حوار الميثاق مع الأستاذ عمر الفرحان مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب
(مركز غير حكومي مستقل، يهدف إلى التوثيق والتعريف بجرائم الحرب في العراق التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي وتوابعه في العراق منذ عام 2003 م)
نص الحوار:
الميثاق: يضطلع المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب بدور محوري في كشف ضحايا الجرائم والجهات المنفذه، ماهي المعوقات التي تحول دون هذا الدور، وأين المنجز؟
الفرحان: وضع المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب على عاتقه منذ نشأته توثيق جرائم الحرب المرتكبة في العراق منذ عام 2003م، والمركز في صيغته وعمله يختلف عن بقية المراكز والمنظمات الأخرى حيث اعتمدنا في عملنا على توثيق الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية، التي تدخل في جزئها الأكبر في القانون الدولي الإنساني الذي يُعنى في حالات النزاع المسلح الدولي وغير الدولي، وهذه الحالة الحقيقية في العراق تسبب بها الاحتلال، والنزاع المسلح الداخلي بين القوات الحكومية والميليشيات المرافقة لها وبين تنظيم داعش وقد أسفر ذلك عن كثير من الضحايا المدنيين العزل وفي معظم الأحيان تقوم هذه الميليشيات المرتبطة بالحكومة على قتل المدنيين بصورة مباشرة بدوافع طائفية وانتقامية، ومن ثم فقد عملنا على توثيق حلات حقوق الإنسان برصد انتهاكات الحكومة والميليشيات المرتبطة بها ضد المدنيين.
ويعتمد التوثيق في معرفة أحوال الانتهاكات بشكل متكامل من تأريخ الانتهاك ومكانه وأشخاص وكيفية الانتهاك ودوافعه، حيث تساعدنا هذه الأسئلة إلى نوعية الجريمة التي قامت بها هذه الجهات المسؤولة عن الانتهاكات الممنهجة والمستمرة بحق العراقيين. وعلى الرغم من معرفة هذه الجرائم إلا أن هناك الكثير من الصعوبات التي تواجه عملنا منها عدم تعاون أهالي الضحايا معنا في معرفة الجريمة أو عدم إرسالهم الصور المهمة من أجل توثيقها، أو تأخرهم في إرسال المعلومات وكل هذه خوفا من ملاحقة الحكومة والميليشيات لهم، وهناك أيضا معوق إخفاء أركان الجريمة من قبل المجرمين والحكومة فتتعمد على إخفاء الحقائق والأدلة وعدم الوصول إليها بشكل مباشر مما يؤثر على حقيقية الجريمة المرتكبة بحق المدنيين.
الميثاق: كيف تتعاطى الجهات ذات العلاقة مع هذا الملف الذي أصبح قضية رأي عام من فرط اتساع ضحاياه؟
الفرحان: هناك أكثر من جهة تتعاطى مع الملف الجهة الأولى وهي الحكومة والتي من أولويات واجبها هو حماية المديين والدفاع عن حقوقهم، ولكن هذه الحكومات المتعاقبة للاحتلال هي سبب رئيس في زيادة معاناة المدنيين وهي من أوغلت في انتهاك حقوقهم من خلال زج مئات الآلاف من المدنيين في السجون السرية والعلنية، ومن خلال تهجير المئات من القرى بدوافع طائفية، وقتل الآلاف من المدنيين خارج القانون، ونزوح الملايين من مناطق سكناهم بسبب الأعمال والانتهاكات الحكومية ضدهم، وبالتالي هذه الجهة لم تتعاط بأي شكل من الأشكال مع الملفات التي رصدناها ولا نعول على الحكومة في تحسين ملف حقوق الإنسان في العراق؛ بل على العكس نحن ندينها ونتهمها في المقام الأول في انتهاكات حقوق المدنيين وهي جزء من المشكلة ولم تعمل وفق القوانين الدولية بهذا الشأن وبهذا هي تنتهك القوانين الدولية والمعاهدات والاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
والجهة الثانية وهي الأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بحالة العراق وللأسف لم تقم بدورها وواجبها المنشود في حماية الإنسان العراقي وأصبحت هي جزءا من المشكلة الإنسانية في العراق وجميع من استلم مسؤولية البعثة في العراق كان متواطئا مع الحكومات في التستر على الجرائم؛ بل وأصبح يخفي الأدلة والحقائق عن المجتمع الدولي وبات يدافع عنها في المحافل الدولية، وقد نبهنا المجتمع الدولي عن هذه الحالة في كل تقاريرنا ورسائلنا الخاصة التي نبعثها إلى مقر الأمم المتحدة وإلى المنظمات الدولية الأخرى، وحتى الأمين العام للأمم المتحدة بات لا يثق كثيرا في بعثة الأمم المتحدة في العراق بسبب انحيازها إلى القتلة والمجرمين وبسبب تقاريرها المضللة عن حالة الإنسان في العراق.
والجهة الثالثة هي المنظمات الدولية والمجتمع الأوربي وهنا نلمس فيها بعض التعاون والتجاوب مع تقاريرنا ومعلوماتنا في العراق ومؤخرا بدأت تتعاون كثيرا معنا في تبادل المعلومات ورفع التقارير إلى المجتمع الدولي وتبيان حالة حقوق الإنسان بشكل واضح وعلني ومنها منظمة العفو الدولية واللجان الأممية التي فتحت الباب معنا في توثيق الجرائم والاطلاع على التقارير المعنية بالانتهاكات في السجون وملف الإخفاء القسري والتعذيب وغيرها.
الميثاق: الإفلات من العقاب تحول إلى ظاهرة مقلقة، من هو المسؤول عن تنامي هذه الظاهرة؟
الفرحان: يشير مصلطح الإفلات من العقاب في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى عدم تقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، وهذا بحد ذاته يشكل نكرانا لحق الضحايا في العدالة والإنصاف. ولا سيما في البلدان التي قامت فيها القوات الحكومية أو المسلحة بجرائم جماعية ضد المدنيين. إن غياب المساءلة والشفافية في تحقيق العدالة في الاعتداءات على المدنيين وهي واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الحركة الدولية لحقوق الإنسان، وتقوض بناء الدولة.
إن تقاعس الحكومات في بغداد عن الوفاء بالتزاماتهما بموجب القانون الدولي والقانون العراقي لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد المدنيين والصحفيين، والنشطاء، والمتظاهرين على الرغم من التعهدات المتكررة باتخاذ الإجراءات القانونية ومحاسبة الجناة، إلا أن السلطات لم تقم بذلك حتى الآن، وهي تحاول طمس الحقائق وترسيخ الإفلات من العقاب لعقود، مما ترك أفراد المجتمع العراقي من دون حماية.
الميثاق: وهل أصبح تدويل هذا الملف ضرورة، وماهي جهودكم في هذا الإطار؟
الفرحان: يوما بعد يوما يصبح تدويل ملف الانتهاكات في العراق ضروريا أكثر وحاجة ملحة ونحن ندعم أي توجه لتدويل القضية العراقية وتحويل ملف حقوق الإنسان إلى المجتمع الدولي وهذا يأتي في ضمن عمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يخول المجتمع الدولي بالتدخل الفوري والحازم وبدون أي شرط لتدخل مجلس الأمن في حماية حقوق الإنسان في أي بلد إذا تعرض إلى انتهاكات جسيمة في حقوق الإنسان أو كانت الحكومات هي من تقوم بهذه الانتهاكات بحق مواطنيها.
وجهودنا في هذه الإطار هو تحفيز وإقناع المجتمع الدولي في الضغط على هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتدخل الفوري في حماية الإنسان من بطش الحكومات والميليشيات بحقه.
الميثاق: ما هي بتقديركم أسباب اتساع ظاهرة الجريمة المنظمة في العراق؟
الفرحان: تتنوع الجريمة المنظمة في العراق بين الاتجار بالبشر وغسيل الأموال، والقتل، والسطو المسلح، والغش الصناعي، وتهريب الآثار، وزراعة المخدرات، وخطف الأطفال، والاتجار بالسلاح وتزوير الصكوك المصرفية، وتزوير العملة والشهادات العلمية فضلاً على التفجيرات ونحوها. وأسباب انتشار الجريمة في العراق كثيرة منها البيئة الفاسدة التي أوجدها الاحتلال والحكومات المتعاقية، وفشل المؤسسة التربوية، وتدهور العامل الاقتصادي المتمثل بانتشار البطالة المقنعة، وعدم وجود منظومة قانونية واقتصادية واجتماعية لرعاية المجتمع. والقضاء الذي لا يتسم بالعدالة والحيادية والكفاءة والمهنية بسبب الرشوة والمحسوبية والضغوط السياسية للأحزاب المتنفذة وأذرعها المسلحة. فضلا عن الإجراءات الجزائية التي لا تعتمد على الأساليب الحديثة في التحقيق، وتسلل الفساد في مفاصل المنظومة القضائية التي أصبحت أفسد منظومة عالميا. ويحتل العراق في المراتب الأولى عالميا في تصنيف الدول التي تشيع فيها الجريمة المنظمة، وأعلنت منظمة الشفافية الدولية عام 2019 بأن العراق ضمن الدول الست الأولى الأكثر فساداً في العالم. رغم انضمام العراق إلى اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة وفق قانون التشريع رقم 20 لعام 2007م. وأعداد الضحايا نتيجة الجريمة المنظمة غير متوافرة بشكلها الدقيق بسبب ازديادها بشكل مضطرب.
الميثاق: هناك من يصف الجريمة المنظمة بأنها إرهاب حكومي تنفذه المليشيات، ما هي مخاطر هذا التخادم بين الطرفين؟
الفرحان: عصابات الجريمة في العراق أصبحت لا توصف بأنها مجموعة أفراد من لمراهقين أو العاطلين عن العمل أو المحترفين؛ بل تعداه إلى إرهاب دولة وميليشيات أصبحت تعمل وفق القانون ولها جهات سياسية تحميها وقانون يسير بجنبها وأصبحت قوة كبيرة معلومة التوجهات والانتماء ومتنفذة في الحكومات التي أعقبت الاحتلال، وأشارت الكثير من التقارير الدولية إلى ضلوع الميليشيات العقائدية التي تنتمي للأحزاب السياسية في عمليات الجريمة المنظمة من أجل المال والطائفية وتعمل وفق أساليب عدة وممارسات ممنهجة في الخطف والقتل والاغتيال في حق الخصوم والمنافسين لغايات نفوذ أو أموال أو أسواق وهذه أهداف طائفية وسياسية واقتصادية تتماشى مع عمل الحكومات وتخدمها بشكل مباشر من أجل البقاء أكثر في سدة الحكم على حساب الإنسان العراقي وحقوقه.
الميثاق: عسكرة المجتمع بأنياب الميليشيات الطائفية حوّل العراق إلى ملاذ للمجرمين والعصابات المسلحة وسط غياب ما يسمى بالدولة كيف ترون ذلك؟
الفرحان: لا تخرج عسكرة المجتمع عن كونها استراتيجية تعبوية تبتغي إحكام السيطرة على افراد المجتمع وتنظيمهم بطريقة لتحقيق خضوعهم الكامل وسهولة انقيادهم للطغمة الحاكمة في البلدان التي تشهد توترا طائفيا وعدم وجود قانون يحكمهم. وتظهر ملامح وأشكال هذه العسكرة والتي تشترك بها أغلب تجارب العسكرة في العالم هي إعطاء صلاحيات واسعة للأجهزة الأمنية تتخطى إلى حد بعيد حدود الدستور والبناء القانوني في الدولة. والتغاضي عن الانتهاكات الصارخة للحقوق والحريات العامة التي تقوم بها تلك الأجهزة الأمنية. وتسخير الموارد البشرية والاقتصادية لخدمة الأغراض الأمنية والعسكرية. فضلا عن انتشار السلاح بين المدنيين بصورة خارجة عن سيطرة ورقابة السلطة. وتشبع أفراد المجتمع بثقافة العنف والقتل جراء تعايشهم مع الحروب والتنازع وأسلوب استخدام القوة واستعراضها مع ترسخ الاعتقاد بأولوية منطق القوة وأهميته في تمشية أمور المجتمع وضبط إيقاعه وفق اجندة طائفية وعقائدية.
وقد كانت أهم مفردات التدريب لكل التشكيلات الميليشياوية هي الاغتيالات التفجيرات تخريب البنى التحتية تدمير النظام الاجتماعي التهجير القسري وغيرها كتبريرها على أنها جهاد مقدس وتسخير الدين للأهداف السياسية والطائفية وإبقاء المجتمع العراقي في دوامة العنف، فضلا عن المكاسب السياسية والاقتصادية التي ترمي من خلالها هذه الميليشيات إثبات وجودها في الحكومة والمجتمع العراقي، وكل هذا هو تحت مظلة القانون ومظلة السياسة ومظلة المرجعيات الدينية التي أصبحت أداة في هدم الوطن والمواطن.
الميثاق: كيف تقرأ مسرحية القبض على قاتل الهاشمي من دون أن يعترف بالجهة التي أمرته بتنفيذ الاغتيال ودوافعه، وهل الكاظمي قادر على وقف مسلسل الاغتيالات؟
الفرحان: أثبتت مزاعم الحكومة في إثبات قتلة الهاشمي أن الحكومات غير شفافة وغير قادرة على تحقيق العدالة؛ حيث لم تقدم الجهات المسؤولة عن انتماء القاتل إليها، ولم تقدم على محاسبتها أو الكشف عن هوياتها رغم أن هذا معروف للجميع، وإثبات انتماء القاتل إلى الأجهزة الأمنية يشير إلى خلل كبير في المنظومة الأمنية، ويثبت صحة ما تقوله المنظمات بأن عددا كبيرا من أفراد الأجهزة الأمنية هم من الميليشيات، وهذا مؤشر خطير على أن الدولة ليست دولة قانون وإنما دولة تحت سيطرة الميليشيات. والكاظمي كغيره من رؤساء الحكومات الذين ارتكبوا جرائم ضد المدنيين العراقيين سواء في ثورة تشرين أو في المناطق التي تشهد سيطرة ميليشياوية وتقوم بانتهاكات جسيمة، وهو غير قادر على وقف هذه الانتهاكات.
الميثاق: ما زال ملف المغيبين والمعتقلين في صدارة اهتمام القوى المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية، أين يكمن دوركم لنصرة هؤلاء الضحايا؟
الفرحان: لم يأل المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب جهدا في نصرة المغيبين محليا ودوليا وقام المركز بالعديد من الخطوات على المستويين لمعرفة مصير المغيبين، فعلى المستوى المحلي قمنا بتوثيق وجمع أغلب أسماء المغيبين في كل المحافظات وتوثيقها بشكل قانوني وإنساني، وعلى المستوى الدولي قمنا بتقديم بلاغات وشكوى إلى اللجنة المعنية بالإخفاء القسري وما زلنا نقوم بهذه العملية من أجل الكشف عن مصيرهم، فضلا عن مطالباتنا المستمرة بمحاكمة الجناة وكف أيدي المجرمين في الاستمرار بهذه الجرائم الخطيرة والتي تعد من أخطر الجرائم الدولية وهي لا تسقط بالتقادم حتى لو مر على حدوثها مئات السنين. ويعد العراق الأول عالميا من حيث عدد المفقودين إذ تشير التقارير الدولية وجود من 250 ألف مغيب إلى مليون مغيب فيه.
الميثاق: ولكن هناك من يجزم على أن سلطة الأحزاب الحاكمة متورطة فيه بدعم وتشجيع الميليشيات المرتبطة بإيران ما هي قراءتكم لمخاطر استمرار هذا الملف مفتوحا ومن دون حل قريب؟
الفرحان: الحكومة والأحزاب جميعها فضلا عن الاحتلال وتنظيم داعش جميعهم متورطون في هذه الأعمال، وهذا يجعل هذا الملف أكثر تعقيدا أيضا، وجود مئات الأشخاص، الذين تم تحويلهم من حالة الاختفاء أو التغييب القسري من عوائلهم أو ذويهم إلى حالة وفاة في مقابر جماعية وتعود هذه المقابر الجماعية إلى أفعال الميليشيات والسلطات الأمنية في العراق في العمليات عسكرية شنتها هذه القوات الحكومية ضد تنظيم الدولة. وأن السلوك الحكومي غير جاد بإنهاء ملف المغيبين بسبب أن هذه الملف سيدين الحكومات التي حكمت بعد الاحتلال وإلى اليوم وهي تريد أن تجعله ملفا مفتوحا من دون حل.