حوار الميثاق مع الكاتب والباحث السياسي الأستاذ أياد الدليمي
الميثاق| حلت علينا قبل أيام الذكرى /19/ لغزو العراق واحتلاله: ما هي ارتدادات هذا الغزو على واقع العراق؟
الدليمي| بداية لابد من توجيه الشكر لكم في صحيفة الميثاق الوطني على توجيه هذه الدعوة للإطلال من خلالكم على قراء الصحيفة الغراء ونحن نعيش ذكرى الغزو الأمريكي للعراق؛ وإجابة على سؤالكم، نقول إن الغزو الأمريكي لم يغير وجه العراق فحسب وإنما غيّر وجه المنطقة وقد لا نبالغ إذا ما قلنا إنه غير وجه العالم، فعالم ما بعد غزو العراق لا يشبه بأي حال من الأحوال عالم ما بعده.
وإذا ما أردنا أن نتحدث عن واقع العراق حصرا، فمعلوم لدى الجميع أن هذا الاحتلال ترك العراق في واقع بائس، فإذا أردنا أن نتحدث بلغة الأرقام فهناك اليوم نحو مليون عراقي ذهبوا ضحية هذا الغزو، يضاف إليهم قرابة المليون ونصف المليون ممن أصيبوا بعاهات دائمة ناهيك عن وجود نحو 5 مليون طفل يتيم وقرابة مليون أرملة، في حين يعيش قرابة 35% من العراقيين تحت خط الفقر، ناهيك عن وجود مليون ونصف مليون عراقي نازح داخل البلاد، في حين لا توجد إحصائية دقيقة تشير إلى عدد المعتقلين في السجون المعروفة والسرية.
اقتصاد منهار وواقع اجتماعي وصحي وتعليمي متردي، يضاف إلى كل هذا وذاك؛ عملية سياسية تعاني من انسداد وعدم قدرة أضلاعها على الخروج من عنق الزجاجة منذ 19 عاما ويزيد، اعتقد أن الواقع العراقي بعد الغزو الأمريكي يشرح نفسه.
الميثاق| ومن يتحمل مسؤولية ذلك ولا سيما أنه جاء خارج إرادة المجتمع الدولي، وما يترتب على ذلك من حقوق المطالبة بالتعويض؟
الدليمي| بالتأكيد المسؤول الأول عن كل هذا الخراب الذي أصاب العراق هو الولايات المتحدة الأمريكية، كلنا يعرف أن واشنطن لم تأخذ بعين الاعتبار تبعات ما يمكن أن يسببه هذا الغزو ليس على العراق وحسب وإنما على المنطقة، كانوا يتحدثون عن ديمقراطية عراقية وإسقاط للنظام العراقي الذي كانوا يصفونه بالدموي والديكتاتوري، واتضح لاحقا أن الهدف هو العراق، العراق كبلد وشعب ومقدرات، ولا علاقة للغزو بالنظام السابق وكذبة امتلاكه لأسلحة دمار شامل، ولا علاقة للغزو بالديمقراطية، لهذا تبقى الولايات المتحدة هي المسؤول الأول عما آلت اليه الأوضاع في العراق.
بالإضافة طبعا إلى الأنظمة العربية التي ثبت بالدليل القاطع أنها لم تكن مدركة ولا قادرة على قراءة واقع ما يمكن أن يسحبه هذا الاحتلال عليها وعلى واقعها، فهذه الأنظمة تدفع اليوم ثمن خطأ قراءتها للواقع، بعد أن باتت مكشوفة أمام أعداء كُثر ليس أولها إيران ومطامعها التوسعية.
وهناك بالتأكيد إيران التي لعبت دورا كارثيا ومكملا للغزو الأمريكي ليس من خلال دعمها للأحزاب والميلشيات العراقية التي كانت تحتضنها فقط؛ وإنما من خلال محاولتها وضع يدها على العراق عبر هذه القوى السياسية أولا وتحالفها غير المعلن مع الولايات المتحدة ثانيا والتي سبقت حتى غزو العراق من خلال لقاءات جمعت بين إيرانيين وأمريكيين في عدة عواصم عالمية تمهيدا لغزو العراق، وهو ما أشار اليه الدبلوماسي الأمريكي وسفير واشنطن في بغداد عقب الاحتلال، خليل زلماي زاده.
وأخيرًا فإن القوى السياسية العراقية، سواء التي أنتجها الغزو أو التي صنعتها إيران طيلة عقود من حربها على العراق، تتحمل وزرا كبيرا مما جرى ويجري في عراق اليوم، فهي التي ارتضت لنفسها أن تكون مطية للاحتلال الأمريكي وأيضا مطية للنفوذ الأجنبي المتمثل بإيران.
الميثاق| الطبقة السياسية التي أنتجها الاحتلال مازالت تتخبط وتعيد إنتاج نفسها بصيغ وعناوين مختلفة إلا أنها ما زالت في مربع الفشل: إلى أين يأخذون العراق؟
الدليمي| أعتقد أن السؤال ينفتح على احتمالات عديدة، لكنها بالمجمل احتمالات سيئة، العراق اليوم يعيش في أتون جحيم صنعه الاحتلال وأزلامه، من قوى سياسية وحزبية ومسلحة، وشاهدنا غضبة الشعب العراقي المتمثلة في ثورة تشرين 2019، والتي لو قيض لها أن تستمر فإنها كان يمكن أن تمثل بداية انعتاق العراق من ربقة قوى الاحتلال.
هذه القوى السياسية اليوم وبسبب فسادها وطائفيتها وعمالتها للأجنبي فإنها تكتب نهايتها بشكل أسرع مما كنا نتوقع، وبالتالي فإني أتوقع أن تعود روح ثورة تشرين بشكل أقوى وأكبر رغم كل ما واجهته تلك الثورة الشعبية من قمع
الميثاق| كيف تقرأ التخبط السياسي (حزبيا وحكوميا) بالتعاطي مع الهجوم الإيراني على أربيل؟
الدليمي| هذا التخبط ليس جديدا، فمنذ الوهلة الأولى لتشكل العملية السياسية في العراق فإنها كانت تعاني من التخبط وضياع البوصلة لأسباب شتى لعل من أولها أن التغيير كان عسكريا احتلاليا ولم يكن تغييرا من الداخل بالتالي فإنه سيبقى يترنح حتى لو طال عمره، وسيبقى كذلك حتى تتغير العملية السياسية برمتها، وهو قرار بيد الشعب العراقي، ما جرى من تخطب في التعامل مع الهجوم الإيران الفج على مدينة عراقية، كشف ما تبقى من ستر هذه العملية السياسية وقواها المختلفة، وعندما اتحدث عن قوامها المختلفة أشير إلى كل القوى السياسية التي شاركت في العملية السياسية منذ 2003 وحتى اليوم، فكل القوى حتى تلك التي كان لها موقف مستنكرا للقصف الإيراني، بدت هزيلة حيال هذا التحدي الوجودي الذي فرضته صواريخ طهران.
الميثاق| يتحدثون عن السيادة وحلف إيران يبرر تغول طهران على مقدرات العراق؟ هل يتمتع العراق بالسيادة والاستقلال كما يزعمون؟
الدليمي| هذا السؤال هو استكمال لما تحدثنا به سابقا، السيادة لا تعني أن تكون متحكما بأرضك ومياهك وسمائك فقط، وإنما تعني أن تكون متحكمًا بقرارك السياسي والاقتصادي، ولا اعتقد أن العراق أو بالأحرى حكوماته التي تعاقبت عليه بعد 2003، تتمتع بأي مما ذكرنا سابقا، وهم يعرفون ذلك جيدا، هم ينظرون للعراق على أنه غنيمة لا أكثر، فحديثهم عن السيادة لا يخلو من أي كياسة سياسية كونهم يعرفون قبل غيرهم أن جنرالا بالحرس الثوري الإيراني يمكن أن يتدخل بالشأن العراقي الداخلي دون أن يكون لدى حكومة بغداد القدرة على منعه من ذلك، تخيل أن إيران وبعد قصفها لأربيل، تبعث بحسن دنائي فر السفير الإيراني السابق في بغداد والقيادي في الحرس الثوري، ليجتمع مع ساسة عراقيين ويبلغهم أن إيران يمكن أن تقصف أي مدينة عراقية يخرج منها تهديد لإيران!، ناهيك طبعا عن سفير طهران الحالي ببغداد الذي تبجح وتحدث بعنجهية عن قصفهم لأربيل، دون أن يجد سياسيا عراقيا أو موقفا حكوميا واحدا يعلن رفضه لمثل هذه التصريحات التي تستوجب الطرد على الفور.
الميثاق| هل نحن أمام مشهد جديد في مسار التوجه الإيراني بإحكام قبضته على العراق ولبنان وسوريا واليمن بغياب موقف عربي لمواجه أخطاره؟
الدليمي| إيران ماضيه في مشروعها بالمنطقة ليس فقط لغياب مشروع عربي موحد وإنما لتواطؤ أمريكي مخيف حيال هذا المشروع، واشنطن وجدت في مشروع طهران التوسعي خير خدمة لها في المنطقة، إيران اليوم بمثابة حامية لإسرائيل، وبمثابة ضاغطة على دول الخليج من أكثر من جبهة، ما يضطر تلك الدول إلى مزيد من الارتماء بالحضن الأمريكي لحمايتها من إيران، كل ذلك يأتي مكملا لغياب المشروع العربي، هذا الغياب الذي بدأ حتى قبل الغزو الأمريكي للعراق، للأسف ما بين الدول العربية من مشاكل وتعقيدات يفوق ما بينها وبين إيران أو حتى إسرائيل، بالتالي ستستمر إيران بمشروعها، ولكن بتقديري؛ طهران أخطأت الحسابات في هذا التمدد، وستكون هناك ردات فعل لم تتوقعها إيران.
الميثاق| وأين تضع نية الإدارة الأمريكية رفع ميليشيات "الحرس الثوري" الإيراني من قائمة الإرهاب؟
الدليمي| واشنطن وفي مختلف مراحل تعاملها مع إيران وملفها النووي كانت تنظر لمصالحها لا لمصالح غيرها، وتلك سُنة السياسة التي لا يمكن أن نلومهم عليها، وضع الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب كان بالأصل محاولة ضغط، ورفعه عن تلك اللائحة يمكن أن يكون جزرة أمريكية في ظل حاجة واشنطن لتنويع مصادر الطاقة وضخ المزيد من النفط إلى الأسواق في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، بالتالي فإني لا استبعد هذا القرار.
الميثاق| تستغل أحزاب السلطة الواقع المضطرب بسرقة موارد العراق وتجويع شعبه" ما هي خطورة هذا المنهج الخطير؟
الدليمي| القوى السياسية في العراق تتعامل مع الواقع بغباء شديد، هي تعتقد أن الجبروت والسلطة والهيمنة والتخويف والاعتقال يمكن أن يبقى يشكل رادعا للشعب من الثورة الكبرى، بالتالي فإنهم يتمادون كثيرا في سرقة مقدرات الشعب، إنهم يكتبون نهايتهم، عن نفسي لم أكن أتوقع أنت يكون سقوطهم بهذه السرعة، اليوم هناك وعي شعب يتنامى وهناك روح ثورية بدأت تنتشر بين شباب العراق، بدأت في تظاهرات شباط 2011 واستمرت شرارتها حتى وصلت للمحافظات الست المنتفضة، وصولا إلى تشرين، وامتدادا إلى ثورة أخرى تضطرم نارها في القلوب، سياسة التجويع ستكون كارثية على القوى السياسية، هناك ارتفاع كبير في الأسعار وهناك شح كبير في الوقود وغياب التعيين لفئة كبيرة من الشباب وتردي واقع القطاع الخاص، وحتى الرواتب التي اعتقدوا أنها يمكن أن ترضي الشعب، ما عادت مغرية للملايين من الموظفين الحكوميين، بالتالي فإنني أتوقع ثورة شعبية تطيح بعروش ساسة المنطقة الخضراء
الميثاق| أفرزت الانتخابات المشكوك بصدقيتها فريقين هما من نتاج الاحتلال وعمليته السياسية يسعيان إلى إصلاح النظام السياسي والدعوة للإصلاح ومكافحة الفساد رغم أنهما تسببا في تدمير العراق، أين تضع هذه المقاربة؟
الدليمي| لا فرق بين كتلة وأخرى إلا بقدر هيمنتهم على المغانم، وكل ما نشهده اليوم من صراعات بين تلك القوى السياسية هو نابع من تلك الرغبة، الرغبة بالاستيلاء وزيادة الموارد والمغانم، من يريد الإصلاح عليه أولا أن يتبرأ من كل ما يمكن أن يلوث أو لوث طريقه للإصلاح، أعتقد أن إصلاح الوضع في العراق لا يمكن أن يأتي من ذات الطبقة التي جلبت له كل هذا الدمار والخراب وكانت شريكة بكل ما جرى للعراقيين من مآسي
الميثاق| حلفاء الأمس خصوم اليوم هكذا هو المشهد السياسي: كيف تقرأ اتجاهاته على صعيد إعادة التموضع السياسي لأحزاب السلطة والدور الإيراني في ضبط إيقاعه؟
الدليمي| لم يكونوا حلفاء إلا بالقدر الذي يحقق لهم التحالف مصالحهم الشخصية والحزبية، ومتى ما تصادمت تحالفاتهم مع مصالحهم الضيقة تفرقوا، إلى الآن لا فراق حقيقي بين هذه الطبقة الحاكمة لأنها ببساطة لا تريد أن تخسر ما حققته من مكاسب حزبية وشخصية؛ بالتالي فإنهم ورغم كل الخلافات التي ظهرت وستظهر، فإنهم بنهاية المطاف سيتصالحون مع مصالحهم، نعم إيران تتحكم إلى حد كبير بالمشهد لكنها إلى الآن عاجزة عن ضبط الإيقاع بسبب حجم الخلافات المصلحية بين الفرقاء وأيضا غياب شخص قاسم سليماني الذي كان بمثابة ضابط إيقاع
الميثاق| هل حان الوقت لبلورة رؤية تخرج العراق من واقعه مستندة إلى اصطفاف وطني يعيد العراق إلى واقعه مستقل ويتمتع بإرادة وطنية عابر للاستقطاب الطائفي؟
الدليمي| اعتقد أن الرؤية باتت متبلورة أكثر من أي وقت مضى، عمليا اليوم لدينا طبقة حاكمة ولدينا شعب غاضب ومحتقن على هذه الطبقة، وفي لحظة فارقة سيحصل الصدام الذي يمكن أن يقود إلى اصطفاف وطني قادر على أن يخرج العراق من واقعه الحالي، لكن الأمر مازال بحاجة إلى مزيد من الوقت، الثورة بناء تراكمي، وما تحقق في العراق إلى الآن أكبر من مجرد احتقان شعبي مرحلي وأقل من ثورة شاملة، لكن بالتأكيد أن الثورة قادمة، خاصة وأن البناء التراكمي لهذه الثورة يتصاعد، فالشعور الوطني في تنامي وهو أهم متطلبات الثورة
الميثاق| هل بات العراق منهارا اقتصاديا أمام أزمة الغذاء المحلية والدولية؟
الدليمي| العراق سيكون أمام حالة جوع في ظل غياب أي خطط حكومية لسد النقص الذي يمكن أن يحصل جراء تناقص الامدادات الغذائية العالمية، وغياب أي خطط للاعتماد على البدائل المحلية، دول العالم اليوم بدأت تحصن أمنها الغذائي، فماذا تفعل حكومة بغداد؟ كل الدلائل تشير إلى أن المخزون الغذائي العراقي لا يكفي لتسعة أيام فقط! تخيل!
الميثاق| ما هي أسباب فشل السلطات الحكومية في النهوض الاقتصادي للفرد العراقي مع حجم الإيرادات النفطية الكبيرة؟
الدليمي| ببساطة لأنها سلطة فاسدة، تعمل لمصالحها لا لمصلحة الشعب، نحن نسمع كل يوم أرقام صادمة عن حجم الفساد الذي يعيشه العراق، أسعار النفط العالمية وصلت إلى نحو 120 دولار، يقابلها تصدير عراقي يومي يصل إلى نحو 5 مليون برميل نفط، كل هذه الفوائض التي يمكن أن تدخل الموازنة لا يرى الشعب منها شيء، لأن العراق يعاني من سوء إدارة اقتصادية منذ 2003 وحتى اليوم، فحتى عندما يأتي شخص مقتدر لقيادة الاقتصاد فإنه يواجه بجملة عوائق تمنعه من فعل ذلك، اليوم جزء كبير من إيرادات النفط يذهب رواتب لأكثر من 9 ملايين موظف، هذا الرقم الرسمي، فما بالك بما خلف الكواليس، العراق يعاني من فقدان الخطط الاقتصادية القادرة على انتشاله من واقعه لأنه يخضع لحكم الأحزاب ولا يخضع لحكم الدولة.