كل الشعوب لها وجهان، الأول: المقاومة المسلحة، والثاني: المقاومة السلمية، ويعملان لهدف واحد، وهو تحرير البلاد من براثن الاحتلال، ولكن الآليات المعتمدة للوصول الى ذلك الهدف مختلفة بينهما، ففي الوقت الذي تعتمد المقاومة المسلحة عنصر القوة لإخراج الاحتلال تعتمد الثانية آليات أخرى مثل الاضرابات العامة، والمقاطعة السياسية، والعصيان المدني، ونشر الادبيات المناهضة في الصحف ووسائل الاعلام وغير ذلك.

وقد بينا في الحوار الأول ان المقاومة العراقية المسلحة كانت (يتيمة) في حسابات أهل الدنيا لأنه لم يكن لها مساند الا الله سبحانه، والسبب انها ظهرت في وقت كان العالم آحادي القطبية، وانها ابتليت بالصراع مع القطب الأوحد فيه، ولذا لم يمدّها احد بالسلاح، ولم يقدِّم لها احد أي اسناد مادي او معنوي، ولم تكن لها ملاذات آمنة، ولم تتهيأ لها فرص حقيقية للظهور على وسائل الاعلام لتعبر عن أهدافها وأدبياتها، كما حدث مع مقاومات شعبية في بلدان أخرى؛ كالمقاومة الفيتنامية سابقا، والمقاومة الأوكرانية حاليا. وهذا الكلام نفسه ينسحب على حركات التحرر السلمية في العراق التي هي جزء من منظومة الحركة التحررية، فيمكن وصفها بـ(اليتيمة) أيضا، لأنه لم تتح لها هي الأخرى الفرص ذاتها لفرض أدبياتها على أرض الوطن، فداخل العراق كانت فرق الموت في السنتين الأولى من الاحتلال خاصة تصول وتجول لتستهدف أي نشاط سلمي ضد الاحتلال، وتستهدف رموز هذا النشاط، ثم جاءت بعدها أجهزة الحكومات المتعاقبة من جيش وشرطة وغيرهما وميليشيات تابعة لأحزاب السلطة لتتبنى هذه المهمة وعلى نحو أشد واطغى، وهنا كانت القوى الوطنية بين خيارين أحلاهما مرٌّ إما الهجرة خارج البلاد؛ او التزام الصمت المطبق داخل العراق مع اخذ إجراءات احترازية مثل تغيير عنوان السكن، أو تغيير بطاقة الهوية الشخصية، أو تغيير مكان العمل، أو الانتقال من محافظة الى محافظة وهكذا، أما الذين تركوا العراق فمنهم من قصد الدول العربية ومعظم هذه الدول لم تكن تسمح لهم بممارسة أي نشاط ضد الاحتلال الأمريكي أو ضد مشروعه السياسي في العراق إما خوفًا من الإدارة الامريكية أو مجاملة لها للحفاظ على المصالح المشتركة، ومنهم من قصد دول الغرب و من حاول من هؤلاء الإفادة من نظم الحرية المعتمدة فيها وبذل جهدا لنصرة قضيته اصطدم بالواقع وكانت جهوده ضائعة، وذات تأثير محدود لأنه لم يكن يجد تفاعلا مناسبا من وسائل الاعلام، ومن منظمات لها القدرة على تقديم الدعم والترويج للأسباب ذاتها.

الأمر الثاني: حركات التحرر السلمية عندنا كان فيها غصة، تماما مثل المقاومة المسلحة، وهي ان الشعب كله لم يكن متفاعلا معها، فالمدن التي تقطنها أغلبية من شيعة العراق استطاعت المراجع الدينية أن تهدئ من روع الناس فيها، وأن تصرف أنظارهم عن التفكير في مقاومة الاحتلال سلميًّا فضلا عن مقاومته عسكريا من خلال فتاوى صدرت من قبلهم، توصي بعدم مقاومة الامريكيين، ومنحهم وقتا كافيا، والنظر إليهم على انهم ضيوف لن يطول بهم المقام، وأنهم جاءوا لتمكين الطائفة من الحكم بعد ظلم طالها لأكثر من أربعة عشر قرنا!! وكأن الأمريكيين ـ بغض النظر عن هذه المقولة ـ احتلوا العراق وليس لهم هدف سوى الانتصار لطائفة على أخرى، نعم.. هم لعبوا من دون شك على هذا الوتر ولكن ليس حبًّا في الطائفة أو احترامًا لها بل من اجل أهداف استراتيجية تخصهم، وتصب لصالحهم حصرا، وتتخذ من هذه الخديعة وسيلة لتذليل العقبات في سبيل الوصول الى تلك الأهداف، وهذا ديدن الاستعمار في كل مكان؛ ونظرة بسيطة الى مذكرات بول بريمر: (عام قضيته في العراق) تقف بنا على جملة من المؤشرات الدالة على ذلك بوضوح، وكيف ان الحاكم المدني الأمريكي للعراق كان يحث الساسة من الشيعة على الإفادة من الفرصة التي يمنحها لهم الامريكيون لنوال الحكم، وكان يؤجج فيهم النزعة الطائفية قدر الإمكان، ليضمن ولاءهم للمشروع الأمريكي ومناصرتهم له، وهذا ما حدث. فمثلا يقول في مذكراته ص 107: " قلت للدكتور الجعفري نأمل أن يتعاون القادة المسؤولون في الطائفة الشيعية هذه المرة.. الخطأ نفسه الذي ارتكبوه في سنة 1920م وهو عدم تعاونهم مع الإنجليز يعد مأساة". ويقول في صفحة 129: ": إنها نقطة انعطاف في تاريخ العراق.. ويجب ألّا يرتكب الشيعة الأخطاء المأساوية التي ارتكبوها عام 1920 أي مقاومة الإنجليز، وتمكين السنة من حكم العراق" وقد احصيت في مذكراته ثلاثة عشر موضعا يردد فيها بول بريمر الكلام نفسه مع عدد آخر من الشخصيات الشيعية، والجمهور الشيعي بشكل عام ولا أقصد الجميع صدَّق بالمطلق هذه المقولة ولاسيما بعد ترويجها من قبل الشخصيات المؤثرة في المجتمع دينيا واجتماعيا، ولذا لم تنشط بين شرائحه طيلة فترة الاحتلال حركات تحرر ملفتة للنظر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المدن التي تسكنها أغلبية من كرد العراق وقعت في الفخ نفسه فقد استطاع ساسة الحزبين الكرديين المعروفين فيها ومن خلال اساليب شتى بينها فرض المواقف بالقوة الحيلولة بين الشعب الكردي وبين التفكير بالتحرر على اعتبار ان الاحتلال أنقذهم من نظام كان يصادر حقوقهم القومية، وان الاحتلال جاء ليقدم لهم فرصة ذهبية للاستقلال، وعليهم الّا يضيعوها؛ فلم نجد بالتالي نشاطًا بين هذا المكون لحركات التحرر أيضا مع الإشارة الى ظهور حركة مقاومة شرسة من هذا المكون ساهمت بقوة في مقاومة الاحتلال، ولكني لا أتكلم عن الاستثناءات وانما اصف الواقع بشكل عام كما ذكرت. هكذا كان المشهد في العراق باختصار، لكن ما يميز الشأن العراقي أن هيئة علماء المسلمين في العراق وبالموازاة مع المقاومة العراقية المسلحة وفي وقت مبكر وتحديدا في سنة 2008م قادت بشكل منظم النشاط السلمي لحركة التحرر في العراق، وفتحت أبواب الحوار مع شتى القوى الوطنية التي كان يجمعها الايمان بالتحرير، ومن تمام الفضل الإلهي أن الهيئة وخلافا لحسابات كثيرين تسامت على الوعاء الطائفي والعرقي ورفضت الحديث باسم طائفة، ونادت باسم عراق واحد، يكون وطنًا لجميع أبناء شعبه على اختلاف طوائفهم واعراقهم واديانهم، واذكر أن أحد الإخوة الأفاضل حدثني قائلا: حين تشكلت هيئة علماء المسلمين اتصل بي صديق من أهل الفكر والنظر، وقال لي: يا هذا انتهى العراق! إقرأ على هذا البلد السلام، فقلت له: لماذا يا صديقي؟!، قال: ألا ترى.. رفع شيعة العراق لواء مرجعيتهم، ورفع كرده لواء قوميتهم، وظهرت هيئة علماء المسلمين لترفع لواء سنته، وبهذا سيتحول العراق إلى بلد ممزق طائفيا وعرقيا، وسيغدو أثرًا بعد عين.. قال: فلما بدأت تصريحات هيئة علماء المسلمين تتوالى على الإعلام، وتعرب عن مواقفها ورؤيتها، وتقدِّم أداء وطنيًا جليًّا، اتصل بي الصديق نفسه مرة ثانية، وقال لي: يا أخي يبدو أن الهيئة ناضجة، وتنأى بنفسها عن أن تتحدث باسم مكون بعينه، وهذا دليل على وعيها.. عذرًا لقد أخطأت التقدير.

المهم هنا أنه كان لأدبيات هيئة علماء المسلمين في تبني الخيار الوطني تأثير ملحوظ على فصائل المقاومة، ولم يشذ عن ذلك الا القليل مثل القاعدة ومن جاء بعدها فهؤلاء لم يكونوا يحترمون فكرة المشروع الوطني أساساً، ويطلقون عليه اسم: (المشروع الوثني)، وكانوا يرون في الهيئة وجهودها منافسا خطيرا لهم فاستهدفوها في أدبياتهم، وعدّوها منحرفة عن جادة الصواب، وكان سعيهم يتبنى مشروعا كونيا توهموا فيه انهم قادرون ـ بما يحملونه من أفق غير واقعي ـ على تأسيس (خلافة إسلامية) تنتظم دول الشرق الأوسط كله، ولسنا بصدد الحديث عن ذلك الآن.

الميثاق: قلتم ان هيئة علماء المسلمين بذلت جهودا كبيرة في هذه السبيل، هل من اضاءات على هذ الجهود، وأين وصلت؟

د. الفيضي: ابتداء كان أول عمل للهيئة بهذا الصدد المشاركة في المؤتمر التأسيسي العراقي الذي أعلن عنه في منتصف سنة 2004م وهو أول عمل جماعي بهذا الصدد، وكان إنجازا عظيما واستثنائيا، حتى انه أثار قلق دوائر الاحتلال ودوائر أخرى في المنطقة لم يرق لها ظهوره على هذا النحو، فعمل الجميع على استهدافه وإضعافه، ونالوا ما أرادوا، لكن الهيئة لم تتوقف وشرعت من جديد في حواراتها مع مختلف القوى الوطنية العراقية ومن شتى المكونات، والتقت رموزا دينية واجتماعية وعددا كبيرا من النخب والكفاءات، وشهدت سوريا بالدرجة الأولى ثم الأردن ثم دول أخرى عربية واجنبية نشاطات كبيرة بهذا الصدد، واستطاعت الهيئة على مدار سنوات وبفضل الله أن تقرب وجهات النظر، وتضيق دوائر الاختلاف حتى وصلت بمعظم من حاورتهم الى صياغة مشروع وطني، متفق عليه بأغلبية ساحقة، وأعربت عنه في مناسبات شتى، وهو يتكون من احد عشر بندا ونصه مطبوع بعنوان: (الورقة الأساسية للمشروع الوطني) ضمن الكتاب الذي نوهنا به في الجزء الأول من الحوار وهو: (هيئة علماء السلمين والمشروع الوطني؟). وخلال هذه المسيرة حدثت معي شخصيا بعض المواقف الطريفة، وأذكر منها على سبيل المثال ان أحد النشطاء من الطائفة اليزيدية في العراق جاء من دولة ألمانيا، والتقى بي وسألني عن مصير المكون اليزيدي في ظل رؤيتنا لهذا المشروع، فأجبته: هم جزء من الشعب العراقي، وبحكم المواطنة لا يختلفون عن الآخرين لهم ما لبقية الشعب من حقوق، وعليهم ما على بقية الشعب من واجبات، فسكت هنيهة ثم قال لي: هل تأذن لي أن أسجل هذا الكلام في فديو؟ وكأنه أراد ان يوثق عليّ كلامي هذا، فقلت له: لك الإذن، فأخرج من حقيبته كاميرة فديو صغيرة، وأعاد عليّ السؤال وطلب مني إعادة الجواب، وفعلتُ مثل ما أراد ليطمئن، ومن المواقف أيضا أني خضت حوارات طويلة مع حزب سياسي عراقي فاعل ومصنف ضمن الحركة اليسارية؛ تشكل سنة 2005م وكان ممن يتبنون المقاومة السلمية ضد الاحتلال، ويرفضون المشاركة في مشروعه السياسي أيضا، وانتهيت في الحوار معهم الى تقديم اصل المشروع الوطني، ثم بلغوني بعد مدة بالموافقة عليه مع التحفظ على بندين، أحدهما الذي ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والثاني يخص الموقف من القضية الكردية، والتقيت بعدها احد قيادييهم البارزين وحاورته حول أسباب التحفظ على البندين فقال لي: يا دكتور نحن يساريون أصولنا شيوعية لا تنتظر منا القبول بأن يكون دين الدولة الإسلام، وأما بالنسبة للقضية الكردية فنحن مع حق تقرير المصير، هذا مبدؤنا؛ لكنه استدرك قائلا : بيد ان ذلك لا يعنى اننا نرفض المشروع برمته، بل نحن معكم فيه، ما دامت الأغلبية تُقرُّه، مع إبقاء التحفظ قائما.

ولذا لا تجد أخي الكريم الآن انقساما ملحوظا لدى حركات التحرر في العراق بخصوص المشروع الوطني من حيث المفهوم ومن حيث الأهداف، فقد تم العمل على تجاوز ذلك بفضل الله في وقت مبكر.

الميثاق: طيب دكتور.. تجاوزنا مرحلة الاحتلال المباشر الآن ولم يعد في العراق وجود لقوات أمريكية سوى عدة آلاف منتشرة في عدة قواعد؛ السؤال: أين الشعب العراقي الآن من المشروع الوطني؟

د. الفيضي: نعم اخي الكريم تجاوزنا ذلك لكننا دخلنا في نفق آخر، وهو نفوذ دول الجوار وتدخلها في الشأن العراقي، وتحتل الجارة إيران قصب السبق، لان نفوذها يصل حدَّ الهيمنة على العملية السياسية بشقيها المدني والعسكري، فضلا عن وجود ميليشيات تخضع هي الأخرى مركزيا لتعليماتها وأوامرها.

ما يهمني هنا لفت الأنظار الى اننا منذ أكثر من عقد نشهد في العراق شرائح عظمى من الشعب العراقي من شيعته وكرده وبقية مكوناته وبعد الفشل الذريع لأداء الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ سنة 2003م بدأت تكشف عن مكنون إيمانها بالمشروع الوطني وترفض المشاريع القائمة، وهذا امر مثير ومهم. كانت البداية في ثورة (25/2/2011م)، حين خرجت ست عشرة محافظة من أصل ثمانية عشر في عموم العراق في تظاهرات مليونية عارمة، منددة بالعملية السياسية، وبمن يقف وراءها، واستمرت شهورا؛ كان الملفت في هذه الثورة أنها رفعت شعارات تحاكي بنودًا في المشروع الوطني الذي توصلنا اليه، ومع أن هذه الثورة قمعت بالحديد والنار؛ لكن جذواها ظلت متقدة، حتى جاءت ثورة العشائر سنة (2013م)، وكانت ترفع الشعارات نفسها وقمعت هي الأخرى، ثم جاءت ثورة تشرين في (1/10/2019م)، لتحمل الأهداف ذاتها، ولتضيف شعار المطالبة بإسقاط النظام لتكتمل حلقات المشروع الوطني، وقمعت كذلك، واستهدف من أبنائها المئات قتلا واغتيالا، والآلاف جرحا واعتقالا، وسيبقى العراق كذلك حتى يصل غايته المنشودة ، فهكذا هو نضال الشعوب.

الميثاق: مثل ماذا كانت الشعارات التي أطلقتها هذه الثورات وتوافقت فيها مع المشروع الوطني؟

د. الفيضي: هي عديدة، كما هو الحال في رفض العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية، ورفض وجود ميليشيات خارج إطار الدولة، ورفض دمجها ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأن يستعان بها في استهداف أبناء الشعب العراقي، واعتماد مقاطعة الانتخابات كسلاح مدني ضد العملية السياسية، كما حدث في عمليتين انتخابيّتين متواليتين، هي انتخابات سنة (2018م، وسنة 2021م)، وكما هو الحال في رفض الدستور، ورفض تدخل دول الجوار، ورفض تقسيم العراق، وهدر ثرواته، وإدانة الفساد المالي و الإداري، وغير ذلك، وقد لاحظنا ان بعض هذه الشعارات كانت تطابق بالنص بيانات صدرت من هيئة علماء المسلمين في وقت مبكر، أو تطابق بالنص كلمات جاد بها عبر وسائل الاعلام الأمين العام الأسبق الدكتور حارث الضاري رحمه الله أو الناطق الرسمي باسم الهيئة أو المتحدث الإعلامي، وكأنهم يرددون ما قلناه سابقا، والحقيقة ان الأمر ليس كذلك لكن شعبنا وصل بعد التجربة المرّة الى القناعات التي قدمناها نحن مسبقا، وهذا يعني ان الشعب العراقي الآن وخلافا للسنوات الأولى بات متفقًا معنا على اعتماد المشروع الوطني سبيلا لإنقاذ العراق.

الميثاق: في ظل ما تفضلتم به من تشخيص وتوافق شعبي على مفردات المشروع الوطني يأتي السؤال المهم: ما هي السبيل للخروج بالعراق من المأزق الذي هو فيه؟

د. الفيضي: إذا اعتمدنا ان المشروع الوطني بات محل اتفاق لدى غالبية الشعب العراقي فإن من المؤكد ان سبل الوصول الى هذا الهدف ليست محل اتفاق، فهناك شرائح من مجتمعنا ترى ان الحل في التغيير الجذري الذي يقلب الطاولة على الجميع من خلال انقلاب عسكري محسوب يعمل على اجتثاث المجربين في العملية السياسية والاتيان ببديل وطني ودماء جديدة تحل محلهم. وهناك من يريد أن يكون التغيير عبر ثورة شعبية عارمة تطيح بالنظام كله مهما كانت التضحيات، وتدخل المنطقة الخضراء ولا تخرج منها حتى تتحقق مقاصدها في التغيير الشامل. وهناك شرائح ثالثة تريد ان يكون التغيير سلميا بأي وسيلة كالعصيان المدني مثلا؛ المهم ألا يكون سببا في إراقة مزيد من الدماء.

ونحن إذا أردنا أن نناقش هذه الخيارات الثلاثة بموضوعية، والإجابة على سؤال: هل يمكن التعويل على أحدها في ضوء الواقع الذي نعيشه فسنقف على الآتي:

أولا: إن التغيير عبر انقلاب عسكري ليس مستحيلا ولكنه في الوقت ذاته ليس ممكنا في ضوء المنظور.. نعم أنا أدرك أن كثيرا من العراقيين الذين عانوا من سوء إدارة الحكومات ما بعد 2003، لم تغادر فكرة الانقلاب العسكري أذهانهم، ويرجون أن تظهر قوة عسكرية لتغيير الواقع، لأن الواقع السياسي حسب تجربتهم لم يعد بالإمكان تغييره عن طريق الانتخابات أو عن طريق التظاهرات، وقد حاولوا ذلك مرارا ولم ينجحوا! والتغيير بانقلاب عسكري أيسر في الكلفة وأسرع في الإنجاز؛ ولكن ذلك مستبعد حاليا، ولنكن صرحاء: هل لدينا قوات عسكرية مؤهلة للقيام بذلك؟ ان نظرة سريعة لواقع الجيش العراقي اليوم تؤكد ان الجيش العراقي الحالي غير موحد، وقراراته مشتتة، وهو في معظمه يقف مع النظام السياسي لأنه أحد الأطراف المستفيدة منه، وقد رأينا جنودا عراقيين ينفذون أوامر الحكومة في مواجهة المحتجين بذخيرة حية، كما أن هناك ـ كما يقول خبراء ـ مصادر متعددة للجيش، وللمؤسسات التي تحمل طابعا عسكريا، ففي العراق نحو مليون عنصر أمني وعسكري في العراق موزعين على قوات الجيش العراقي بنحو 600 ألف عنصر ضمن ملاك وزارة الدفاع، ومديريات الشرطة المحلية وقوات الشرطة الاتحادية والأمن الوطني وجهاز المخابرات، ووحدات التدخل السريع، ووحدات "سوات" (القوات الخاصة)، وهناك قوات البيشمركة الكردية في إقليم كردستان العراق وكذلك قوات الحشد الشعبي. بمعنى آخر يمكن القول: ان القرارات العسكرية في العراق بشكل عام لا يمكن جمعها في قبضة واحدة أو وضعها تحت إمرة شخص واحد أو مؤسسة واحدة بعد سنة 2003م. فإذا اضفنا الى ما تقدم ان هناك واقعا آخر لا يمكن تجاهله ترسخ بعد سنة 2011م وتم رصده في الانسحاب الأمريكي وبروز تأثير إقليمي على الواقع العراقي والمتمثل بالدولة الجارة ايران وما لها من نفوذ في هذه المؤسسات جميعا مع وجود ميليشيات كبيرة مسلحة خاضعة لنفوذها أيضا وحسب معلوماتي هناك ما يربو على (70) مليشيا رئيسية تنشط في العراق، ويبلغ مجموع عناصرها أكثر من 135 ألف عنصر مسلح ينتشرون على طول خريطة بلاد الرافدين، وتمارس نشاطات أمنية وأخرى اقتصادية وسياسية. كل هذا يجعل من الصعب تصور حدوث انقلاب عسكري ناجح، مع عدم إغفال ان كلا من إيران وامريكا قد تلجآن الى مثل هذا الخيار بشكل مفاجئ إذا شعر كل منهما أن الأمور ستتفلت من بين يديه، وهذا لا يعنينا هنا.

ثانيا: إذا جئنا الى الخيار الثاني وهو التغيير عبر ثورة شعبية عارمة نجد انه ليس سهلا أيضا فمسار هذه الثورات صعب، وتكلفته البشرية باهضة، والشعوب تبحث في العادة عن الحلول الأقل كلفة، ثم ان شعبنا لم يقصِّر في هذه السبيل فثورته في سنة 2011م كانت عارمة والناس فيها خرجت بالملايين، وفي سنة2013م كان هناك ثورة عشارية عارمة هي الأخرى ولكن تمَّ وأدهما بالحديد والنار، ثم جاءت ثورة تشرين لتكمل المسيرة وتم وأدها بالطريقة نفسها.. صحيح أن الأنظمة الحاكمة المستبدة حين تسد كل سبل الإصلاح التدريجي وترتضي أن تحارب شعوبها، هي من تدفع بالشعوب لا محالة الى الثورات التي تغير الواقع لأن الضغط وفق القاعدة الفيزيائية المعروفة يولد الانفجار، لكن هناك قاعدة فيزيائية ثانية أخي الكريم تنطبق هي الأخرى على الشعوب يذكرها الفيزيائيون في خواص الماء وهي أن (الماء يكسب الحرارة ببطء ويفقدها ببطء)، وهكذا هي الشعوب بالاستقراء؛ المشكلة فيها انها تكسب الحرارة ببطء فحتى تبلغ مرحلة الغليان والسخط من النظام الذي يحكمها وتخرج وفي عزمها الإطاحة به دون تراجع تحتاج الى وقت طويل، وحتى تصل هذه المرحلة يكون النظام المستبد قد نال منها ونهبها ولم يبق لأجيالها شيئا، لقد نهب النظام السياسي في العراق وبدد خلال عقدين من الزمان ـ بحسب خبراء متخصصين ـ ما يقرب من 1500 مليار، والشعب لم يصل بعد مرحلة الغليان والعزم على الخروج بنفسه لتغيير النظام دونما تراجع، فلك ان تتصور كم سيخسر الشعب إذا بقي النظام نفسه لعقد او عقدين آخرين؟! ومع ذلك فهذا الخيار ليس مستحيلًا ولكني استبعد أن يكون التفكير باعتماده مجديا الآن.

الميثاق: إذا كان خيار الانقلاب العسكري وخيار الثورة الشعبية العارمة مستبعدين فمن الطبيعي ان يكون الخيار الثالث الذي ينتهج فيه أصحابه مبدأ التغيير عبر حل سلمي دون إراقة الدماء مستبعدا هو الآخر، والسؤال دكتور.. ما الحلّ؟ هل انسد الأفق؟ وهل قدر للعراقيين أن يبقوا أسرى لهذا الواقع الأليم.

د. الفيضي: لا أبدا.. دائما هناك حل.. وفي تقديري ان الخلاف إزاء الخيارات الثلاث يمكن معالجته إذا اتفق الجميع على فكرة جديدة، وهي اعتماد سبيل (الخطوة الأهم)، ومن ثم التركيز عليها، وتحشيد الجهود نحوها شريطة ان تكون منطقية ومقبولة شعبيا ودوليا.

الميثاق: وما هي لطفا.. هل يمكن ان يكون هناك بالفعل خيار ناجع مقبول شعبيا ودوليا يحقق الهدف عبر خطوة واحدة في مثل هذا الوضع العراقي المتأزم؟

د. الفيضي: نعم.. أنا اقترح على شعبنا الطامح الى التغيير على اختلاف طوائفه واعراقه حلّا سلميا قليلة الكلفة وهو أن يتبنى مطالبة المجتمع الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة بأن يقفوا معه رسميا لتغيير دستور البلاد الحالي تغييرا جذريا، وأن يتم ذلك برعاية دولية كاملة، ويكون ذلك منه بمنزلة الخطوة الأولى والأهم التي إن نجح فيها سيتمكن من إنجاز بقية الخطوات الموصلة بالتالي الى الهدف المنشود بإذن الله.

الميثاق: ولكن يا دكتور.. أليس الإقدام على مثل هذه الخطوة صعبا؟ وعقد الامل عليها في الحصول على التغيير بعيد المنال؟

د. الفيضي: هذا الأمر ليس صعبا أبدا، لان هذا المطلب أمر متفق عليه بين شرائح المجتمع العراقي كافة، على اختلاف اديانها وطوائفها واعراقها، فالدستور في نظر هؤلاء جميعا أصل البلاء؛ فهو مليء بالثغرات والبلايا الجسام، ويُصدِّر المشكلات، ويخلق الأزمات، ويفوِّت على الشعب الأمن والاستقرار، كما أنه المرتكز الذي يمنح الغطاء لأقطاب العملية السياسية القائمة، ويقدم لها الشرعية على طبق من ذهب، ويطلق لها العنان لتفعل ما تشاء دون حسيب أو رقيب. وقد كان تغيير الدستور وما يزال مطلبا لشعبنا في جميع ثوراته وتظاهراته وآخرها ثورة تشرين، فلا يوجد اختلاف على هذه القضية إذن؛ وهذا المهم وكل ما نحتاجه هو العمل على تنظيم هذه المطالبة تنظيما أصوليا، وتحويلها الى حالة رسمية، وقضية دولية.

هذا من ناحية..

ومن ناحية أخرى هذا الأمر ليس صعب المنال للأسباب الآتية:

الأول: إذا طالب شعبنا المجتمع الدولي رسميا وفي مقدمته الأمم المتحدة بتغيير الدستور فان لديه الأسباب والمبررات الواقعية والقانونية الكافية للإقناع، فالدستور العراقي كتب في ظروف سياسية وأمنية أقلُّ ما توصف به هو أنها غير طبيعية، فمن ناحية كتب الدستور في ظل الوجود الأمريكي للعراق، وتحت ضغوطه من الناحية الزمنية ومن الناحية العملية أيضا، فقد أجبر السياسيون على إنجازه في شهرين، وهذه مدة تثير السخرية لكن الإنجاز حصل فيها بسبب الضغط المباشر من الرئيس الأمريكي الأسبق الذي كان يبحث عن ورقة نجاح قبيل الانتخابات النصفية للكونكرس، ومن ناحية أخرى تدخل السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زادة بشكل مباشر في العملية الدستورية وفي المفاوضات بين الأطراف لتعجيل الإنجاز، وهذا كله مخالف للأعراف السائدة، وهو بالمناسبة مؤشر دوليا كمأخذ على الولايات المتحدة الامريكية. كما أن العملية الدستورية جرت في ظل حكومة أقل ما يقال عنها انها ناقصة الشرعية لان السنة قاطعوا الانتخابات التي افرزت هذه الحكومة سنة 2005م وبالتالي لم يكن لديهم من يمثلهم في كتابة الدستور ممن له شرعية الانتخاب ـ ومن تصدى لكتابته منهم كانوا معينين تعيينا.. وليسو منتخبين حتى يصدق فيهم وصف التمثيل الحقيقي للمكون، وهذا كاف وحده لإبطال شرعية الدستور قانونيا، وهو للأمانة من الثمار المباركة التي أفرزها قرار هيئة علماء المسلمين بدعوة شعبنا الى مقاطعة الانتخابات لان قرار المقاطعة وما تبعه من نتائج تركا لشعبنا ثغرة ذهبية للطعن بشرعية الدستور قانونيا ودوليا متى ما أرادوا ذلك. كما ان هناك شهادات دولية تؤكد بأن مطبخ إعداد الدستور اقتصر على الحزبين الشيعيين الكبيرين، والحزبين الكرديين، حتى قال السفير الأمريكي اثناء عملية إعداد الدستور بحسب صحيفة نيويورك تايمز: "ان ممثلي الشيعة والأكراد يبدون حرصا أكبر على المصالح الطائفية الضيقة على حساب المصلحة القومية العامة"، وذكرت صحيفة لوس انجلوس تايمز وقتها أيضا: "إن أهم ما يتعرض له كتاب مسودة الدستور العراقي هو مسألة سيطرة الأحزاب الكردية والشيعية على مناطقهم وسيطرتهم على الأموال التي تدرها موارد تلك المناطق النفطية" وهذا يعني أن الجماهير الشيعية والكردية هي الأخرى لم يكن لها ممثلون حقيقيون في كتابة الدستور، ثم بسبب هذا الاحتكار تم استبعاد الاخرين، وتقلصت بصورة حادة مشاركة النساء والاقليات العرقية والدينية، وضاعت امكانية المشاركة الكبيرة من جانب العراقيين العاديين في عملية صنع الدستور، وقد تمخض هذا الوضع المهلهل عن دستور مليء بالثغرات والتناقضات، وأصبح اليوم مشكلة بحد ذاتها بدل ان يكون وسيلة لحل المشاكل، وهذا كله يجعل من الدستور حالة هشة قابلة للطعن قانونيا بشرعيتها ، وللأمانة فإن جميع ما ذكرناه من خروقات رصده خبراء ورجال قانون دوليون، وكتبوا فيه تقارير وخلاصات، ومن هؤلاء رجل القانون الأمريكي جوناثان مورو الذي ترأس وفدا لمراقبة العملية الدستورية، وواكبها خطوة خطوة وخلص الى النتائج التي أوردناها للتوِّ وزاد عليها، وكتب بذلك تقريرا تحت عنوان: (العملية الدستورية العراقية الثانية: فرصة ضاعت) أبدى فيه آسفه للنتيجة التي انتهت اليها العملية الدستورية، لخلوِّها من الشفافية، وافتقارها الى مشاركة جميع فئات الشعب العراقي، وكان مما قاله: "العملية الدستورية المتعجلة زادت من تفاقم انقسام المجتمع العراقي على أسس عرقية ولو أتيح مزيد من الوقت لأمكن للاستفتاء أن يحصل عن جدارة على مزيد من التأييد مع ما يترتب على ذلك من مكاسب بالنسبة لشرعية الحكم والسلام في العراق".

وقد كتب التقرير برمز: تقرير خاص رقم (155) في تشرين الثاني سنة 2005م، ونشره معهد السلام الأمريكي على موقعه الرسمي باللغة العربية، وهذا رابطه لمن يحب الاطلاع على المزيد:

https://www.usip.org/sites/def...

وثمة شهادة دولية مهمة في هذا السياق أيضا وردت في سياق (ايجاز سياسي) صدر عن مجموعة الازمات الدولية، (العمل على منع نشوب النزاعات في العالم)، ذكر فيها أن التعجل في صياغة الدستور أدى الى خسارتين اثنتين.

الأولى: هي غياب الإجماع وغياب الاتفاق على الدستور من قبل الشعب العراقي.

الخسارة الثانية: كانت في نص الدستور نفسه. ذلك أن الفقرات الرئيسية مثل تلك التي تعالج موضوع اللامركزية، وصلاحيات فرض الضرائب، قد وضعت في صيغ غير واضحة، وبالتالي تحمل في ثناياها بذور الشقاق في المستقبل.

وفي تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: قال الخبير الأمريكي المعروف أنتوني كوردسمان "قد تكون مسودة الدستور مقدمة لحرب أهلية أكثر من كونها خطوة إلى الأمام"

هذه شهادات دولية وامريكية، ويوجد الكثير غيرها، ويمكن اعتماد ذلك كله وثائق داعمة لمطالبة المجتمع الدولي بتغيير الدستور.

وتجدر الإشارة هنا الى ان لقاء القاهرة الثاني الذي عقد بين القوى الوطنية وممثلين عن اقطاب العملية السياسية في العراق سنة 2006م في سبيل عقد مؤتمر للوفاق العراقي وقعوا جميعا على اتفاق يضم جملة من البنود كان من أهمها الموافقة على تغيير الدستور، ويمكن إلزام الأطراف السياسية الحاكمة الآن بهذا الاتفاق دوليا أيضا.

الثاني: قد يقول قائل لكن ذلك سيصطدم بالواقع لان المجتمع الدولي وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الامريكية لن يصغوا الى هذه المطالبة، ولن يسمحوا بتلبيتها، وأقول: كان الأمر صعبا أمس، ولم يعد كذلك اليوم، فالتطورات على الساحة الدولية مثيرة للغاية، وبدأت المعادلات القديمة في المنطقة والعالم تتغير، والمجتمع الدولي اليوم محرج للغاية من الوضع في العراق، والتقارير الدورية التي ترفع الى مجلس الامن عن الأوضاع في هذا البلد تشي بذلك، ونتذكر جميعا أن الممثلة الخاصة للأمين العام في العراق، جنين هينيس-بلاسخارت قدمت نهاية السنة الماضية وتحديدا في 4/10/2022م إحاطة لمجلس الأمن حول العراق وكانت صريحة على نحو يكشف الواقع المرّ الذي يعاني منه العراقيون فقد اشارت في حديثها الى وجود خيبة كبيرة لدى الشعب العراقي وصلت عنان السماء على حد تعبيرها، وأن العراقيين فقدوا الثقة في قدرة الطبقة السياسية على العمل لصالح البلد وشعبه، وانتهت الى القول: "ولن يؤدي استمرار الإخفاق في معالجة فقدان الثقة هذا سوى إلى تفاقم مشاكل العراق". ومن المعلوم ان مجلس الامن الدولي أبقى العراق تحت ولايته و سلطاته استناداً الى مجموعة من قرارات لمجلس الامن الدولي اتخذت سنة 2003م ولم يخرجه عن الفصل السابع الذي يخول مجلس الامن مواجهة أي مخاطر أو تهديدات ممكن ان تظهر من العراق فقد نص صراحة على ان العراق ما يزال يمثل تهديداً للسلم و الامن الدولي و انه يتعامل مع العراق على وفق الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، وهذا بطبيعة الحال يتيح للمجتمع الدولي الحق في النظر بمطالبة شعبنا بتغيير الدستور وبمقدوره ـ وفق ما بينا ـ اتخاذ قرار بذلك.

أما الولايات المتحدة الامريكية فنظرة سريعة الى ما تجود به مراكز بحوثها يكشف لنا عن مدى شعورها بالندم والخسارة وهي ترى ان العراق الذي صرفت عليه مليارات الدولارات، وخسرت فيه من جنودها عددا يفوق ما خسرته في فيتنام، وفرطت لأجله بسمعتها الدولية قد خرج من حضنها وارتمى في أحضان آخرين، ولم تعد قادرة على الإفادة منه كدولة حليفة، وحتى لا اُرمى بالمبالغة، أو بالتوهم، أضعك امام خلاصات حديثة كشفت عنها بعض مراكز البحوث الأمريكية تصب في هذا الاتجاه، فقد نشرت وكالة شفق بتاريخ 2/3/2023م ترجمة لتقرير صدر عن المعهد الأمريكي كوينزي للدراسات بمناسبة مرور عقدين على احتلال العراق تحت عنوان: (بعد عشرين عاما على اسقاط صدام.. ندم أمريكي يُترجم على شكل اسئلة ومراجعة حساب) جاء فيه: "ان صناع السياسة في واشنطن انطلقوا قبل 20 سنة من دون امتلاك وعي حقيقي بما سيحدث، وان كبار صناع السياسة في واشنطن لم يركزوا على ما الذي سيتبع (سقوط)نظام صدام، وهناك محدودية بمعرفة صناع السياسة الكبار بتشكيل العراق الحديث: مضيفا انه "كان هناك نوع من الغطرسة بإحساس الثقة ان بالإمكان القيام بالأمر لمجرد أن هناك وجودا اميركيا ضخما سيكون من شأنه ان يخلق الاستقرار ويحافظ عليه"، ويقول: "بينما تحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ20 للغزو، وقبل أن يباشر القادة الامريكيين بمغامرة اخرى لتغيير النظام فان عليهم ان يتخذوا قراراتهم بناء على الخبرة العميقة حول البلد المستهدف، والمعلومات الاستخباراتية القوية والموثوقة، وبناء على الأسس المنطقية التي يوجد حولها قبول وطني، بالإضافة الى ضرورة ان تكون الاهداف لها نهايات واضحة"

ومن النتائج التي خلص اليها التقرير أن اجتثاث البعث وحلّ الجيش "كانا القرارين الأكثر خطورة اللذين اتخذتهما السلطة الامريكية في بغداد بعد سقوط صدام"، مضيفا انه "لو كان مهندسو الحرب الكبار في البنتاغون والبيت الأبيض سنة 2003 على اطلاع، أو أن لديهم الفضول للاطلاع على الوقائع السياسية والديموغرافية للعراق، لكانوا قد أدركوا ان هذين القرارين الخطيرين قصيرا النظر".

وفسَّر المعهد ما وقع بالقول: "ان القادة الأمريكيين حصلوا على تقديرات مفادها أن حزب البعث هو العمود الفقري لنظام صدام، وان العضوية في الحزب ضرورية من أجل الحصول على أي وظيفة، وان اجتثاثه سيعطي ذات النتائج الجيدة التي انتهى اليها اجتثاث النازية في ألمانيا وفاتهم أن العضوية الحزبية في العراق لم تكن بالضرورة مؤشرا على الولاء للحزب، وإنما وسيلة لكسب العيش". واوضح التقرير "ان طرد الآلاف من العراقيين من وظائفهم بسبب انتمائهم الى حزب البعث، جعل سلطة التحالف المؤقتة تجد نفسها مضطرة لمواجهة ملايين العاطلين عن العمل الذين يشعرون بالإهانة والغضب والعديد منهم من السنة الذين تدفقوا على شوارع بغداد ومدن اخرى للتعبير عن احتجاجهم، وهو سرعان ما أثار تمردا كبيرا ضد أمريكا استمر لسنوات، حيث إنهم حملوا الولايات المتحدة مسؤولية ما جرى معهم".

هذا أخي الكريم نموذج والا فان مراكز البحوث في الولايات المتحدة الامريكية لا شغل لها هذه الأيام سوى تقديم الدراسات والتقارير حول كيفية اصلاح الأخطاء الأمريكية في العراق وضرورة انتزاعه من حضن الجارة إيران، خاصة بعد ان حسمت ايران خيارها وارتمت في أحضان المعسكر الشرقي واشتركت مع روسيا في صراعها مع أوكرانيا فان الولايات المتحدة الامريكية لم تعد تطيق الصبر على الواقع العراقي، وفي ضوء ذلك فإن عملية التغيير على نحو ينتزع العراق من هيمنة الدولة الجارة قد تكون هي الأخرى حاجة أمريكية، وبالتالي أشك في ان يقف الامريكيون عقبة في طريق المجتمع الدولي إذ ما عزم على دعم الشعب العراقي في انجاز خطوة تغيير الدستور.

ومن هنا وبناء على ما تقدم أرى ان على شعبنا استثمار هذه التطورات واللجوء الى هذه الوسيلة في العمل على تغيير الأوضاع. واعتقد انها فرصة سانحة ونسبة النجاح فيها مرتفعة جدا، ومن المعلوم أن الدستور إذا تغير يتغير معه كل شيء، ولا تسألني عن الآليات التي تضمن للشعب نجاح هذه الخطوة في وضع بالغ التعقيد مثل العراق لأن منظمة الأمم المتحدة إذا تبنتها رسميا ونجحت في جمع الجهود حولها دوليا ستتكفل هي بتوفير الآليات المناسبة، والتي ستكون مضمونة النجاح بإذن الله مادام الشعب داعما لها، ومصرّا على إنجازها.

وبالمناسبة لدينا في العراق خبراء قانون من كل المكونات، وهم قادرون ـ بإذن الله ـ إذا اتيحت لهم الفرصة على كتابة دستور عادل يناسب المرحلة ويقوم على أساس العدل والمساواة، ويعتمد الهوية الوطنية معيارا للنظام الجديد، وحينها يكون شعبنا قد وضع خطوته الأولى على طريق التغيير بإذن الله سبحانه وتعالى..

مقالات متعلقة